ابراهيم خليل
المواجهة المؤجلة لحكومة محلب مع الفساد.. متى؟
صباح اليوم السبت يبدأ السباق ليتبلور وجه مصر الجديد، الذى يسوده الأمن والأمان، بعد أن اغتسل من وجه الإرهاب الكئيب، ودعوات الهدم التى لم تهدأ ليل نهار، وكأن الثورة الإسلامية المزعومة هى يوم القيامة فى مصر. وللأسف فإن أدوات يوم القيامة المزعوم بيد من يطلقون على أنفسهم «مصريين»، وفى الحقيقة كانوا مصريين.. بعد أن هددوا أكثر من مرة بإشعال مصر وهدمها على رءوس كل المصريين، حتى تتم إعادة محمد مرسى، وفى تصورهم أن حشد بعض المتظاهرين الذين تقاضوا بعض الأموال، مقابل ترديد بعض الشعارات ورفع اللافتات، يمكن أن يشعل الثورة الإسلامية الكبرى، ولكن سرعان ما ينتهى الأمر إلى لا شىء، ويعودون إلى جحورهم.
بعد فترة من الوقت يتم تجديد ضخ بعض الأموال من دولتين كانت لهما مصالح مع حكم مرسى، ليقوم قادة الإرهاب بإعادة الكرّة مرة أخرى تحت اختراعات ومسميات جديدة، كما جرى فى العديد من التظاهرات (الفشنك) السابقة.
إنه الغباء غير المحدود أو المال غير المحدود أو بالأحرى كلاهما معا لتكون النتيجة اختراع جُمعات وثورات وهمية بلا نهاية، وعندما يتم إغلاق أنابيب التمويل تتوقف الثورات الوهمية، مصداقا للمثل الإنجليزى الشهير «قبل أن تقتل البعوض جفف البحيرة».
العبرة من الاستعدادات الأمنية والحكومية التى جرت أمس الجمعة وإحكام قبضة الدولة على كل المنافذ فى الداخل والخارج، أن الدولة المصرية تستطيع إحكام قبضتها على كل شىء، وأن ذراعها الطويلة تصل إلى الإرهاب فى كل مكان، فى إشارة إلى استعادة هيبتها الأمنية بالكامل.
وما حدث أمس الجمعة من إحكام القبضة الأمنية وتواجد الأمن فى كل مكان أعطى الثقة فى أن الدولة المصرية قد عادت بكامل قوتها، وأن التجارب السابقة ثقلتها وعضدت قوتها. والجديد هو الثقة الكبيرة التى وضعها المصريون فى أعناق الدولة، وهى استخدام قوتها فى البطش لكل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن.
من فرط ضغوط الحياة اليومية وتفاصيلها، لم يعد المرء يهتم الآن إلا بفرص العمل وأكل العيش، والبحث عن زيادة دخله لمواجهة أعباء الحياة.
كثير من الناس يهتم بمبادئ الحياة الأساسية (الصدق، والاستقامة، والوفاء)، وجانب آخر يهتم بجمع المال والبحث عن النفوذ بكل أشكاله. ويكنز الثروات بالكسب الحرام، على حساب الفقراء والمعدمين، ولا تقترب منهم يد الحكومة التى انتفضت بكامل قوتها لمواجهة الإرهاب، ولكنها تتقاعس، وتُشل يدها عند مواجهة الفساد.
الأمور تسير بالتوافق، ليعيش الفساد والإرهاب تحت سقف واحد، وتتم مواجهة الإرهاب دون الفساد، وأصبح الفساد يتعايش مع الإرهاب، لأن الأخير يوفر له الحماية، باعتبار أن المواجهة الأساسية للأجهزة هى مكافحة الإرهاب، والتغاضى إلى حين عن الفساد، ولكن هذا التغاضى قد طال.
ماذا تعنى هذه الإطالة ؟ بكل بساطة تعنى أن الفساد أقوى من أى قوى أخرى، وإلا فكيف نفسر عدم تقديم كبار الفاسدين للعدالة، خصوصا من اشتروا الأراضى بالملاليم، وباعوها بالملايين منها الحزام الأخضر على سبيل المثال، وغيرها من المساحات الشاسعة التى اشتروها من الحكومات السابقة لأغراض محددة كالزراعة، وباعوها كمنتجعات سكنية.
