ابراهيم خليل
ألمانيا فى حب مصر
كــان الوقت ليلا وجو برلين يغرى بكل شىء، إلا بالنوم الذى يطيل العمر ويقصر الحياة، ذلك أن الذين ينامون كثيرا يعيشون قليلا والعكس بالعكس.
لكن ما عكر هذا الجو الجميل الذى تعيشه الآن العاصمة الألمانية هو الألفاظ الخارجة التى تتلفظ بها جماعة الإخوان الإرهابية التى جن جنونها وأخرجت ما فى أحشائها من وقاحة وسفالة بعد أن تأكدت من النجاح الكبير الذى تحقق بزيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى لألمانيا والإشادات التى توالت من جانب المسئولين الألمان حول نتائج الزيارة على جميع المستويات، سواء المستوى السياسى بأنها أول زيارة رسمية للرئيس عبدالفتاح السيسى لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وهو ما يعد اعترافا ضمنيا بثورة 03 يونيو وخطة الطريق التى أفرزت الاستفتاء على الدستور وانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى انتخابات حرة ونزيهة، ولم يتبق من هذه الخطة إلا انتخابات البرلمان.
وفى إطار زيارة الرئيس السيسى إلى ألمانيا لم تكن المحادثات التى جرت فى الغرف المغلقة بين المسئولين المصريين ونظرائهم الألمان، محادثات هينة أو بسيطة، خصوصا أنه قبل بدء هذه المحادثات بفترة طويلة قامت الجماعة الإرهابية بترتيبات مع عدد من المواقع الإعلامية لإفشال هذه الزيارة من جميع النواحى، باعتبار أن ألمانيا هى البوابة الملكية للتعامل مع الاتحاد الأوروبى، خصوصا بعد أن صدرت أحكام بالإعدام على الجاسوس مرسى ومرشد الإخوان محمد بديع وعدد من قيادات الجماعة الإرهابية.
واستشف الإخوان عندما بثوا سمومهم تقبل المجتمع الألمانى للانتقادات الخاصة بموضوع الإعدام لحساسيته المفرطة عندهم وعدم تقبل هذه الأحكام من حيث المبدأ.
ومن هذه النقطة قامت الجماعة الإرهابية بتصعيد انتقاداتها وهجومها على أحكام الإعدام، وهو ما لقى قبولا كبيرا لدى منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية، وترتيبا على هذه الانتقادات والحملات توقعوا فشل الزيارة، ولكن هذه التوقعات بدأت تتبخر بعد سطوع شمس يوم الأربعاء الماضى بالاستقبال الرسمى للرئيس السيسى من جانب رئيس الجمهورية الألمانية، والذى استقبله بمبنى الرئاسة الألمانية فى الساعة الحادية عشرة صباحا، واستعرض معه حرس الشرف فى رشاقة وانطلاق وثقة بالنفس من جانب الرئيس السيسى، وهو ما استحوذ على إعجاب الجالية المصرية الذين شاهدوا مراسم استقباله فى مبنى الرئاسة الألمانية.
وتوالت خطوات النجاح بالمحادثات التى تمت ما بين الرئيس السيسى والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التى تناولت جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وظهر من خلال هذه المحادثات الاتفاق ما بين الرئيس السيسى والمستشارة الألمانية على دعم ألمانيا ووقوفها إلى جانب مصر واستعدادها لتقديم المساعدة اللازمة من أجل المضى قدما فى العملية السياسية ودفع عملية التنمية الشاملة ولاسيما فى شقها الاقتصادى، وأن النقاط الخلافية هى عدم تفهم الجانب الألمانى لمسألة أحكام الإعدام، وهو الأمر الذى رد عليه الرئيس السيسى بأن هذه الأحكام هى أول درجة للقضاء المصرى، ومن حق المحكوم عليهم أن يلجأوا إلى القضاء المصرى لنقض الحكم واستئنافه، مضيفا أن الحكومة المصرية لا تتدخل فى أحكام القضاء.
وكرر الرئيس السيسى خلال مؤتمره الصحفى أننا نحاول أن نشرح مسألة أحكام الإعدام حتى يتفهم المجتمع والساسة الألمان طبيعة هذه الأحكام.
ونفس الأمر أكدته المستشارة الألمانية فى المؤتمر الصحفى المشترك بأن المحادثات مستمرة بين الجانبين للوصول إلى صيغة تفاهم ترضى الطرفين.
