ابراهيم خليل
حكومة الإهمال والمفاجآت
فى معظم دول العالم يحدث ما يقع فى مصر.. لكنه لا يكون مصحوبا بكلمة «المفاجآت».
لم تعد كلمة «مفاجأة» موجودة عند أحد إلا عندنا، مع تعدد المفاجآت.
نفاجأ بالحر.. نفاجأ بحريق سنترال العتبة.. نفاجأ بتوقف المترو فى عز الحر لمدة 54 دقيقة ويهلك الركاب من حرارة الجو المضاعفة تحت الأرض .. نفاجأ بانقطاع المياه.. نفاجأ بانقطاع الكهرباء.. وقد نفاجأ خلال الشهور المقبلة بانقطاع المرتبات.
كل ما نشهده من حوادث ومن مشاكل تسبقه كلمة «نفاجأ».
كيف نفاجأ بالحر، مع أننا فى شهر أغسطس، ومعروف أنه الشهر الذى ترتفع فيه درجات الحرارة إلى أعلى معدل لها فى الصيف.
وفى كل عام شهر أغسطس معروف لدى هيئة الأرصاد الجوية بأنه شهر الحر المميت، ولكن أيضا الحكومة تبرر عدم الاستعداد بأن هذا الأمر مفاجىء لنا، كما جرى مع حرائق قش الأرز. فهو أمر متوقع منذ بداية العام.
كثير من المحافظات يعانى من مشكلة انقطاع المياه ومن بينها محافظة الشرقية، ولكن المحافظ يبرر ذلك بأنه فوجئ بشح المياه بسبب فصل الصيف.
الطامة الكبرى أن محافظ بورسعيد يلبى دعوة من إحدى الشركات الخاصة للمشاركة فى تكريم عدد من الكومبارس اللاتى يرتدين الملابس العارية ويتجاهل المشاكل المتراكمة بالمحافظة دون أى حل وكأنه يمتلك من رفاهية الوقت الكثير لتكريم الممثلات المغمورات.
إنها حكومة المفاجآت بامتياز، وفى قول آخر حكومة الإهمال.
لا يعنى الناس كثيرا أن هناك استعداداً للانتخابات البرلمانية، وكثير من الناس لا يعنيهم فى شىء أن هناك مشروعات يجرى الإعداد لها خلال السنوات المقبلة.
ألم تدرك الحكومة أن نهج التراخى أدى هذه الأيام إلى تقنين أوضاع منها المظاهرات التى خرجت تعترض على قانون الخدمة المدنية العامة، مع أنه لن يطبق على هذه الفئات مثل عمال النقل العام والمدرسين والأطباء.
لكن الحكومة كعادتها لا تقوم بشىء إلا بالضغوط، حتى إن من لا يطبق عليهم القانون حركتهم بعض الأيادى الإخوانية والخفية والمتربصة ليعترضوا على شىء لا علاقة لهم به وأنهم ليسوا من الفئات الذين يشمهلم هذا القانون، ولكنهم تظاهروا بسبب إهمال الحكومة فى شرح القانون بشكل مفصل بين أعضاء النقابات العمالية والمصالح الحكومية والإعلان عن الفئات التى سيتم تطبيق القانون عليها، وهو ما يعنى أيضا: الإهمال ومفاجأة الناس.
غريب أمر بعض الوزراء، خصوصا فى مجال الخدمات والصحة.
وقائع إهمال خطيرة أدت إلى مقتل وإصابة أكثر من 05 طفلا خلال شهرى يوليو وأغسطس، من بينهم 6 أطفال حديثى الولادة لقوا مصرعهم داخل الحضانات بسبب الإهمال داخل مستشفى أطفال الدمرداش.. وفى بنى سويف أدى الإهمال الطبى إلى مقتل 7 أطفال وإصابة 62 آخرين، بسبب تناول محلول جفاف المناعة الفاسد داخل مستشفيات أهناسيا والواسطى وسمطسا.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففى مستشفى الخانكة للصحة النفسية يتكتم مسئولوه على عدد المرضى الذين لقوا مصرعهم داخل المستشفى. ويبررون موتهم بعدم وجود مكيفات، وأن الحر هو سبب موتهم، وكأن الحر يأتى بشكل مفاجئ، ولم يكن معروفا أن هناك ما يسمى بشهور الصيف وشهور الشتاء، وأن مصر ليست من البلاد الحارة، ولكنها تقع فى وسط أوروبا. لذلك لا يحتاج مستشفى الخانكة لتركيب مكيفات فى عنابر المرضى.
وفى نفس السياق أيضا أن وزارة الصحة غائبة دائما عن أن تقوم بواجباتها تجاه مستشفيات الغلابة..
