الأحد 1 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الدراما كأداة وعى سياسى.. قراءة فى «رأس الأفعى»

الدراما كأداة وعى سياسى.. قراءة فى «رأس الأفعى»

يُعد مسلسل رأس الأفعى محاولة درامية لقراءة مرحلة شديدة التعقيد فى التاريخ المصرى المعاصر، مرحلة امتزج فيها السياسى بالأمنى، والدعوى بالحركى، والعلنى بالسرى، حتى بدا المشهد كأنه شبكة متداخلة من الخيوط يصعب فصل بعضها عن بعض. ومن هنا فإن التعامل مع العمل لا ينبغى أن يكون بوصفه مجرد سرد تليفزيونى لأحداث ساخنة، بل باعتباره نصًا سياسيًا بصريًا يطرح بشكل درامى رواية محددة عن طبيعة جماعة الإخوان، وبنيتها التنظيمية، وتحولاتها من العمل السياسى إلى الصدام مع الدولة والمجتمع.



أول ما يلفت النظر فى المسلسل هو اختياره لعنوان دالّ؛ فـ«رأس الأفعى» ليس مجرد استعارة بل هو توصيف لبنية تنظيمية تقوم على مركز قيادى شديد الانغلاق، تتفرع منه الأوامر والتعليمات فى صورة هرمية صارمة. هذه البنية الهرمية، التى عُرفت تاريخيا داخل الجماعة بمفهوم «السمع والطاعة»، تُقدَّم فى العمل بوصفها جوهر الأزمة؛ إذ يتحول القرار السياسى إلى تكليف تنظيمى، ويتحول الخلاف الفكرى إلى خروج على الصف، ثم إلى خيانة.

التحليل السياسى للعمل يكشف أنه لا يركز فقط على الجرائم بوصفها أفعالا مادية – اغتيالا كانت أو تحريضا أو تمويلا – بل يتجه إلى ما هو أعمق: البنية الفكرية التى تسمح بتبرير هذه الأفعال، فالمسلسل يعالج فكرة أن العنف لم يكن رد فعل عفويًا على خسارة السلطة، بل كان خيارًا احتياطيًا حاضرًا فى أدبيات التنظيم، يظهر إلى السطح حين تضيق المسارات السياسية. وهنا يلتقى الخط الدرامى مع قراءة سياسية تقول إن الجماعة حين خسرت الشرعية الشعبية، لجأت إلى استدعاء خطاب المظلومية، ثم إلى تدويل الأزمة، ثم إلى محاولة توظيف الشارع فى مواجهة مؤسسات الدولة.

من الزاوية السياسية، يقدّم العمل فرضية واضحة: أن جرائم الجماعة ضد المصريين لم تكن فقط فى العمليات الإرهابية أو التحريض المباشر، بل فى تفكيك الثقة الوطنية، واستدعاء الاستقطاب الحاد، وتقسيم المجتمع إلى فسطاطين. فحين يُعاد تعريف الخصم السياسى بوصفه خصمًا دينيًا، تتحول المعركة من تنافس على برامج إلى صراع وجودى، وهذا أخطر ما فى الأمر. المسلسل يُظهر كيف أُنتج خطاب يُضفى قداسة على التنظيم، ويمنح أتباعه شعورا بأنهم حراس الحقيقة المطلقة، فى مقابل مجتمع «مخدوع» أو «منحرف».

كما يسلط العمل الضوء على العلاقة المعقدة بين التنظيم والدولة. فالدولة فى المسلسل ليست مجرد جهاز أمنى، بل كيان يحاول الحفاظ على تماسك المجتمع ومنع انزلاقه إلى الفوضى. وهنا يدخل العمل فى معادلة حساسة: هل كانت المواجهة حتمية؟ وهل كان يمكن تفادى الصدام؟ المسلسل يميل إلى طرح أن خيار الصدام كان متجذرا فى عقل الجماعة حين فقدت أدوات السيطرة، وأن خطاب «الشرعية» تحول إلى مظلة لتبرير كل أشكال الضغط، بما فيها العنف ومن ثم التحريض على العنف.