المفاجأة أن وزير الاقتصاد الألمانى قد عبر عن تقديره للموقف المصرى وانحيازه للسياسة المصرية، وعن إعجابه ودهشته من التطور السريع الذى يحظى به المجتمع الاقتصادى المصرى، وأن هناك خطوات اقتصادية كبيرة ستشهدها القاهرة وبرلين بشأن الاتفاق على تركيب محطات الكهرباء التى تقوم بها شركة سيمنس الألمانية، والتى تقدر قيمة الاتفاق بينها وبين وزارة الكهرباء المصرية بعشرة مليارات يورو.
المثير أن جماعة الإخوان الإرهابية قد أعلنت من خلال المظاهرات المحدودة عن نجاح زيارة الرئيس لألمانيا بخروج مظاهرات بلغ عدد أفرادها 008 شخص كانوا يحملون اللافتات باللغة الألمانية ويتوقفون بعض الشىء ليشرحوا للمارة أحكام الإعدام التى يعترضون عليها، وعندما كان يتصدى لهم بعض المصريين يتلفظون بألفاظ نابية وسب الدين والإشارات غير اللائقة حتى لا يفهما البوليس الألمانى.
وقد تقدمت الجماعة الإرهابية إلى السلطات الألمانية للحصول على تصريح بـ 41 مظاهرة، لكن تلك السلطات لم توافق إلا على مظاهرة واحدة.
ولاحظنا أن المشاركين فى تلك المظاهرة من المهمشين والعاطلين عن العمل، وهو ما فسره البعض لنا بأن مجرد خروجهم فى هذه المظاهرة ليتلقوا المساعدات المالية، فضلا عن المزايا الإنسانية التى تقدمها الحكومة وجمعيات حقوق الإنسان لمثل هذه الفئات التى تعتبر نفسها من المعارضين أو النشطاء السياسيين.
إضافة إلى ذلك أن جماعة الإخوان تقوم بإيجاد فرص عمل لهؤلاء العاطلين، والبعض الآخر تصرف له معونات مالية تحت أسماء مختلفة باعتبارها راعية لعدد من الجمعيات الخيرية التى تمارس نشاطا واسعا وكبيرا داخل ألمانيا.
فضلا عن أن استثمارات الجماعة المحظورة فى ألمانيا تبلغ 01 مليارات يورو، ومن هذه النقطة هناك ارتباطات مالية كبيرة بين جماعة الإخوان وبعض المؤسسات الاقتصادية بألمانيا، وهو ما أدى إلى تفاعل بعض فئات المجتمع الألمانى ضد أحكام الإعدام.
وعلى خلفية هذه المشاهد نجد أن المظاهرات التى خرجت من جانب عدد كبير من أبناء الجالية المصرية بألمانيا كانت تحمل أعلاما مصرية ولافتات مكتوبة باللغة العربية وأغانى وطنية.
ورغم تنوع المظاهرات التى قام بها المصريون ضد الجماعة الإرهابية، فإنها تخاطب نفسها ولا تتوجه إلى الشعب الألمانى بمخاطبته بلغته وشرح كل ما يتعلق بعمليات الإرهاب التى تقوم بها الجماعة فى مصر وآخرها عملية القتل البشعة لوكلاء النيابة بالعريش، إضافة إلى العديد من الجنود وضباط الشرطة.
وما يلفت النظر أن الادعاءات الكاذبة والانتشار الإعلامى للجماعة الإرهابية ليست بالقوة التى نستشعرها من خلال ما تنشره الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى وبعض وسائل الإعلام الألمانية، ولكن هذه القوة نتيجة ضعف الإعلام المصرى وعدم استخدام نفس الأسلوب الذى تستخدمه الجماعة للانتشار فى أوساط المجتمع الألمانى، وأن الإعلام المصرى لا يبسط نفوذه من خلال الإعلام الألمانى.
لماذا لا تقوم الصحف الكبرى كالأهرام والأخبار بدعوة رؤساء تحرير الصحف الكبرى فى ألمانيا لزيارة القاهرة واطلاعهم على أرض الواقع على الجرائم التى ترتكبها جماعة الإخوان ليل نهار؟!
