ابراهيم خليل
4 سيدات فى حياة ناصر وإحسان!
تحية كاظم زوجة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، لها مكانة كبيرة فى قلوب ومشاعر المصريين، لما كانت تتمتع به من طيبة، وتواضع، والأهم أنها لم تدس أنفها فى شئون السياسة، ولم تسع لحب الظهور، أو نشر صورها فى الصحف والمجلات، وكأنها سيدة مصرية عادية، ولكونها تتمتع بهذه الصفات والمميزات، ففى إحدى المناسبات طلبت من سكرتارية الرئيس دعوة زوجات الوزراء لحفل شاى فى منزلها البسيط الكائن بمنشية البكرى.
حتى الآن خبر عادى لا يستحق الوقوف عنده، باعتبار أن زوجة الرئيس تدعو زوجات المسئولين لمنزلها لتناول الشاى مع قطع الحلوى، لكن هذا اليوم كان استثنائيا فى تاريخ مصر، حيث حضرت زوجات الوزراء فى الموعد المحدد للحفل، يرتدين أفخر الملابس، وفى الوقت نفسه ينتابهن القلق والحذر الذى أدى إلى مخاصمة عادات النساء فى الثرثرة والكلام، فالجميع التزم الصمت التام، ولم يخرج من ألسنتهن سوى عبارات المجاملة فقط، إلا سيدة واحدة يغلب عليها طابع أهل الريف، التى تحدثت بعفوية وانطلاق عن ارتفاع أسعار الأرز والسكر، وأن راتب زوجها لا يكفى مصاريف أسرتها المكونة من 01 بنات وولد فقط، ولا يفى باحتياجات أبنائه من شراء أحذية أو ملابس.
لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل تطرقت فى حديثها إلى مدى الإرهاق والمجهود الكبير الذى تبذله فى تربية أبنائها والقيام بأعباء المنزل من إعداد الطعام وغسيل الملابس.
حتى الآن القصة عادية، لكن ما هو غير عادى، أن حفل الشاى بفضل هذه السيدة قد تحول إلى تداخل بين زوجات الوزراء، وتبادلن الثرثرة والضحك، وتحول الحفل من رتابة وتكلف إلى حميمية، وتأييد لما طرحته السيدة الريفية البسيطة.
وفى وقت سابق عندما تم إبلاغ زوج هذه السيدة الريفية البسيطة بدعوة السيدة الفاضلة تحية كاظم، بضرورة إحضار زوجته باعتبار أنه وزير فى حكومة جمال عبدالناصر، كان وقع هذه الدعوة مذهلا له، لأنه فكر كيف ستحضر زوجته البسيطة لهذا الحفل فى بيت رئيس الجمهورية، وكيف ستتحدث مع زوجة جمال عبدالناصر، وزوجات زملائه من الوزراء اللاتى يجدن التحدث بلغات أجنبية.
وعلى أثر ذلك كلف الوزير حافظ بدوى وزير الشئون الاجتماعية فى ذلك الوقت مدير مكتبه بالسفر إلى ريف طنطا لإحضار زوجته بعد أن يقوم بشراء فستان وحذاء وشراب جديد لها، وفى الميعاد المحدد تم توصيلها إلى منزل الرئيس.
المفاجأة أن السيدة الفاضلة تحية كاظم مثل كل الزوجات المصريات ودعت ضيفاتها، وجلست تنتظر زوجها حتى جاء، وتحدثت معه عن كل تفاصيل ما جرى فى حفل الشاى، وذكرت له حديث السيدة الريفية زوجة وزير الشئون الاجتماعية، وكيف أن هذه السيدة حازت على إعجاب باقى زوجات الوزراء بحديثها العفوى والشيق، ووصفها لمعاناتها من ارتفاع أسعار السكر والشاى والزيت وتكلفة المعيشة، حتى إن راتب زوجها الوزير لا يكفى مصاريف أسرتها المكونة من 11 طفلا.
كل مواطن يمكن أن يستمع إلى كلام زوجته «بأذن من طين وأخرى من عجين»، إلا الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، الذى لم ينتظر مجىء اليوم الثانى من الحفل، فقام بالاتصال بسكرتيره الخاص للدعوة إلى اجتماع مهم لمجلس الوزراء بالكامل، ووضع عبدالناصر كلام السيدة الريفية زوجة الوزير فى إطار برنامج عمل لمجلس الوزراء، وأصدر تعليمات مباشرة لوزير التموين بخفض أسعار السكر والزيت وتوفيرهما على بطاقات التموين، وفى الوقت نفسه خصص للوزير منزلا بالقاهرة.
هكذا كان عبدالناصر، وهكذا كانت السيدة الفاضلة تحية، فعبدالناصر بطل وهو غائب، وبطل وهو حاضر، فقد انحاز دائما إلى السواد الأعظم من هذا الشعب، لذلك بقيت أعماله محفورة فى قلوب ومشاعر الفقراء، لأنه كان دائما ينحاز إليهم، فانحازوا إليه وبادلوه حبا بحب.
ونحن فى هذا العدد الخاص بمناسبة ذكرى ميلاده السابع والتسعين، نحتفى بالزعيم الخالد بما يليق به، كرجل حفر بكبريائه طريق الاستقلال، وأرسى قواعد العدالة الاجتماعية، بتمليك الفلاحين المعدمين خمسة أفدنة لكل منهم، التى بدورها أدت إلى دخول أبناء الفلاحين والعمال الكليات والمعاهد ليكونوا الكوادر العلمية التى أنشأت المصانع فى أرجاء مصر، لتكون البنية الصناعية المتكاملة فى طريق الاكتفاء الذاتى للملبس والمأكل والدواء.
