ابراهيم خليل
يا مصريون.. لا تقتلوا الأحلام
عاصفة الحزم إلى إعادة الأمل، خطت مصر خطوات كبيرة وجبارة فى اتجاه المستقبل، وفتح باب النقاش مجددًا حول إطلاق طاقات الإبداع والابتكار باعتبار أنهما، على حد وصف الرئيس عبدالفتاح السيسى، يمثلان الكفاح والنضال من أجل الوصول إلى دولة حديثة فى عالم اليوم، مشددًا على ضرورة إعمال الخيال فى التعامل مع الظروف الصعبة الراهنة بمشاركة من كل مؤسسات المجتمع والجامعات والكليات العسكرية.
واستطرادًا: ماذا عن المستقبل؟ وماذا عن ترجمة ما طرحه الرئيس الأسبوع الماضى وينتظر بلورة له من الآن؟
إنها أسئلة مشروعة يتداولها الناس على ضوء ما طرحه الرئيس خلال افتتاح أعمال تطوير عدد من مصانع القوات المسلحة لإنتاج أحدث أنواع السيارات والمركبات والعربات المدرعة وقطع الغيار التى تستخدم فى تصنيعها.
ووجه الرئيس كلامه إلى جميع القطاعات والهيئات والمؤسسات فى الدولة دون استثناء، إلى تشكيل فرق عمل تسهم فى رفع مستويات الوعى لدى المواطنين حتى تقطع الطريق على أى جهة تريد خداع الرأى العام وتزييف وعيهم وتأخذهم فى طريق يهدد أمن وسلامة واستقرار البلاد.
مضيفا: إننا قادرون على أن نعمل الكثير من أجل تأمين أولادنا وأسرنا وتشكيل وعى حقيقى، وأن مسئولية كل فرد ومسئول فى الدولة أن يتحمل عبئا فى التوعية، وأن هذا الدور ليس مقصورا على الإعلام وحده.
فالسياسة منذ أيام أرسطو إلى اليوم تعنى إدارة شئون الناس، وهى فى الحد الأدنى فن الممكن، وفى الحد الأقصى فن جعل الصعب ممكنا.
وهذا الممكن الذى لابد أن يتحقق فى مصر، وهذا الصعب الذى لابد أن يتحقق أيضا فى مصر لن يكون بالشعارات، بل بالعمل وإطلاق الطاقات وتحديد البرامج العلمية التى تحقق فى نهاية الأمر الصعب والمستحيل، وهو ما يتطلب أن يكون فى مصر تعليم جيد من خلال برامج التعليم والثقافة المستنيرة التى تقتنع بها الأسر المصرية وتقوم بالمساهمة فى تحقيقها منذ السنوات الأولى من عمر التلميذ قبل دخوله المدرسة، باعتبارها من المراحل العمرية المهمة التى يمكن من خلالها تنمية واكتشاف وبلورة الإبداع لدى الأجيال فى مصر وزرع روح الابتكار وتحدى المستحيل، والتنشئة على إيجاد الحلول البديلة وغير التقليدية لكل الصعاب لهدف أساسى مبنى على عدم الاستسلام للواقع، وهذا يتطلب أن يكون هناك فريق من المعلمين المخلصين الذين يتفانون فى اكتشاف المواهب من أجل رفعة مصر وعلو شأنها بين الأمم.
لقد سئم الوطن من التعليم التقليدى، وحان الوقت الذى يستشعر فيه المعلمون بحاجة البلاد إلى عقول أبنائها من خلال المساهمة فى اكتشاف المبدعين.
لكن المسئولية لا تقتصر على المعلمين وحدهم، بل تتعداهم إلى الوالدين والإعلام من خلال تبنى برامج محفزة للإبداع بأشكاله المختلفة وإلى تبنى المشاريع الخيالية وتحويلها إلى واقع ملموس.
ويرى علماء التربية وعلماء النفس أن المناهج التى تعتمد على الحفظ والتلقين لا تحفز على الإبداع، بل تعد طاردة له لأن الممارسات الميدانية والعملية تتيح للعقل القدرة على إطلاق العنان للإبداع.
لكن فى مصر معجزة ليست من صنع السياسيين ولا هم استطاعوا القضاء عليها.. إنها قدرة الناس على العيش رغم الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية.
