ابراهيم خليل
ارحموا مصر وارحموا المصريين
بقدرة قادر وخشية من انفراط عقدها، استطاعت حكومة محلب أن تكتب لنفسها عمرا جديدا بعد أن أجرت التعديل الوزارى الجديد الذى شمل دخول ثمانية وزراء جدد والإطاحة بستة وزراء، باستحداث وزارتين جديدتين هما التعليم الفنى والسكان.
ولو لم يتم اتخاذ قرار التعديل الوزارى لكان البلد اليوم تحت رحمة الخلافات والسخط والاستياء من جانب الناس، ومع ذلك لا يبدو أن الوضع يصل إلى ما يطالب به الناس من ضرورة وجود رؤية متكاملة للوزارة وطرح سياسى واقتصادى واجتماعى جديد حتى تكتمل الرؤية لهذه الوزارة بعد أن تم المد فى عمرها بالتعديل الوزارى الجديد.
المعروف أنه ليس بالتغيير الوزارى وحده تحل المشاكل، لكن بالرؤية والحلول المبتكرة القائمة على الواقع الذى نعيشه، خصوصا أن هناك الكثير من المشاكل اليومية والحياتية التى لم تفلح هذه الحكومة فى تقديم حلول لها كأنبيب الغاز وانقطاع التيار الكهربائى وارتفاع الأسعار واختفاء بعض السلع التموينية الأساسية كزيت الطعام، فلابد أن يقدم المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء طرحا يجيب فيه على كيفية السياسة التى ستعتمدها الحكومة فى الفترة القادمة فيما يتعلق بارتفاع الأسعار وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.
على أساس أن التغيير الوزارى الجديد قد أطاح بوزراء التعليم والثقافة والسياحة والداخلية، والأخير تعددت أخطاؤه وكان آخرها عدم القدرة على تأمين الأماكن الحيوية، وما جرى فى قاعة المؤتمرات الدولية، وعدم حماية مكاتب الشركات العالمية والبنوك، بالإضافة إلى وفاة 22 من مشجعى نادى الزمالك بملعب الدفاع الجوى، والتفجيرات الإرهابية المتعاقبة التى استهدفت كمائن الشرطة واستشهد بسببها ضباط وجنود ومواطنون، وهو ما نشر حالة من الاستياء الشديد بسبب ما آلت إليه الأوضاع الداخلية وجعل المناخ قاتما، وعلق بعض المراهنين على الجو العام الذى نعيشه بأنها حالة يحار أن يصفها الناس بأنها يختلط فيها المأساة والملهاة والسخرية لما جرى من تناقضات لا تتناسب مع خطط الدولة المعلنة لمواجهة الإرهاب الذى بدوره قد جعل الناس تكرهه وتواجهه بالسخرية والتهكم والرفض أن يعيش البلد تحت رحمة التهديدات الإرهابية.
لكن ماذا بعد التغيير الوزارى؟
هل تعود الأوضاع إلى سابق عهدها؟
الوضع مفتوح على كل الاحتمالات، فلا أحد يستطيع أن يتوقع شيئا، فالقرارات تتخذ تحت ضغط الظروف الراهنة، وليست بناء على رؤية شاملة وواضحة.
الناس لم يعودوا يخافون رغم ما يشاهدونه عبر شاشات الفضائيات أو ما يسمعونه من الهمس وأحاديث السيناريوهات، بل إن مواقف الناس أصبحت تتقدم مواقف الحكومة بخطوات، فالمصريون شعب محب للحياة ويراد لهم أن يحترفوا ثقافة الموت.
فى المقابل هناك قلة من الناس يشعرون بالخوف مما يشاهدونه.
والسؤال هو من يطمئن الناس؟
وما الذى يزيل مخاوفهم؟
والجواب شىء عملى واحد إلى جانب إرادة الحياة، هو تقديم حلول مبتكرة تخرجنا من الأزمة الاقتصادية من خلال إتاحة فرص عمل للقضاء على البطالة.
ويبرز فى هذا السياق ماجاء فى التعديل الوزارى من تغيير وزير السياحة الذى كان شغله الشاغل هو السفر المستمر خارج البلاد مصطحبا بعض الصحفيين والإعلاميين لتلميع مواقفه وسياساته التى لم تأت بجديد، بل استمر الوضع على حاله من حيث تراجع أعداد السياح وعدم تقديم حلول مبتكرة للنهضة السياحية.
ومادام الكل يتحدث عن الحلول المبتكرة لما يعانيه من أزمات ومشاكل، فلماذا الهرب من وأد ومكافحة الفساد الذى لم يتم الاقتراب منه حتى الآن بخطوات جادة وملموسة.
من يريد الإصلاح فإن الامتحان العملى هو مكافحة الفساد.
ارحموا مصر وارحموا المصريين من الفساد الذى استشرى فى بعض القطاعات منذ سنوات طويلة قبل ثورتى 52 يناير و03 يونيو.