لا أطباء يقومون بالتفتيش على هذه المستشفيات، لا يوجد بهذه المستشفيات أدوات لإجراء العمليات الجراحية أو أدوية لمعالجة المرضى.
فالمريض إن وجد سريرا بعد أن يقدم المجاملات المالية يقوم أيضا بشراء دوائه.
وأيضا بسبب الإهمال، لأن الدولة تخصص ملايين الجنيهات لهذه المستشفيات، لكننا لا نعرف أين تذهب هذه الملايين.
هكذا لا أحد مستعجل على معالجة قضايا الناس، حتى إن قوات الدفاع المدنى قد تأخرت فى الاستجابة السريعة للوصول إلى مكان حريق سنترال العتبة بوسط القاهرة مما أدى إلى امتداد الحريق لعدة طوابق، مما كان له أكبر الأثر على الاتصالات الأرضية والمحمولة والإنترنت بمناطق متعددة فى القاهرة.
ورغم وجود 34 سيارة إطفاء من الدفاع المدنى، إلا أنها فشلت فى محاصرة النيران وارتفعت ألسنة اللهب بشكل مخيف، وهو الأمر الذى أدى لقيام رجال الأمن بغلق الشوارع والطرق المؤدية إلى السنترال.
لو أن هناك ما يسمى بالرقابة الصناعية وعدم وجود إهمال فى سنترال العتبة وأعمال الصيانة متواجدة بشكل دائم، ولو أن هناك نظاما وقائيا لمنع الحرائق فى المنشآت العامة لما وقعت مثل هذه الأحداث التى تؤدى إلى أضرار فادحة فى الأرواح والممتلكات.
لا يجوز أن يستمر الوضع هكذا.
فكما يقال فى الأمثال أن (بيت المهمل يتخرب قبل بيت الظالم).
فالمعادلة واضحة، وهى أن من لا يهتم بشئون الناس ليس أهلا لأن يتبوأ المناصب القيادية التنفيذية.
إنها المعادلة الواضحة التى لا تخطئ.
لا أعذار لأحد.. لا أسباب تخفيفية لأحد..
المطلوب معالجات سريعة حتى يشعر الناس بأن هناك مسئولين يهتمون بمعاناة الناس.
إن فاتورة تعطيل حل مشاكل الناس، خصوصا اليومية منها، باتت أكبر من أن تُحتمل.
لا حاجة إلى تكرار القول إن البلد فى حاجة إلى حلول غير تقليدية لكثير من مشاكله.
لماذا لا تطرح الحكومة مشاكل الناس على عدد من الخبراء الشباب ليقوموا بتقديم حلول غير تقليدية وتقوم الحكومة بتنفيذها؟
إلى متى سيبقى هذا التعنت والوقوف أمام المشاكل على أنها مفاجآت؟
إن أسهل أنواع السياسات هو عدم القيام بأى شىء أو تقديم أى مبادرة.
أما أصعبها فهو السياسات التى تقوم على الاختيار والوعى والحلول العلمية، ولا نريد أن يتكرر مشهد الإهمال فى المدارس ونحن على أبواب عام دراسى جديد بعد أقل من شهر من الآن.
فهل انتهت وزارة التربية والتعليم من طبع الكتب الدراسية؟، أم أن بعض الكتب سيتم تأخيرها بعد أن تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع بعض المطابع الخاصة ذات الميول الإخوانية؟
هل تم تسليم الكتب فى مواعيدها حتى يتم تسليمها للتلاميذ، أم سيتكرر مسلسل كل عام فى عدم تسليم الطلاب الكتب فى بداية العام الدراسى؟
هل قامت وزارة التربية والتعليم بالتفتيش على الأبنية المدرسية، والتأكد من أنها مهيأة لاستقبال التلاميذ من جميع النواحى؟
هل درست الوزارة صرف وجبة غذائية للطلاب كما كانت تفعل المدارس فى عهد الزعيم الخالد جمال عبدالناصر حتى تحافظ على الصحة العامة للأجيال؟
الناس حمّلت المسئولين الأمانة.. فكيف يردون لهم الوفاء؟
هل يكون رد الوفاء بالإهمال على كل المستويات أم بحل مشاكل الناس؟
لا النداءات نفعت، ولا الاستغاثات، ولا المناشدات، كان لها أى رد فعل فى حل المشاكل.
الناس أشبه ما تكون فى بحر من المشاكل، وسفينة الإنقاذ بها ثقوب كثيرة، وركاب السفينة يهتمون بكل شىء إلا معالجة الثقوب التى يمكن أن تؤدى إلى الغرق. ∎







