إقامة الصلاة.. بين الخشوع والتقوى
محمد نوار.. يكتب
فى الأمم السابقة كانت الصلاة معروفة؛ لأن كل إنسان مؤمن بالله له صلة مع الله، والصلاة تعبير عن تلك الصلة، ومن هنا تأتى أهمية الصلاة.
والصلاة يحافظ عليها المؤمنون: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مريم 58-59.
فى الآيتين يخبرنا تعالى عن الخلف من نسل النبى يعقوب عليه السلام وهم بنو إسرائيل، ومن نسل النبى إسماعيل عليه السلام وهم العرب، بأنهم أضاعوا الصلاة؛ لأن أداء الصلاة من دون إقامتها ينتج عنه ضياع الصلاة، مثل صلاة المشركين عند الكعبة قبل نزول القرآن: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ).
وإقامة الصلاة أشمل من أداء الصلاة، وعدم المحافظة على الصلاة يؤدى لإضاعة الصلاة، وضياع الشىء لا يعنى زواله ولكن يعنى وجوده مع عدم الانتفاع منه، والمعنى فى ضياع الصلاة هو عدم الانتفاع بها لإضاعة الهدف منها وهو التقوى.
واستمرت الصلاة كعبادة تم توارثها عن النبى إبراهيم، الذى دعا الله بأن تستمر إقامة الصلاة فى ذريته: (رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) إبراهيم 40.
فى القرآن الكريم تأتى كلمة «صلاة» مكتوبة بشكلين مختلفين، مرة مكتوبة بطريقة الإملاء المعروفة وحروفها صاد، لام، ألف، تاء مربوطة: (ٱلَّذِينَ هُم فِى صَلَاتِهم خَـشِعُونَ) المؤمنون 2.
ومرة ثانية مكتوبة بطريقة مختلفة عن الإملاء المعروفة وحروفها صاد، لام، واو فوقها ألف صغيرة تسمى ألف خنجرية، تاء مربوطة: (وَٱلَّذِينَ هُم عَلَى صَلَوَاتِهِم يُحَافِظُونَ) المؤمنون 9.
ولذلك يوجد نوعان من الصلاة، صلاة بمعنى الصلة بالله تعالى عن طريق الذكر والدعاء والشكر والتسبيح، وصلاة تقام وهى إقامة وركوع وسجود.
الصلاة التى تقام تحتاج إلى الوضوء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) المائدة 6.
والصلاة بمعنى الصلة: (مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (المدثر 42-43، بمعنى قطعوا صلتهم بالله تعالى.
وكل العبادات وسائل لبلوغ تقوى الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 21، فالتقوى هى الهدف، والذى يقيم الصلاة هو الذى تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر فيكون متقيًا لله: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت 45.
وتوجد علاقة بين الخشوع أثناء تأدية الصلاة والمحافظة على الصلاة بعد تأديتها: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) المؤمنون 1-2، ولا يجتمع الخشوع فى الصلاة وفعل الفحشاء وارتكاب المعاصى بعد الصلاة، حتى لا تصبح الصلاة خداعًا للنفس والناس.
وكلمة «أقام» تكررت 40 مرة مرتبطة بالصلاة فى آيات القرآن الكريم، وأقام تعنى حافظ على الشىء، والله تعالى وصف ذاته باسم القيوم: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) البقرة 255، بمعنى القائم على كل شىء ولا يغفل عن شىء، ومن هذا المعنى يأمرنا تعالى أن نكون قائمين على رعاية العدل والقسط: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ) النساء 135.
وكل من يرتكب الفجور والفساد والظلم لا يكون مقيمًا للصلاة: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) التوبة 18.
وإقامة الصلاة تعنى الخشوع أثناء الصلاة والتزام التقوى ومكارم الأخلاق بين الصلوات، وتعنى التفاعل بالخير مع الآخرين من مكارم الأخلاق من صدق وإحسان وعدل وأمانة وسلام وتسامح وغيرها، والانتهاء عن الظلم والبغى والبخل والأنانية وغيرها، وإقامة الصلاة تُنتج مجتمعًا تنتشر فيه مكارم الأخلاق.
إن الصلاة صلة مستمرة بين الله تعالى وبين المؤمنين، فإذا أقام المؤمنون صلتهم مع الله تعالى أقام الله صلته معهم، إذا ذكروه بصلاتهم ذكرهم بمغفرته، وتكون صلاتهم لله تعالى مع الصبر عونًا لهم فى الحياة الدنيا: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة 152-153.







