ابراهيم خليل
جمهورية الجدل
إنها جمهورية الجدل من دون منازع، لا بل نكاد نقول إنها جمهورية الحكى المتواصل، ودائماً أطرح سؤالاً: هل سياسيو البلدان الأخرى يتحدثون يومياً كما هو الحال عندنا؟، هل تمتلئ الصحف بتصريحات الوزراء والنواب بشكل يومى؟، وأحدث جدل هو قوائم الأحزاب، وخلاف التكتلات على إعداد هذه القوائم، فرئيس كل تكتل يريد أن يكون مرشحو حزبه هم أصحاب الحظوة فى تلك القوائم، فالسيد البدوى رئيس حزب الوفد يعلن أن معركته هى أن يتصدر مرشحو الحزب القوائم، وتارة يتحالف مع القوائم التى أعدها الدكتور كمال الجنزورى، وتارة أخرى ينسحب منها، وعلى الجانب الآخر نجد نجيب ساويرس المهيمن على حزب «المصريين الأحرار» يتصدر المشهد.
يعلن الأخير عن ضمه أسماء جديدة، أو أنه سيقوم بتمويل أعضاء حزبه برأس مال كبير يصل إلى مبلغ 003 مليون جنيه.. حتى إن بعض السياسيين قدروا أن المجلس الجديد يمكن شراؤه بنفس هذا المبلغ، ولكن إلى أين يسير البلد فى ظل فوضى التكتلات الحزبية؟
إن على عاتق المسئولين والسياسيين تقع مهمة خلق ميثاق شرف يؤدى إلى وقف التشاحن بين قيادات الأحزاب والتكتلات السياسية، وتحديد حد أقصى لمصاريف الدعاية الانتخابية، حتى لا تتحقق مخاوف الناس من تسلل فلول «الوطنى المنحل» إلى البرلمان القادم، وكذلك أصحاب الأموال.. ولكن كيف يمكن التوصل إلى هذا الميثاق فى ظل الواقع المر الذى تعيشه الحياة الحزبية؟
خلاف غير مستتر بين الجنزورى وعمرو موسى على خلفية من يتصدر المشهد السياسى واللعب على مستقبل مجلس النواب القادم، حيث إن الدكتور كمال الجنزورى يصر على ضم شخصيات محددة إلى قوائمه الانتخابية، فيما يصر عمرو موسى على ضم شخصيات أخرى.
بخلاف تطلعات الفريق سامى عنان فى أن تكون له كتلة من النواب عن طريق حزبه الذى لم يتم الموافقة عليه، نفس الأمر يسعى إليه الفريق أحمد شفيق، لكن بطريقة التحريك عن بعد بأن تكون له كتلة خاصة به، تمهيداً لما يحلم به أن يكون رئيساً للوزراء الذى سيأتى عن طريق مجلس النواب الجديد، طبقاً لما ورد فى نصوص الدستور، من أن رئيس الجمهورية يرشح الحزب صاحب أعلى الأصوات فى الانتخابات لرئاسة الوزراء، وفى حالة رفض البرلمان، يقوم المجلس النيابى بترشيح رئيس الوزراء.
لو أن هذه المشاكل والخلافات تبقى فى إطارها الطبيعى، لكان الأمر عادياً، لكن أن تتحول إلى مادة لتبادل الرسائل فوق رءوس المواطنين، فهذا ما يوحى بتغليب المصلحة الخاصة على المصالح العامة للوطن.
أوقفوا هذا السجال، فالوطن لم يعد يتحمل هذه الغيبوبة السياسية، وهل يدرك من بأيديهم الحل والربط داخليا أن هناك مخاطر داهمة تحيط بالوطن، ولا يجدى الهروب من مواجهتها، ويفترض بالسياسيين وأصحاب التكلات والقوائم أن يدعوا للاصطفاف والالتفاف حول الرئيس السيسى فى قائمة موحدة تضم الكفاءات وأصحاب الرأى المستنير، والذين قدموا خدمات جليلة للوطن، والقامات القانونية والفكرية ليكونوا واجهة مجلس النواب الجديد، وأن تشهد سابقة أعمالهم أنهم كانوا دائما وأبدا يعملون للمصلحة العامة، حتى يكون مجلس النواب الجديد عونا لرئيس الجمهورية فى التقدم، وتحقيق المعدلات المطلوبة فى النمو، فضلا عن إنقاذ مصر من الكوارث والمهالك التى تحيط بها من كل جانب، وأن يكون مجلس النواب الجديد على قدر وأهمية ما يواجهه الناس من مشاكل، حيث إن البلد لم يعد يحتمل هذا الجدل العقيم بعيدا عن المسئولية والمصلحة العامة.
لا سيما أن شهور الآلام طويلة، بعضها مر والبعض الآخر لا يزال أمامنا، وكلما تصورنا أننا نقترب من الفجر، جاء من يغرقنا فى الظلام، خصوصا جماعة الإخوان وما تقوم به من عمليات إرهابية، وليس بعيدا عنا ما جرى من عملية الإرهاب الأخيرة فى إحدى دور الصحافة الفرنسية وما نتج عنها من وفاة أكثر من اثنى عشر قتيلا، وأيضا ما نطق به مؤخرا رئيس الوزراء البريطانى محذراً من أن الفترة القادمة ستشهد عمليات إرهابية جديدة.
