ابراهيم خليل
الحكومة فى حقل ألغام
ليس بالكلام وحده نقضى على الفساد، ولا بالغضب وحده تختفى اللامبالاة، المصريون خائفون عن حق، وآخر ما يطمئنهم هو كلام السياسيين، حيث التخويف فى ثياب التطمين، هم خائفون مما رأوه فى الشارع من مظاهرات وألعاب نارية، خائفون مما سمعوه ويشاهدونه عبر الفضائيات والشاشات والميكرفونات، وما يخيفهم أكثر هو الهمس والتسريبات، وأحاديث السيناريوهات الدائرة فى الكواليس والمجالس الخاصة عن ترتيبات أمنية محددة، أو تسريبات على ألسنة عدد من المسئولين، واتهامات متبادلة بين رجال الأعمال، بغرض أساسى هو إحداث فوضى أو تشتيت أو انقسامات بين الناس، لتكون كل هذه الألاعيب بمثابة إلهاء لجموع الناس عن حل قضاياهم الأساسية، أو تكون حياتهم مسخرة للجدل والخلافات السياسية بدلاً من العمل والإنتاج.
هذه الإشغالات بمثابة الخطوة الأولى لإحداث الفوضى، وتأجيل عمليات الإنتاج، ومن ثم ينتهى العام وبعده العام فى حالة من الانتظار، ثم الضياع على أساس أن تأجيل إتمام المشروعات الكبرى يؤدى إلى التناقضات الحادة، وزيادة أعداد البطالة، وتراكم المشاكل التى تحدث بدورها الانقسام، وتتبدل حال الناس من الوفاق والتآلف إلى الانقسام، ويصبح المحبون للحياة أناسًا يحترفون ثقافة الموت.
السؤال هو: من يطمئن الناس؟ وما الذى يزيل مخاوفهم؟ والجواب هو شىء واحد، الإحساس القوى بوجود إرادة ورؤية وتصور والانحياز للمصلحة العامة التى تهم جموع المصريين من الفقراء والمعدمين، وليس المصلحة الخاصة التى تخص القلة المستحوذة على كل شىء.
وصدق الرئيس السيسى فى مقولته الأخيرة، إنه لن تسقط مصر، مادام المصريون على قلب رجل واحد.
وفى هذا السياق، مطلوب أن يتم فرض أولويات الناس ومطالبهم على أولويات ومطالب المسئولين، وهذه الأولويات لا يجهلها أحد، لكن كثيرين يحاولون تجاهلها، وفى طليعة الأولويات بالنسبة للناس فتح ملف الفساد، يليها الملف التعليمى، وما يقال عن الملف التعليمى يقال عن ملف الصحة، والعلاقة بين المريض والمستشفيات وشركات التأمين وسعر الدواء وجودته وعدم تزويره.
هذه هى القضايا الملحة التى يطالب بها الناس فى بلد تفتش فيه عن المسئولين الذين يقفون مع الناس فى هذه المطالب، فلا تجد إلا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فقط.
وهناك وزراء لا تسمع أسماءهم إلا عند التصوير أو حدوث مصيبة، ولا يعرفون أن الحكم عن بعد لا يفى بغرض على الإطلاق، وهل هم على قدر طموحات المواطنين؟ وحين يكون الوزراء هكذا فى بعدهم عن مشاكل الناس، فأى أمل يرتجى منهم؟ نريد وزراء على نفس أداء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، الإجابة ليست إيجابية، لأننا إذا استعرضنا واقع الحال، فإننا لا نرى حلولاً أو مخارج مما نحن فيه، فالشلل الوهمى يضرب كثيرًا من القطاعات، والتخاذل واللامبالاة أيضًا يضربان العديد من المستويات.
