الثلاثاء 17 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الصراحة أهم من الخبز دائمًا

الصراحة أهم من الخبز دائمًا


المواطن المصرى جبار وصبور فى آنٍ واحد، هو جبار لأنه قام بثورتين خلال ثلاثة أعوام، ووقف فى وجه الظلم والقمع والإرهاب، وهو صبور لأنه لا يحصل على حقوقه مقابل كل تضحياته، خصوصا أبناءه البررة الذين يستشهدون من أجل استقرار وأمن الوطن.
ففى الأسبوع الماضى استشهد عدد من خيرة شباب مصر، نتيجة سلسلة من التفجيرات الإرهابية الجبانة التى بدأت بهجمات على أكمنة فى سيناء، وأسفرت عن استشهاد عدد من رجال القوات المسلحة والشرطة، وأيضا تفجير عبوة ناسفة فى كفر الشيخ نتج عنها استشهاد طالبين من طلاب الكلية الحربية وإصابة عدد من زملائهما.

وخلال هذه الأحداث يقف المواطن المصرى حائرا ومستغربا من المشكلات والخلافات العارضة التى تُجرى بين الحين والآخر بسبب التوتر العصبى والضغوط الاقتصادية، كما جرى فيما يُعرف إعلاميا بفتنة المنوفية، التى بدأت بسوء تفاهم بين أحد الضباط وأمين شرطة، وهو أمر قد يحدث فى أى وقت إلا أن المشكلة تصاعدت وأخذت أبعادا لم تكن هى أصل الخلاف.
فالمشكلة فى الأساس هى أن أمين الشرطة طلب من الضابط إبراز هويته الشخصية، إلا أن الأمور تطورت إلى تلاسن لفظى، ومما أشعل الموقف تجمع عدد من أمناء الشرطة ضد الضابط بدون أى ضرورة لأن الموقف لم يكن يحتمل المزيد من التوتر.
إضافة إلى ذلك قيام أحد القيادات بالتصعيد بدلا من محاولات إيجاد حل لإنهاء المشكلة.
هكذا تقلب المعادلات فى الوطن، فبدلا من التآلف والتوحد ضد الإرهاب والوقوف صفا واحدا مع استقرار وأمان الوطن تتم الاستجابة للفتنة ومستصغر الشرر، وكأن الوطن يحتاج إلى مشكلة جديدة تضاف إلى مشاكله المزمنة التى تحيط بنا فى الداخل والخارج.
وإن إضافة هذه المشاكل تأتى ممن يفترض أنهم يقدمون الحلول ويسعون إلى حل الأزمات بين المواطنين، إلا أن هذه المرة جاءت من أصحاب المسئولية الذين من المفترض فيهم السهر على أمن وراحة الناس واستهداف البؤر الإرهابية والإجرامية، وأن يتوحدوا من أجل التصدى للإرهابيين الذين يعملون ليل نهار وبلا كلل أو ملل من أجل ضرب استقرار الوطن واستهداف منشآته الحيوية.
لكن فى كل الأحوال أين تقف الحكومة من كل هذه التطورات، وما الخطط والإجراءات التى تتخذها للتصدى لمثل هذه الأعمال التى تتسبب فى بث روح الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وتبعدنا عن إيجاد حلول لمشاكلنا الأساسية، بخلاف أن مثل هذه المشاكل تعطى أدوات جديدة بأن يقوم الإرهاب بالانتشار وتنفيذ مخططاته الآثمة.
أيام الآلام استغرقت شهورا طويلة فى مصر، بعضها انتهى، وبعضها الآخر لايزال مستمرا، وكلما تصورنا أننا نقترب من فجر الوحدة والتآلف والوقوف يدا واحدة ضد الإرهاب تتفجر بعض المشاكل، كما حدث فيما يسمى بفتنة المنوفية التى تريد أن تغرقنا فى بعض الظلام.
وليس فى مصر شىء اسمه الظلام ولا شىء اسمه المشاكل المترفة لأنها تتسبب فى ضياع الوقت الثمين الذى نحتاجه لحل مشاكلنا الحقيقية، واللعب بالنار يكون أول من يحترق بها هم اللاعبون أنفسهم، وما أكثر اللاعبين بالنار الذين يكتشفون أنهم مجرد لعبة فى أيدى قوى أخرى.