كل هذه الأمور محل تساؤل من الناس الذين بدورهم يسألون ولم يجدوا جوابا. هل يجوز فى ظل عهد جديد ألا تكون هناك قدرة على مواجهة وكشف الفساد؟ سنبقى نتفاءل، خصوصا أن هناك وعودا بفتح ملفات الفساد العالقة، ومن جديد سنعلق الآمال على فتحها، لأنه لا خيار أمام الحكومة سوى المحاولة من جديد، رغم كل الصعوبات وتغلغل الفساد فى كل المؤسسات.
المطلوب التطهير باعتبار أن الفساد هو الإرهاب، والإرهاب هو الفساد وأبرز نقاط ضعف هذه الحكومة عدم مواجهة الفساد، الانطلاقة التى قدمتها الحكومة (عرجاء)، وأخطر ما فيها عدم بتر الفساد، والضمانة الكبرى لإحساس المواطن بالأمان، هى قطع دابر الفساد، مثلما تواجه الدولة الإرهاب. وبمجرد إحساس الناس بأن يد الدولة سوف تطال الفساد كما هى جادة فى محاربة الإرهاب، سيشعرون بالجدية، والثقة فى أجهزتها، بالإضافة إلى تقوية الانتماء للوطن.
ليس من الحكمة أن يرتفع منسوب القلق والتوتر لدى الناس، بعد أن اصطفوا لمحاربة الإرهاب، وينتظرون دقة ساعة محاربة الفساد، وينتهى تحمل تبعات الفساد وأبرزها غياب العدالة الاجتماعية، وعدم توفير فرص العمل.
الناس تهان إذا طالبت بالقضاء على الفساد أو زيادة الرواتب، وتهان إذا حصلت على حقوقها، الأستاذ يهان إذا بقى راتبه ضعيفا، ويهان إذا حصل على زيادة غير كافية، ويهان التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة ولم يجد أستاذا يعلمه، ويهان إذا بقى فى المنزل، لأن أستاذه مضرب عن العمل بسبب حرمانه من الكادر.
إلى متى سيبقى الناس عرضة لهذه الإهانات؟ الناس تستحق التكريم، ولا شىء غير التكريم. الحكومة طالبت الناس بالهدوء والمساندة ضد الإرهاب، فالتزموا بالهدوء وفرضوا على أنفسهم حظرا تلقائيا، حتى تقوم قوات الأمن بكامل واجبها، وتوفر الحماية الكاملة لمواجهة الإرهاب، لقد طالبت الحكومة الشعب بالضرائب، فدفعها، وعندما طالبته أن يتحمل، فاستجاب وتحمل، ولكن فى المقابل ماذا قدمت له الحكومة؟ باختصار.. لا شىء! أليس هناك أبواب تبتكرها الحكومة لتحسين أحوال الناس ؟ ماذا عن مخصصات الوزراء الكبيرة؟ وماذا عن بدلات سفرهم؟، هل يجرؤ أحد على فتح هذه الملفات؟، لماذا لا تخرج الحكومة بكل جرأة وشفافية إلى الرأى العام، وتجاهر بالحقيقة المرة التى لا تملكها بأنها لا تستطيع مواجهة الفساد كما تواجه الإرهاب؟
يمارس المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء سياسة الدبلوماسية الهادئة، سواء مع وزرائه أو مع الأحداث التى تجرى داخل الوطن، ولولا صبر رئيس الوزراء ورباطة جأشه وإدارته الموفقة لجلسات مجلس الوزراء، لانفجر فيه لغم فى حقل الألغام، فالمهندس إبراهيم محلب انتهج استراتيجية إطفاء الحرائق منذ لحظة تكليفه بتشكيل الحكومة، وصولا إلى اليوم. وهذا نهج يحسب له، لكنه فى زحمة الأحداث، نسى أو تناسى ملف الفساد ، ونحن نسأله بدورنا: لعل المانع خيرا يا دولة رئيس الوزراء؟ السؤال على لسان كل الناس، ويحتاج إلى إجابة شافية، خصوصا بعد تكاتف واصطفاف المصريين مع الحكومة فى مواجهة الثورة الإسلامية المزعومة.
ورغم كل الصور السوداء التى فرضت على الناس من الفساد، فإنهم متمسكون بالمواجهة والتحدى، وهما أهم شروط تقدم الأوطان. ∎