عمليات الإرهاب التى تمت فى مصر والتى جرت فى قلب باريس وما حذر منه رئيس الوزراء البريطانى قد سبق أن حذر منها الرئيس السيسى عند زيارته إلى أوروبا وفى مجمل تصريحاته كان دائما يحذر من انتشار العمليات الإرهابية فى ظل عدم المواجهة الجماعية، وإعطاء بعض الدول الأوروبية مساحات كبيرة للتنظيمات الإرهابية للتحرك، بمساندة بعض الجمعيات التى تدعى حمايتها لحقوق الإنسان، فكان ما كان من جماعة الإخوان الإرهابية التى أثبتت مرارا وتكرارا أنها لا أمان لها، وعندما تتواجد فى أى مكان تستخدم نفس الأسلوب، وهو «يتمسكنوا لحد ما يتمكنوا» وتكون النتيجة هى العمل الإرهابى الذى ظهر فى صورته البشعة فى تفجيرات باريس الأخيرة.. إنهم لا يعرفون الحوار وإنهم لا يعرفون الإبداع إنهم بطبيعتهم الأحادية ضد حقوق الإنسان، ولا يؤمنون بحق الاختلاف، باعتبار أنهم وحدهم الذين يملكون الحقيقة والآخرون هم الكفار.
لكن من الصعب أن يعترف العالم الغربى بالخطأ البشع الذى أوقع نفسه فيه، إنه لم يعلن إلى الآن أن جماعة الإخوان إرهابية، أو يحظر عملها بالسياسة داخل الدول الغربية، حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت منذ أيام قلائل إدراج جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب، ولم يمر إلا يومان وجرى ما جرى فى باريس، وربما تمتد إلى الولايات المتحدة نفسها. وفى هذه الأجواء وجد الرئيس الأمريكى باراك أوباما نفسه مضطرا لتقديم واجب العزاء فى السفارة الفرنسية بـواشنطن بعد الحادث الإرهابى، ولكن ذلك جاء ذرا للرماد فى العيون، لأنه لم يسع حتى الآن لإدانة جماعة الإخوان بشكل واضح.
عقدة الغرب أنهم رأوا عبدالناصر يعود من جديد فى السيسى، لذلك كانت المواقف المتخاذلة ضد مصر، وهو ما أعطى مساحات فى هذه الدول لصالح جماعة الإخوان التى استغلت الجمعيات الحقوقية، فى أن تقدمهم على أنهم مجنى عليهم، مستخدمين المساندة من جانب رأس المال القطرى، والدعم السياسى التركى، بالإضافة إلى عدم الموضوعية من جانب الميديا الغربية، المحملة دائما بـ «العقد» تجاه مصر، وليس بعيداً عنها مواقف قطر التى تأتمر بأمر أمريكا، وأنها «الحضّانة» التى تأوى الإرهابيين تمهيدا لاستخدامهم فى ضرب المصالح الوطنية، وفى الوقت المناسب تقوم بتسليمهم إلى المخابرات المركزية. وهذا ما تم فى الأسابيع الماضية من تسليم شرائط كاملة تحتوى على كثير من الأسرار الخاصة بالتنظيمات الإرهابية وزعمائها وأماكن تواجدها للمخابرات الأمريكية، وستكشف الأسابيع القادمة عن الكثير من الوثائق والمعلومات التى تم تسليمها من جانب قطر لأمريكا عن التنظيمات الإرهابية.
وأكبر دليل ما جرى مع أعضاء جماعة الإخوان التى تم طرد الكثير منها إلى تركيا ولندن، بعد ممارسة دول الخليج ضغوطا شديدة أدت فى النهاية إلى تضييق الخناق على أعضاء الجماعة الإرهابية المتواجدين داخل قطر، وكأن قطر قد اعترفت ضمنيا بأنها تأوى وتساند الإرهاب فى خدمة المصالح الأمريكية.
ورغم كل هذه الألاعيب فقد استطاعت مصر بما تملكه من مقومات أن ترجع بقوتها الناعمة وركائزها الثابتة إلى التأثير فى ساحة السياسة العالمية، بالزيارات المتتالية التى قام بها الرئيس السيسى مؤخرا إلى أوروبا ودول الخليج.
والمفاجأة الكبرى التى فجرها السيسى بزيارته للكاتدرائية المرقسية عشية عيد الميلاد المجيد، والبساطة والتلقائية التى تحدث بها إلى المسيحيين، حين قال لهم: «كان لازم آجى أقول لكم كل سنة وأنتم طيبين»، ورد الفعل القوى الذى جاء عفويا من المسيحيين في الكاتدرائية وخارجها عندما صفقوا تصفيقا حادا متواصلا للرئيس أثناء إلقائه كلمته، كذلك الفرحة التى شملت جموع المسيحيين داخل مصر وخارجها، حين تبادلوا الرسائل النصية على هواتفهم المحمولة، يعلنون فيها زيارة الرئيس لكنيستهم الأم.
هكذا مصر الاعتدال. هكذا رئيس مصر الذى يعضد قيم الاعتدال، ويستعيد للناس مصر الاعتدال بأنه ليس صحيحا أن الاعتدال ضعف، ولكن الصحيح أنه اختيار صعب وسط صيحات التعصب ونزعات التطرف، لكنه أى الاعتدال قوى وقوى جدا بموازين الحياة الكريمة وصلابة الحق وقيم الخير والعدل وإنسانية الإنسان، وقوى أيضا بالإرادة والعزيمة التى لا تلين من أجل الإصلاح والنهوض.
كيف نكون بشرا ثم نسمح، بل ويشارك بعضنا فى جرائم الإرهاب التى تتوه تحتها الأديان والأوطان وإنسانية الإنسان؟
بعد زيارة السيسى للكاتدرائية، والانفعال التلقائى، والترحيب العارم، هل من خوف على مصر؟
إن مصر قطعة من السماء ومن الجنة ومن الوجدان، فاحفظوا مصر يحفظكم الله.∎