لا احترام لمواعيد، ولا احترام لاستحقاقات سواء كانت قريبة أو بعيدة، لا ثواب ولا عقاب، فإذا تم الاتفاق على موعد فلا أحد يحترمه، وإذا ترقب الناس استحقاقًا فلا أحد يلتزم به، هكذا فإننا نعيش كل يوم بيوم، فإذا كان هذا الأمر ينطبق على حياة الأفراد، فكيف بالإمكان تطبيقه على حياة الدولة، هل يعقل أن تعيش الدولة كل يوم بيومه؟ وإلى أين يسير البلد؟
يقول المتابعون لما يحدث فى مصر، إن المشاكل فى مصر أشبه بحقل براكين، ما إن تخمد إحداها حتى تنفجر الأخرى، وهذا ما حدث حينما حاصرت الدولة، ما يسمى بمظاهرات الثورة الإسلامية المزعومة الأسبوع الماضى، حتى انفجر الاستياء من حكم براءة مبارك، ولعل أكثر الحمم البركانية تحركًا الآن هو ما يسمى بالتسريبات والشائعات عن وفاة مبارك، وعلى خلفية هذه الأحداث نسأل بدورنا: أين السياسيون ورجال الأحزاب من كل ما يجرى على أرض مصر؟ لعل ما يدعو إلى الدهشة وإلى الحزن والأسى، أنه وفيما المعوقات والمشاكل تحاصرنا نجد أنفسنا نقف عاجزين أمامها.
مسكين على بابا كانت عنده مغارة واحدة، لكنه لو بعث حيًا الآن لطلب إنصافه، وتبرئته بعدما رأى عندنا المئات من المغارات المنهوبة بفعل لصوص هذه الأيام.
وعود الحكومة هذه الأيام بفتح ملفات الفساد خطوة لا بأس بها، باعتبار أن يأتى الشىء متأخرًا أفضل من ألا يأتى أبدًا، لكن لابد للحكومة أن تأخذ بعين الاعتبار، أن هذا المسار يستلزم زيادة أعداد رؤساء النيابة وتغيير القوانين بسرعة المحاكمات.
صيحات الناس كانت تتردد باستمرار: استردوا الأموال المنهوبة لأنها كفيلة بتغطية جزء كبير من الديون والعجز فى الموازنة، ولكن لا أحد يريد أن يستمع أو يستجيب.
هل آن أوان المحاسبة؟ ربما، ولكن قبل الإقدام على هذه الخطوة لابد من اتخاذ جملة من الاحتياطات والمعايير، لكى تأتى النتائج إيجابية بدلاً من إضاعة آخر فرصة للإصلاح.
أولى الخطوات أن تبدأ العملية الإصلاحية من السياسيين، والوزراء، فكل الناس يعرفون أن لا أحد يجرؤ على ارتكاب أى مخالفة مالية من دون غطاء سياسى، تلك هى الحال فى كل المرافق والقطاعات، فإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، علينا البدء من فوق، أى من عند المسئولين والسياسيين لا من عند الموظفين، أما إذا اقتصر الأمر على قشور إصلاحية، فإننا من اليوم ننعى آخر فرصة للإصلاح، أما إذا ما قامت أجهزة الدولة بهذه الخطوة، فإنها تكون قد وضعت نفسها والبلد على الطريق الصحيح للتقدم، أما إذا كان الأمر مجرد فقاقيع أو فرقعة إعلامية لامتصاص النقمة من الفساد، فإن الفساد سيستمر وسرقة المال العام ستتضاعف ومن لا يصدق يراجع كل المحاولات السابقة التى كان مصيرها الفشل، لأنها استقوت على الصغار وتركت الكبار يعيثون فسادًا.
فى هذه الأجواء يسير الرئيس السيسى فى خطى ثابتة لتخطى حقول الألغام، وقد نجح فى تجاوزها لأنه مؤمن بمستقبل البلد ومستقبل شبابه، والأجيال الآتية التى تعرف قيمة التضحيات وقيمة المحافظة عليها، فقد أمضى الرئيس السيسى ستة أشهر منذ توليه منصبه، وهو يعمل ليل نهار، يجتمع ويناقش، ويستمع ويوجه ويتابع أدق التفاصيل، حتى يجد حلاً ومخرجًا أو يوفر مالاً لاستخدامه فى مشروعات أو سد نقص، لذلك فإنه يملك أكبر شعبية، لأنه إذا وعد صدق، ولا يهاب المنافسة لا شعبيًا ولا سياسيًا.
والخوف أن يتسبب بطء هذه الحكومة وتخاذلها فى اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة الفساد، فى الانتقاص من شعبية الرئيس.
إن ما يجرى على يد الرئيس هو عبور بالوطن من حال كان استمرارها مستحيلاً إلى حال تحمل فى طياتها الاستمرارية، وللمرة الأولى فى تاريخ مصر المعاصر، يحصل رئيس على هذه الشعبية الجارفة بأنه الضامن للأمان والاستقرار فى الوطن، وكان خير دليل على هذه الشعبية مساندة الناس له فى المشاركة فى تنفيذ المشروعات الكبرى.∎