ورغم تزاحم هذه المشاكل على الحياة اليومية للمصريين، فإنهم بجانب تحملهم لهذه المشاكل يجدون مخارج وحلولا تؤدى بهم إلى طريق النجاة والعيش الكريم الشريف، وهو ما شاهدناه خلال الأعوام الثلاثة الماضية بعد ثورة 52 يناير، فكل شىء معطل ولا شىء يتبدل، ومع ذلك فإن الحياة مستمرة.. ناس تسهر وناس تفتش عن بقايا الطعام بين القمامة، وناس تبنى وتفكر فى المستقبل وسط أكبر قدر من الضيق، وناس تهاجر، وانتشر ما يسمى بالمجادلين الذين لا يكفون عن اللغو والسجال العنيف والمبتذل أحيانا، ولا يتلاقون فى أى حوار هادئ يقود إلى حلول عملية على أرض الواقع.
وفى مقابل ذلك، نجد أن الأركان الرئيسية التى تقوم عليها الريادة والتميز والتقدم هى المؤسسية التى تخرج المجتمع من حالة الفردية إلى حالة محكومة بضوابط وقوانين.
كما يساهم التعليم الجيد فى التقدم من خلال الفكر النير والثقافة المستنيرة ومشاركة المرأة فى العمل مع خطاب دينى متفتح ومتفاعل بعيدا عن التعصب والتطرف، وأن قوة كبيرة من التفكير والإبداع تسهم فى العملية الاقتصادية، وتتطلب الإدارة الناجحة الإبداع لدى المؤسسات والأفراد لتحويل الحلم إلى حقيقة وعدم التحدث عن الرابحين والخاسرين فى معارك سلاحها الألفاظ النابية، ويكون الخاسر فى النهاية هو الوطن والضحية الشعب.
وفى هذه الأجواء ننبه إلى أنه مهما شطح الخيال فلا نسمح بقتله، ومهما تجاوز الخطوط مثلما يحدث فى دول العالم المتقدم وهو أن الخيال ليس له حدود وكل مؤسسات الدولة تشجعه، والعالم الحقيقى المحب لعلمه لابد أن يحلم، وإن لم يتخيل العالم ويحلم فسيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئا جديدا.
كما يولى العالم المتقدم أهمية كبيرة للدراسات المستقبلية، لأن هناك همزة وصل بين الخيال العلمى ودراسات المستقبل فكلاهما يسعى للتنبؤ بالمستقبل.
∎∎
كيف يخطط المصريون للمرحلة المقبلة؟
هل يخططون على المستوى الوطنى أم على المستوى الشخصى؟
بمعنى أوضح كيف لهم أن يهتموا بشئونهم الوطنية إذا لم يجدوا من يؤمن لهم متطلبات العيش الكريم والبنية الأساسية بما فى ذلك المياه والكهرباء ووسائل النقل والطرق الممهدة وإتاحة السلع والخدمات.
الناس عالقون بين حبهم لوطنهم وشغفهم به، وبين هذا الإهمال المتمادى الذى ظهر على سبيل المثال فى قطع الإرسال التليفزيونى.
ربما ما جرى كان بهدف أن يتأثر الناس فى يومياتهم وهمومهم ومشاغلهم حتى لا يتمكنوا من الوقوف ضد الإرهاب أو حتى أن يحلموا بالمستقبل وأعينهم مفتوحة.
الناس لا تنتظر من فى أيديهم السلطة أن تعطيهم أى شىء، فبعد ما يقرب من أربعة أعوام تخللتها ثورتا 52 يناير و03 يونيو يجد الناس أنفسهم وفى كل يوم أمام مشكلة جديدة، بحيث لا يقوون على التقاط أنفاسهم حتى يفكروا ويبتكروا.
ولكن رغم كل هذه الأجواء، هل يجوز الاستسلام؟
وهو ما يعنى انتصار قوى الظلام على إرادة الشعب، وهذا ما لا يجوز ولا يسمح به، لأن على رأس هذه الدولة رجلا تجمعت فيه كل مقومات البطولة التاريخية التى تولدت عنها قوة الإرادة والتصميم على الإنجاز مهما كانت التضحيات.
فالأثمان التى دفعت باهظة جدا.. شهداء بالعشرات.. وتهديدات بالعشرات أيضا، ورغم ذلك فإنه لا عودة إلى الوراء، فكل يوم نخطو خطوات كبيرة على طريق المستقبل، ونتطلع إلى الآفاق بثبات وعزيمة فى اتجاه الهدف الذى يسعى إليه كل مواطن شريف يريد أن يبقى فى وطنه ويريد لأبنائه وأحفاده أن يبقوا فى الوطن ويواصلوا المسيرة.
فالأوطان استمرارية والتاريخ استمرارية، ولو لم يكن كذلك فمن أين يأتى الحاضر والمستقبل؟
التعليم، التعليم.. الابتكار، الابتكار.. الحلول غير التقليدية.∎