نقول هذا الكلام بعد أن وصلنا إلى حال من الخطورة لم يعد من السهل السكوت عليه، ولا نعرف ماذا يخبئ لنا الغد.
تلك هى الصورة، فبماذا سيواجهها التعديل الوزارى الجديد؟
لا نريد أيادى مرتعشة لا تستطيع مواجهة الواقع وتتهرب منه بإطلاق الشعارات والخطب الرنانة.
نريد أن يواجه المسئولون المشاكل التى يعانى منها الناس بحلول عملية تتناسب مع الواقع الذى يعيشه الناس، ولنتذكر دائما أن الحلول العملية تنطلق من الاعتماد الأساسى على الذات.
وهكذا ننتقل بكل بساطة من جمهورية السكون إلى جمهورية الحركة والعمل الدءوب.
وحسنًا فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى باتخاذ قرار التغيير الوزارى الذى جاء فى وقته المناسب قبيل عقد المؤتمر الاقتصادى بفترة وجيزة، ولم يأخذ باستشارات بعض الذين طلبوا تأجيل التعديل الوزارى إلى ما بعد عقد المؤتمر الاقتصادى حتى لا يكون لهذا التغيير تأثير على المؤتمر.
وبمجرد الإعلان عن التغيير الوزارى جاء رد الفعل إيجابيا وسبّب ارتياحا وحفاوة من معظم المصريين باعتباره جاء فى الوقت المناسب لتدشين جمهورية العمل والإنجاز، والرد على كل الاستفسارات المتعلقة بحياة الناس ليكون لسان حال الوزارة هو الصراحة التامة دون إخفاء أى معلومات عن الناس فى كل القضايا ليكون المصريون على بينة من كل شىء يتعلق بحياتهم ووطنهم، ويكونوا هم الظهير لهذه الوزارة حتى تستطيع الإنجاز السريع، لأن يوم الثورة بإنجاز عام - كما يقال - ونحن نريد تنفيذ هذه المقولة، باعتبارنا أصحاب ثورتين.
كفانا شعارات والقفز من مكان إلى مكان، لأن عمليات القفز والتنقل ليست هى الحل السحرى لمشاكلنا وأزماتنا، وما يسرى فى قطاع المقاولات من الانتقال من موقع إلى موقع آخر غير مناسب فى مجال السياسة وحل مشاكل المجتمع التى تأتى دائما بالقرارات الجريئة والمواجهة الحاسمة غير العابئة بما يجرى بمردود هذه القرارات مهما كانت، مادامت تأتى لتحقيق المصلحة الوطنية ولصالح المجموع وليست فى صالح فئة أو مجموعة معينة على حساب بقية المصريين.
لا شىء يعلو على مصلحة الوطن والمواطنين، فهم الحماية الحقيقية لكل القرارات الحاسمة، وهم الذين يعطون الحصانة القوية لكل المسئولين الذين يقفون بجانب المصلحة العامة.
ولقد علمنا التاريخ أن من يقف إلى جانب الناس فهو محمى دائما بسياج الوطنية وسياج المصريين وهو الأهم.
وأكبر مثال على ذلك الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذى كان دائما محل ثقة المصريين ومازالوا يحلمون به لأنه دوما لم يخذلهم فى أى قرارات اتخذها، ولم يعبأ بأى مردود فعل على قراراته التى كانت دائما فى صالح الجماهير.
هذه الكلمات ليست أحلاما، ولكنها برنامج عمل لمن يريد الخير لمصر.
جربنا الهرب من المسئولية.. جربنا الأيدى المرتعشة.. جربنا إغماض العين عن السرقة والنهب والاحتيال قبل ثورتى 52 يناير و03 يونيو.
آن الأوان أن نخلع عن أنفسنا كل الأخطاء والخطايا التى عانينا منها إبان حكم الإخوان والمخلوع مبارك.
هذا هو التحدى أمامنا على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية ووأد الفساد وأن تتعامل الحكومة بعد التغيير الوزارى الجديد مع ما يمر به الوطن بالسرعة فى اتخاذ القرارات وألا يتسم أداؤها بالبطء والضعف الشديد.
كفانا بطءا وعدم حركة.
لابد أن تكون الحكومة على الأقل أسرع خطوتين من خطوات المصريين.
الناس لا تريد أن ترى الحكومة وكأنها تشاهد فيلما سينمائيا فى مواجهة أى أزمة مثلها مثل أى مواطن عادى، دون أن يصاحب ذلك تحرك فورى كامل وعاجل لوضع حل لمشاكلنا ولا نهرب من الحقائق البسيطة.
ليس لنا وطن سوى مصر، ولا نظام سوى النظام الديمقراطى، والناس يستحقون الحياة فى وطن ودولة ونظام ديمقراطى.
سنبقى نتفاءل بالتغيير الوزارى الجديد ونعلق عليه الآمال، خصوصا أن هناك وعودا بفتح ملفات الفساد وملاحقة المفسدين وابتكار حلول غير اعتيادية للمشاكل اليومية، رغم كل الصعوبات والمحاذير.∎