والكل يعرف أن الخاسر من هذه الفتن المفتعلة هو المواطن البسيط.. والضائع الكبير هو مشروع الدولة المدنية، فهو غائب فى الصراع المكشوف على السلطة، وغائب فى هدوء التسليم بالواقع، والعجز عن فعل أى شىء باستثناء التلاسن اللفظى.
وكل هذه الأحداث المتلاحقة لم يصاحبها فى أغلب الأحيان من أجهزة الدولة المعنية الوضوح والصراحة ومكاشفة الرأى العام بحقيقة ما يحدث، بل يتم أحيانا التعتيم المتعمد على بعض الأمور وهو ما يساعد على انتشار الشائعات وفقدان الثقة من جانب المواطنين بالمسئولين ومحاولة البحث عن الحقائق من وسائل إعلام مغرضة.
بخلاف أن ذلك يفرض مناخا من الفرقة والانقسام بين الناس، ويذهب بالبلد إلى مزيد من الشلل والفراغ وانعدام الاستقرار.
وكان من المفترض أن يصدر مجلس الوزراء بيانا شارحاً لكل ما جرى من ملابسات وأحداث فى واقعة المنوفية حتى لاتفسر الأمور على عكس ما جرى وتنتشر الشائعات وتتضخم المشكلة إلى الحد الذى وصلت إليه.
وعلى أثر هذه التطورات المفاجئة  سارعت القيادة السياسية إلى عقد اجتماع شامل ضم وزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة وبعض القادة العسكريين والأمنيين، وشدد على توحد الأجهزة الأمنية فى استهداف البؤر الإرهابية والإجرامية بمنتهى الحزم والقوة والتنسيق الميدانى الكامل بين القوات المسلحة وجهاز الشرطة مع منح الأولوية القصوى لحماية أمن المواطنين واستقرار الدولة، ونبه إلى ضرورة أن يتحلى رجال الأمن بأعلى درجات اليقظة لمواجهة التحديات الراهنة والمخططات التى تستهدف زعزعة الاستقرار فى البلاد.
وشدد الرئيس على ضرورة استعادة القيم الأصيلة للمجتمع المصرى التى يتعين أن تسود العلاقة بين المواطنين ورجال الأمن فى إطار من التقدير المجتمعى لدورهم وجهودهم لحفظ الأمن وتضحياتهم فى سبيل ذلك، والاحترام لحقوق المواطنين وحرياتهم وتوفير الحماية الكاملة لهم بما يشعرهم بتحسن الأوضاع الأمنية والتصدى لأى محاولات إجرامية لاستغلالهم.
عمليًا يمكن القول إن القيادة السياسية هى التى تتصدى بحزم لأى أزمة تواجه الوطن وترصده وتكون خطواتها وحلولها محسوبة وتنطلق من واقع معلوماتى، لذلك يكون تصديها للمشكلات يتسم بالسرعة والحسم، وعلى مستوى المشكلة ذاتها، ودائما ما يطالب مؤسسات الدولة بالعمل من أجل مصلحة المواطن، وكل ذلك يخلق نوعا من الارتياح والطمأنينة لدى الناس، وهم ينتظرون معرفة الحقيقة من خلال تصريحات القيادة السياسية التى تتسم بالصدق والبساطة وتتلاءم مع جميع شرائح المجتمع، وهو ما يتطلب من جميع مؤسسات المجتمع أن تقوم بدورها كاملا والضرب بيد من حديد على يد الإرهاب ولكل المخالفين والمخلين والمستفزين، إذ لا يجوز لبعض المتهورين ومنفلتى الأعصاب وأصحاب المطالب الفئوية أن يأخذوا البلد إلى حيث لا يريد أبناؤه أجمعون.
حجم المسئولية كبيرة فى وأد الفتنة، وأن يكون الشعب والجيش والشرطة يدًا واحدة فى مواجهة الإرهاب من ناحية، والبناء من ناحية ثانية.
فلا عذر لأحد فى التباطؤ أو التلكؤ أو اللامبالاة، فلن يستطيع أحد أن يرجعنا إلى الوراء بعد أن وضعنا أقدامنا على بداية طريق المستقبل.∎