سياسيًا، يمكن قراءة المسلسل باعتباره جزءًا من معركة السرديات. فكل مرحلة انتقالية تشهد صراعًا على «من يكتب القصة». 

والجماعة سعت – عبر منصات إعلامية خارجية – إلى تقديم نفسها بوصفها ضحية انقلاب على الديمقراطية، بينما يقدّم المسلسل سردية مغايرة تقول إن ما جرى كان نتيجة طبيعية لمشروع لم يستوعب طبيعة الدولة الوطنية الحديثة، ولم يقبل بقواعد التعدد السياسى الحقيقى. بهذا المعنى، العمل ليس فقط توثيقا، بل إعادة صياغة للذاكرة الجمعية.

أما عن الجرائم التى يناقشها المسلسل، فهى لا تُطرح بوصفها وقائع منفصلة، بل كامتداد لمنظومة فكرية وتنظيمية. من استهداف رجال الشرطة والجيش، إلى التحريض الإعلامى، إلى التمويل الخارجى، إلى محاولة خلق حالة إنهاك اقتصادى وأمنى، كلها تُعرض كحلقات فى سلسلة واحدة هدفها إرباك الدولة وإجبارها على التراجع أو التفاوض من موقع ضعف. وهنا يتجاوز التحليل مستوى الحدث إلى مستوى الاستراتيجية.

ومن أهم النقاط التى يثيرها العمل – وإن كان بصورة غير مباشرة –  فكرة العلاقة بين الدين والسياسة. فحين يُحتكر الحديث باسم الدين، ويُختزل الإيمان فى تنظيم، يصبح أى خلاف سياسى ملتحفًا بغطاء عقدى. والمسلسل يعرض هذه الإشكالية بوضوح: كيف يتحول الخلاف إلى تكفير ضمنى، وكيف يُنتج ذلك عزلة شعورية تمهد للعنف المادى.

كذلك يمكن النظر إلى العمل باعتباره رسالة ردع سياسية. فهو يبعث إشارة مفادها أن الدولة قادرة على تفكيك الشبكات المعقدة، وكشف ما يدور فى الغرف المغلقة، وأن زمن العمل السرى بلا حساب قد انتهى. وفى الوقت نفسه، يحمل رسالة توعوية للمجتمع مفادها أن التنظيمات المغلقة التى تُقدّس القيادة وتُقصى النقد تحمل فى داخلها بذور الصدام.

لكن التحليل الموضوعى يقتضى الإشارة إلى أن الأعمال الدرامية – بطبيعتها – تختار زاوية رؤية محددة، وقد تُغفل جوانب أخرى. لذلك فإن القيمة السياسية للمسلسل لا تكمن فقط فى إدانته لممارسات العنف، بل فى قدرته على إثارة نقاش عام حول حدود العمل الدينى فى المجال السياسى، وحول معنى الدولة الوطنية، وحول ضرورة الفصل بين قداسة العقيدة ونسبية البرامج الحزبية.

فى النهاية، يمكن القول إن «رأس الأفعى» يتجاوز كونه عملًا فنيًا إلى كونه نصًا سياسيًا تمت صياغته دراميا ليشارك فى إعادة تشكيل الوعى بمرحلة مفصلية. إنه يقدم قراءة تقول إن الصراع لم يكن مجرد نزاع على سلطة، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع دولة وطنية تسعى إلى الاستقرار، ومشروع عابر للحدود يقدّم التنظيم على الوطن. وبين هذين المشروعين، دفعت مصر ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها واستقرارها.

وهنا تكمن أهمية مثل هذه الأعمال؛ فهى لا تكتفى بسرد الماضى، بل تحاول تحصين المستقبل، عبر تفكيك التجربة، وكشف مواطن الخلل، وتحذير الأجيال من الوقوع فى فخ الخلط بين الإيمان الصادق والمشروع السياسى المغلق.