الإثنين 16 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
وحش الإهمال يلتهم الغلابة

وحش الإهمال يلتهم الغلابة


هــل نصل إلى وضع يصبح فيه كل مواطن عليه رقيب؟..  هل نعين لكل مكان رقيبا حتى تستقيم الأمور؟.. هل نفقد فى أيام معدودة ما حصلنا عليه فى سنوات؟
هذه الأسئلة تأتى بمناسبة المأساة الكبرى التى جرت على مرأى ومسمع عدد كبير من الناس الذين كان بعضهم يصفق ويرقص على أنغام الأغانى الشعبية الصاخبة، والتى كان يشكو من ارتفاع أصواتها كل من يقترب من هذه المنطقة، حتى إن أصوات الأغانى الشعبية من عدم الرقابة والإهمال فى استخدام الميكرفونات أدت فى بعض الأحيان إلى تصادم بعض السيارات فى الشارع بمنطقة ماسبيرو ومنطقة الدخول على ميدان التحرير.
المثير أن رجال الشرطة فى هذه المنطقة لم يتحرك لهم ساكن رغم الموسيقى الصاخبة واللافتة التى تصم الآذان، وكأنها قنابل دائمة ولا أحد يتحرك ولا أحد يحتج، وكأن أصحاب هذه المراكب قد امتلكوا النيل من داخله وفى الشوارع المحيطة به، والجميع كان يتوقع حدوث الكارثة حتى وقعت بالفعل بسبب الإهمال والخوف من أصحاب المراكب التى لا يوجد عليها أى رقابة، تسبح فى مياه النيل بدون أى ترخيص وبأعداد تفوق عدد الركاب المسموح بهم.
وبعض هذه المراكب يقيم الحفلات الصاخبة التي تبدأ بتدخين الدخان الأزرق سواء كان الحشيش أو البانجو، وتنتهى بحفلات الدعارة وسط الرقص والأغنيات الصاخبة، مع غياب تام وكامل من أى جهات رقابية، ويكون وحش الإهمال هو السائد والسيد فى كل شىء، ويحصل ملاك المراكب على أكبر قدر من الأموال على حساب أرواح وجثث الغلابة الذين أرادوا أن يبتهجوا برحلة نيلية يستمتعون فيها بجمال النيل باعتبار أن هذه الرحلات تتناسب مع دخولهم المحدودة.
فى هذا الجو يكون الغلابة هم الضحية، وتضاف إلى حياتهم أعباء جديدة هى الحزن بخلاف الأعباء القديمة ومنها الفقر والجوع، والسبب فى كل هذا هو الإهمال.
الغريب فى هذه الأجواء أن المسئولين يتبادلون الاتهامات، فالمحافظ يتهم وزارة النقل، ووزارة النقل تتهم المحافظة، والضحية أسر كاملة وعدد كبير من الأطفال!
شىء طبيعى ما جرى نتيجة توحش الإهمال، وتفشى الرشوة وضعف الأجهزة المحلية، وهروب المسئولين عن التدخل لوقف المهزلة التى هم على دراية تامة بكل تفاصيلها، لأنهم إذا كانوا لا يعلمون بما يحدث فى مياه النيل، فهم يعلمون من خلال مرور سياراتهم وسماعهم الأغانى الصاخبة التى ترسلها مكبرات الصوت.
الأمور ليست هكذا فى مصر، إذا كان المسئولون قد فسروا أن مكبرات الصوت تعلن عن فرحة الناس، لكن نقول لهؤلاء المسئولين إن الناس فى ضيق بسبب إهمالهم ومعالجاتهم لعدد من الأمور بطريقة مبتورة.
كيف يتحقق الاستقرار فى بلد يسود عددًا كبيرًا من قطاعاته الإهمال، وعلى مرأى ومسمع من المسئولين الذين لا يتحرك لهم ساكن لمكافحة هذا الإهمال أو تقليله حتى أو التحذير منه؟!
الذي لا يعلمه المسئولون أن الإهمال أسوأ من الإرهاب فى معظم الأحيان، لأن الإرهاب يكون نتيجة الإهمال.
وما قام به أهالى الضحايا من رد فعل سواء كان قطع الطريق أو رفع الأحذية فى وجه محافظ الجيزة ما هو إلا تعبير عن انفجار مشاعرهم التى لم تتحمل ما جرى من إهمال.
إن ما جرى من غرق أسر كاملة وعدد كبير من الأطفال ليس بالأمر الهين فى الحاضر والمستقبل، فصراخ أهالى الضحايا رغم خفوته، إلا أنه جرح مشاعر جميع المصريين، ونزفت قلوبهم وانهمرت دموعهم من هذه المأساة التى أصبحت حملا ثقيلا أضيف إلى أحمال الحزن التى تجرى هذه الأيام من استشهاد عدد من رجال الجيش ورجال الشرطة الذين يكافحون الإرهاب ويتصدون له.
