ابراهيم خليل
الحكومة أمام امتحان الشعب
لا أحد مستعجل إلا الناس، والوزراء يأخذون كل وقتهم فى التباعد والتقارب من حل المشاكل اليومية، وكأن الدنيا بألف خير ولا شىء يستدعى الاستعجال، فيما الناس تكتوى بالعديد من الأزمات اليومية، والتنفيذيون يعجزون عن حلها، ومن هنا جاء أخطر تصريح يدلى به رئيس الوزراء المحبوب إبراهيم محلب، منذ أن جاء رئيسا للحكومة، باعترافه ضمنيا بسوء الأداء فى عدد من الوزارات.
وجاء هذا التصريح بمثابة إنذار لهؤلاء الوزراء لتحسين أدائهم أو تقديم استقالاتهم.
عجيبة أمور هذا البلد، التنفيذيون ناشطون فى تبادل المآدب، وحضور الاجتماعات، والسفر للمؤتمرات، والمشاركة فى الندوات، وكأنهم أشخاص آخرون، غير الذين يتعاملون مع الناس، فالابتسامة الكبيرة تعلو وجوههم، وعند تعاملهم مع الناس تكسو التكشيرة وجوههم ويعلو صوتهم، وتصبح خدمة الناس وقضاء مصالحهم آخر شىء يفكرون فيه.. والسؤال الذى يطرح نفسه:
أين حلولهم العبقرية طوال الأربعة شهور الماضية، أين مخارجهم لحل المشاكل اليومية بدءا من ارتفاع الأسعار، وانقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمة بالمستشفيات، وانحطاط العملية التعليمية، وانتشار المبانى الآيلة للسقوط، وزيادة حوادث الطرق؟
وعلى هذه الخلفية ننتظر فى الفترة المقبلة قيام القيادة السياسية بإصدار العديد من القرارات التى ستنعكس بالإيجاب على حل الكثير من المشاكل العالقة، والتيسير على حياة الناس اليومية، وعلى رأس تلك القرارات توفير فرص العمل للشباب، وتمليك الأراضى الزراعية للخريجين، وفتح آفاق جديدة للمستثمرين.
وإذا أردنا أن نكون منصفين، لابد أن يكون هناك مخرج لفرز المحتجزين بالسجون على ذمة مخالفة قانون التظاهر، عن الإرهابيين الحقيقيين الذين روّعوا المواطنين، وأشعلوا العنف فى الشارع المصرى، واستشهد أفراد من الشرطة، ضباطا وجنودا، بفعل عملياتهم الإرهابية، وآخرها التفجير الذى حدث أمام جامعة القاهرة، وأصيب فيه عشرات الأبرياء من الشرطة والأهالى، باختصار يجب التفرقة بين الأبرياء والمتهمين، والضحايا والقتلة، بسرعة الإفراج عن الأبرياء، وتقديم الإرهابيين لمحاكم عاجلة، وأن يكون القضاء الفرنسى قدوة حسنة للقضاء المصرى، ففى فرنسا لا تستغرق إجراءات التقاضى مهما كانت الجريمة أكثر من شهرين، لأن سرعة المحاكمة انتصار للعدالة وللمظلوم، وفى بطئها هزيمة للاثنين معا.
لا مجال لعودة الاستبداد بشكل آخر، ولابد أن تنجح الحكومة فى امتحان الشعب، مهما كانت صعوبة الاختبار فى مواد الحرية والعدالة الاجتماعية، والخبز والكرامة الإنسانية، والتنمية الاقتصادية، والتنوير.
ما يشجع الحكومة للنجاح فى امتحان الشعب، أنها على أعتاب أحداث مهمة خلال الفترة المقبلة.
فى مقدمتها عقد المؤتمر الاقتصادى الدولى الكبير فى مصر، الذى يتيح فرصا استثمارية هائلة لكبرى الشركات العالمية، لكى تستثمر فى مختلف المشروعات بمصر، ويكون هذا المؤتمر بمثابة شهادة ضمان دولية لخروج مصر من أزمتها، ووقوفها على أعتاب النمو الاقتصادى، وفى وقت سابق تم رفع اسم مصر من قائمة الدول الفاشلة فى سداد ديونها، ويرجع الفضل فى هذا إلى التعليمات الصارمة التى أصدرتها القيادة السياسية بضرورة الالتزام بسداد الديون فى مواعيدها.