وإذا كنا تحدثنا عن فضائل السيدة تحية كاظم، فإننا لا يمكن أن نغفل دور السيدة الفاضلة «روزاليوسف» كأول امرأة تؤسس دارا صحفية تخرجت فيها أجيال من كبار الصحفيين، فضلا عن أنها أنجبت ابنها الذى نحتفى هنا بمرور ربع قرن على وفاته، وقد غرزت السيدة «روزاليوسف» فى نشأة وتربية إحسان عبدالقدوس مبادئ الحرية والمطالبة بالاستقلال، وكانت المثال العظيم والكبير الذى شكل وجدانه وعقله بأن يكون لسان المرأة، والمدافع دائما وأبدا عن حريتها واختيارها فى إطار من التقدم والتعامل مع مقتضيات الحياة الحديثة.
وكانت السيدة روزا هى القدوة والمثال المتكامل لتكوين شخصية ابنها إحسان عبدالقدوس سواء من الناحية الصحفية والأدبية، أو الناحية السياسية، لذلك كان الإنتاج الكبير من أعماله الأدبية التى خدمت السينما المصرية، وعالجت المشاكل المجتمعية التى كان يعانى منها المجتمع فى ذلك الوقت مثل «أنا حرة»، و«النظارة السوداء»، وغيرهما، بخلاف مقالاته السياسية خصوصا «على مقهى فى الشارع السياسى»، التى ظل يكتبها حتى آخر يوم فى عمره، وهى التى كان يتخفى من خلالها ليستطيع أن يطرح كل المشاكل ويقول ما يريده على لسان الجالسين على المقهى.
ولم يكن إحسان عبدالقدوس بعيدا عن الأحداث السياسية والاجتماعية أو الأدبية أو الفنية، فقد كان فاعلا فى كل أوجه الحياة، بل كان أحد المشاركين فى تفجير ثورة 32 يوليو، بكشفه قضية الأسلحة الفاسدة، وإتاحة الفرصة لرجال الثورة فى التعبير عن آرائهم على صفحات مجلة «روزاليوسف»، بل كان مقر المجلة نفسه مخصصا كمكان سرى لاجتماعات الضباط الأحرار ومركزا لتوزيع منشوراتهم.
وكان إحسان عبدالقدوس هو الأقرب لرجال الثورة خصوصا عبدالناصر، إلا أن استقلاليته واعتزازه بشخصه وإيمانه بالحرية التى زرعتها فيه والدته السيدة «روزاليوسف» قد أبعدته بمسافة كرجل مهنى وصحفى، حتى يرى الأمور على أرض الواقع دون أن يتأثر بقربه من الضباط الأحرار، ولم يكن بعيدا كما ذكر التاريخ فى أزمة مارس 4591 التى كانت بين الرئيس الأول لمصر محمد نجيب والرئيس الثانى جمال عبدالناصر، حيث طالب نجيب بعودة الضباط الأحرار إلى ثكناتهم العسكرية، وعودة الحياة الحزبية إلى مصر كما وعد الشعب بذلك، لكن جمال عبدالناصر ومعظم الضباط الأحرار كانوا يرون أن نجيب يتخفى وراء هذه الدعوى بعد خلافه مع جمال عبدالناصر، وفى هذه الأجواء انحاز إحسان إلى مطالب محمد نجيب، وكانت النتيجة اعتقاله بالسجن الحربى لمدة قصيرة، حتى قام جمال عبدالناصر بالإفراج عنه، ومنذ ذلك الوقت رأى إحسان أن مكانه ليس بالقرب من السلطة الجديدة واكتفى بكتابة الأعمال الأدبية، والمقالات السياسية التى لا يهاجم فيها الثورة الوليدة.
والغريب أن الصديقين جمال عبدالناصر وإحسان عبدالقدوس يتشابهان فى كثير من الأمور، فكلاهما وإن كان يطالب بحرية المرأة، إلا أن الرجلين العظيمين أرادا ألا تتدخل زوجتاهما فى العمل العام، وإن كانت السيدة الفاضلة تحية كاظم تكتفى برعاية شئون زوجها حتى يتفرغ هو لرعاية جميع الشعب المصرى، بل العربى، والعالم المتطلع للحرية فى أفريقيا وكل أنحاء العالم، فإن زوجة الكاتب الراحل إحسان عبدالقدوس السيدة الفاضلة «لولا» اكتفت أيضا برعاية زوجها وأبنائها وهيأت لهم كل الأجواء حتى ينطلق أدبه ومقالاته النارية، ليكون صوت الحب والحرية والثورة.
المشهد الذى تعيش فيه مصر الآن، كأنه رسالة من السماء، لتقارب تواريخ المناسبات، فذكرى ميلاد المسيح مرت قبل أيام قلائل من ذكرى مولد الرسول، وذكرى ميلاد عبدالناصر تزامنت مع ذكرى وفاة عبدالقدوس، وكل الكلام الذى قيل عنهما محفور فى الصخر لتتعلم منه الأجيال القادمة كيف تدافع عن الحرية والعدالة الاجتماعية.∎