وأيضا لماذا لا تقوم وزارة الخارجية بالاشتراك مع وزارة الثقافة بدعوة المفكرين والفلاسفة الألمان لزيارة القاهرة واطلاعهم على الجرائم البشعة التى ترتكبها الجماعة الإرهابية؟
فكل هذه الخطوات يجب أن تكون مدخلا لوضع استراتيجية كاملة لمواجهة هذه العصابة فى كل أنحاء العالم، ولا نترك لهم فرصة كبيرة أو صغيرة لأن يبثوا من خلالها سمومهم.
فالناس يريدون الأمن والأمان ولقمة العيش، والإخوان يعيشون فى قلق وتوتر وجنونهم يزداد كل يوم مقابل الاستقرار وقوة الدولة المصرية فى كل ربوع الوطن.
إن استخدام الكلام الجارح ليس له سوى تفسير واحد هو الإفلاس السياسى والاجتماعى والاقتصادى.
فحين لا يعود فى مقدور الإنسان أن يصارع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق يلجأ إلى القنبلة كتعبير عن موقفه، فقد انتهى أمره وأعلن أنه إرهابى.
ويتوقع عند عودة الرئيس للقاهرة أن تتم إعادة النظر فى بعض القوانين الاقتصادية التى تعوق التعامل مع بعض الشركات الأجنبية الكبيرة طبقا لما جرى فيما يتعلق بموضوع فرض الرسوم الجمركية، ودراسة تعيين وزير للجاليات المصرية لتحقيق سيولة فى التواصل.
وهناك تأكيدات أيضا بحضور المستشارة الألمانية احتفالات مصر بافتتاح قناة السويس الجديدة.
إنها الساعة الثالثة ظهرا يوم الخميس الماضى بالتوقيت الألمانى، طوابير طويلة، شباب وشابات وكهول، هذا هو المشهد أمام فندق «أجلون» مقر إقامة الرئيس السيسى، والسبب فى هذا الازدحام هو لحضور لقاء السيسى مع أفراد الجالية المصرية بألمانيا، والذى اتسم بالود والتداخل الإنسانى الذى يملك مفاتيحه الرئيس السيسى بعفويته ومشاعره تجاه كل ما هو مصرى.
هذه النقلة الكبيرة تؤدى إلى مزيد من نجاح السياسة الخارجية المصرية التى ترتبط دائما بالمصالح الاقتصادية وترجمة هذه العلاقات إلى مصالح متبادلة على أرض الواقع بما يخدم الطرفين، حتى إن صحيفة «زود دويتشه تسايتونج» الألمانية التى وصفت الرئيس السيسى بالديكتاتور حذرت من أن تحقيق رغبة السيسى بزيارة برلين والتى تطلع إليها بشغف منذ وقت طويل يمثل حجر أساس لطريق السيسى.
كما وصفت وكالة الأنباء الألمانية زيارة السيسى بأنه الضيف الصعب، مشيرة إلى أن إصرار الحكومة الألمانية على مد البساط الأحمر للرئيس السيسى يأتى فى إطار السياسة الواقعية، لأن بوادر التفكك التى تظهر حاليا فى دول عربية مثل سوريا أو اليمن أو ليبيا، ستجعل التعامل مع أى نظام لايزال متماسكا أمرا مرحبا به حتى لو لم يكن على قمته قيادة ديمقراطية، هكذا نرى أن لغة المصالح هى السمة الغالبة فى العلاقات الدولية.
قد يقول قائل إن الذين يعملون بالنهار من حقهم أن يستريحوا فى الليل.
والجواب أن العمل ضرورى والراحة ضرورية، ولكن أن تعيش أيضا أمر ضرورى، وأن تعيش فى أجواء ألمانيا بشرقيتها وغربيتها أمر ضرورى جدا لم تتطرق الزيارة لهذا الأمر، كما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كذلك ليس بالعمل والراحة وحدهما يعرف معنى الحياة.
إن الحياة كفاح صحيح، والحياة هدوء واستقرار وعافية صحيح.. ولكن الحياة إلى جانب ذلك حب وجمال وأشجار وأزهار وينابيع وقمر ساطع ونجوم متلألئة وابتسامة حلوة وغناء.
وأعود إلى البدء فأقول كان الوقت ليلا وجو برلين بديعا فاتنا، عندما التقى المصريون بعضهم البعض فى حب مصر.
هذه كانت نتيجة زيارة السيسى.. حب مصر.∎