وبهذا تنقلب كل الموازين رأسا على عقب وتفرض واقعا جديدا، ولقد أصبح التبشير بالأمل واقعا ملموسا على المستوى الدولى، وأقرب مثل لذلك نجاح مصر فى عقد مؤتمر المانحين لغزة بالقاهرة، بعد نجاحها فى وقف الحرب الإسرائيلية على القطاع، وعقد مصالحة بين حماس وفتح، لتؤكد مصر مجددا أنها مفتاح الحرب والسلام فى المنطقة.
وما يؤكد أن القاهرة خلال الفترة المقبلة ستكون محور الأحداث، زيارة البشير للقاهرة التى رأبت الصدع، وأطفأت نيران الخلافات المفتعلة، وأمنت الحدود، وغلبت لغة المصالح المشتركة على أى شىء.
مصر لم تعد تنكفئ على ذاتها كما كان يحدث أيام مبارك الذى همش دور مصر، مخالفا طبيعة وجغرافية مصر وتاريخها، وعبقرية الزمان والمكان كما رصدها المفكر الكبير الدكتور جمال حمدان، فالداخل يرتبط بالخارج، ولا يمكن لمصر أن تنكفئ على الداخل فقط.
فى هذه الأجواء تتحسن الأمور تدريجيا، وإذا أردنا أن نكون منصفين، فإننا نقول إن بعض الوزراء وجودهم ينعكس سلبا على مصالح الناس التى هى هدف وأساس كل سلطة تنفيذية، مثل وزير البترول الذى ليست له علاقة بمجال البترول، ويكفى فضيحة اكتشاف غش بنزين 59 فى إحدى محطات البترول، بعد اكتشاف إحدى كبرى شركات السيارات العالمية تلف محركات سياراتها بعد ثلاثة شهور فقط من شرائها، حيث تبين أن بنزين 29 يتم خلطه ببعض الماء، وبعض السوائل، ويتم بيعه على أساس أنه بنزين 59!
أما وزيرة البيئة فقد تحولت القاهرة فى عهدها إلى مقلب قمامة كبير، ولم تحل مشكلة حرق قش الأرز، واستمرت السحابة السوداء للعام العاشر على التوالى، كما استمر تلوث مياه النيل، وفى بعض القرى اختلطت مياه الصرف الصحى بمياه الشرب، فأصيب العديد من المواطنين بالأمراض!
وفى عهد وزير الصحة ساءت حالة المستشفيات الحكومية بدلا من تحسنها وتفرغ الكثير من الأطباء لمشكلة الكادر، وامتنعوا عن علاج المرضى قبل إقراره، كما أطلق الوزير تصريحات وردية عن العلاج فى المستشفيات، لم يتم تطبيقها على أرض الواقع، بل قوبلت بالسخرية من الأطباء، وضج المرضى من الشكوى لعدم وجود أسرّة أو دواء، وتعدى الأمر إلى طرد المرضى خارج المستشفيات، وأهم سؤال يطرح على الوزير فى مجال الصحة: أين موقف الوزارة من شركات الدواء العالمية على السوق المصرية باعتبار مصر أكبر مستهلك له فى العالم؟!
وما يجرى من عمليات فساد وإفساد بين شركات الدواء العالمية والمسئولين عن الموافقات بإدخال أنواع محددة منه؟!
كل ذلك يجرى ولا يشعر المسئولون أن عليهم أن يتصرفوا وكأنهم فى ظرف استثنائى وامتحان جديد من نوعه، فعليهم تغيير أجنداتهم الخاصة المرتبطة بالعطلات والإجازات وحضور المؤتمرات، حتى يعطوا المثال الحى للمواطنين بأنهم يعيشون فى ظرف استثنائى، وليس فى أمر طبيعى.
مطلوب تطبيق استراتيجية الشجاعة وتبنيها، والاستمرار فيها، ولعل الرئيس السيسى من القلائل الذين يسيرون وفق هذه الاستراتيجية وإلا لما كان تجرأ على تحمل موقف غير شعبى باتخاذ قرار رفع الدعم عن البنزين، بهذا المعنى وهذه القدوة يجب على كل مسئول أن يحذو حذو السيسى ويواجه المشاكل مباشرة دون التهرب منها، أو تأجيلها أو الالتفاف حولها، خوفا على شعبيته أو مقعده.∎