وهؤلاء الذين استشهدوا كانوا يعرفون عدوهم ويؤمنون بأنهم يدافعون عن الوطن ضد الإرهاب، لكن ضحايا مأساة الوراق لم يكونوا يعرفون أن وحش الإهمال سوف يحصد أرواحهم، وأن من ائتمنوهم من المسئولين للحفاظ على أرواحهم لم يكونوا على قدر المسئولية.
بعيدا عن الصخب الإعلامى وتكبير حجم النتائج التى أدت إلى وقوع هذه الكارثة، فإنه لابد من تقديم المسئولين إلى المحاكمة، والمسئولون ليسوا فقط هم أصحاب الصنادل أو المراكب أو السائقين، ولكن المسئولين هم محافظ الجيزة ووزير النقل والشرطة النهرية، والمسئولون عن محطات ركوب الناس لهذه المراكب، وأيضا الموظفون الذين يعطون تصريحات عمل لهذه المراكب، حتى نصل إلى المسئول عن هذه المأساة، حتى لا يتم تكرارها، لأنه دائما وأبدا الفقراء هم من يدفعون ثمن الإهمال.
من هنا يفترض أن يقطع رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب زيارته لإيطاليا ليتابع بنفسه من المسئول عن هذا الإهمال الذى لو حدث أو جرى فى أى دولة لقدمت الحكومة كاملة استقالتها نظرا لحجم المأساة وعدد القتلى الذى وصل إلى أكثر من 02 ضحية، معظمهم من الأطفال، وأن يقول للناس الحقائق كما هى لأنه عاجلا أم آجلا ستكشف هذه الحقائق وسيكتشف الرأى العام إذا كان رئيس الحكومة يقول الحقيقة أم شيئا آخر.
وهذا تحدٍ أمام رئيس الحكومة ليقول الحقائق كما هى، وعلى أساس هذه الحقائق يتم التصرف وإحالة المسئولين إلى النيابة لتقديمهم إلى المحاكمة وإيجاد حلول سريعة وإيجابية لما يجرى فى نهر النيل من إهمال تام وكامل يؤدى بين الحين والحين إلى كارثة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يشمله إلى مجالات أخرى فى مصر تؤدى لسلسلة من الحوادث المميتة التى لمست وترا حساسا فى نفوس المصريين وتثير الضجة على نطاق واسع منذ عقود طويلة.
فمازال مسلسل الإهمال مثلا مستمرا تجاه أكثر من 02 مليون مصرى يقطنون المساكن العشوائية، ولم يحرك مستنقع الإهمال الحكومى سوى سقوط صخرة على رءوس قاطنيها، مثلما حدث من سقوط صخرة بمنشية ناصر على منازل الأهالى، لكن العناية الإلهية وحدها أنقذت أرواح المئات من الموت المحقق تحت أنقاض الصخور، كما حدث فى عام 8002 عندما سقطت صخرة الدويقة الأولى.
هكذا مسلسل الإهمال مستمر، ولا يقف أمامه أحد، بل يتم تعضيده وتقويته ومساندته سواء كان هذا التعضيد بالغياب أو إغماض العين أو إلقاء المسئولية على الآخرين، ولكون النتيجة هى أرواح الناس، والتهمة توجه للإهمال، والإهمال ليس شخصا ولكنه سلوك.
ومن هنا لابد من وقفة شديدة وعنيفة ضد الإهمال والمسئولين عنه بأن يتم تقديم جميع المسئولين للمحاكمة العاجلة ليعلم الناس أن حقوقهم لا تضيع.
ولابد أن يعى المسئولون أن مهمتهم الأصلية والحقيقية هى عدم جر مصر إلى الوراء لخلق بيئة سيئة تساعد على انتشار الإرهاب.
فى المحصلة، فإن ما جرى من مأساة هو نتيجة فوضى وإهمال وأن القائمين عليها يتعاملون مع مواقعهم أو وظائفهم على أنها مغانم، يحاول بعضهم أن يستولى على ما ملكت يداه.
ومعالجة الإهمال لا تحتاج إلى استيراد أو اختراع، لكنها تحتاج إرادة واعترافا بالمشكلة وبمدى خطورتها وما يترتب عليها من آثار سلبية ومخاطر، ثم البحث عن المشكلات المتأصلة التى قد تكون سببا للإهمال وتحمل المسئولية والاعتراف بالواجبات، وعلى الأقل وضع خريطة أو برنامج لمكافحة الإهمال. ∎