الإثنين 2 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين فضح الجرائم ومخاطر الاختراق

كاميرات المراقبة عين سحرية تكشف الملفات المسكوت عنها

فى السنوات الأخيرة، تحولت كاميرات المراقبة من مجرد أدوات لتوثيق الأحداث فى الشوارع والمبانى إلى عنصر أساسى فى منظومات الأمن الذكى والمدن الحديثة، لكنها فى الوقت نفسه أصبحت محل جدل واسع حول حدود استخدامها ومدى تأثيرها على الخصوصية. ومع عرض مسلسل «عين سحرية» فى دراما رمضان، بطولة الفنان عصام عمر، عاد النقاش بقوة حول دور هذه الكاميرات بين تعزيز الأمن وكشف الجرائم، وبين احتمالات إساءة استغلالها أو توظيفها فى مراقبة غير مشروعة أو اختراق البيانات.. وأعاد العمل الدرامى تسليط الضوء على سؤال جوهري: هل تمثل كاميرات المراقبة ضمانًا للأمان المجتمعى، أم أنها قد تتحول إلى أداة تهدد الخصوصية إذا غابت الضوابط القانونية والتقنية؟  



على أرض الواقع، أثبتت كاميرات المراقبة دورها فى كشف العديد من الجرائم، حيث وثقت تسجيلاتها قضايا لاقت تفاعلًا واسعًا داخل مصر وخارجها، منها واقعة محاولة خطف طفل فى الإسكندرية التى انتشر فيديو لها على مواقع التواصل الاجتماعى وساهم فى تحريك التحريات سريعًا، وكذلك تسجيل كاميرات بوابة جامعة المنصورة لحظة الاعتداء على الطالبة نيرة أشرف، وهو ما مثل أحد الأدلة المهمة فى القضية، كما التقطت كاميرات مراقبة فى الجيزة لحظة الاعتداء على سايس سيارات، ما ساعد فى تحديد هوية المتهم وضبطه خلال فترة قصيرة، لتتحول التسجيلات المصورة فى هذه الحالات إلى دليل حاسم فى مسار التحقيقات.

وفى الهند، ووفقًا لتقارير صحفية، تمكنت الشرطة فى نيودلهى من تتبع عصابة سرقة بعد تحليل لقطات أكثر من 150 كاميرا، ما أدى إلى حل عدد من القضايا ومصادرة الأدلة. كما ساعدت كاميرات فى ناجبور على كشف سرقة كبرى خلال 24 ساعة فقط.

فى المقابل، كشفت تجارب دولية أن أنظمة المراقبة قد تتعرض للاختراق إذا لم يتم تأمينها بشكل صحيح، فقد شهدت بعض الأنظمة المرتبطة بالكاميرات الذكية حوادث وصول غير مصرح به إلى التسجيلات بسبب كلمات مرور ضعيفة أو ثغرات فى البرمجيات، كما أثارت تقنيات التعرف على الوجوه فى بعض المدن الأمريكية جدلًا قانونيًا بعد استخدامها فى اعتقالات موسعة رغم المخاوف المتعلقة بالخصوصية، وتؤكد هذه الحالات أن التطور التقنى فى أنظمة المراقبة يجب أن يواكبه تشديد فى إجراءات الحماية والرقابة.

يؤكد الدكتور مصطفى سعداوى، أستاذ القانون الجنائى بجامعة المنيا، أنه فيما يتعلق بتركيب كاميرات المراقبة الداخلية أو الخارجية فى الشوارع، فإن قانون المحال العامة الصادر عام 2019 رقم 151 نص فى المادة 23 منه على إلزام المحال العامة بتركيب كاميرات مراقبة داخلية وخارجية، وذلك وفقًا للاشتراطات التى تحددها اللجنة المنصوص عليها فى القانون.

وأوضح أن تعريف «المحل العام» وفقًا لأحكام القانون يشمل كل منشأة تستخدم لمباشرة الأعمال التجارية أو الحرفية أو تقديم خدمات أو تسلية أو ترفيه أو إقامة احتفالات للمواطنين بقصد تحقيق ربح، سواء كانت المنشأة مبنية من مواد تقليدية أو من الخشب أو الألواح المعدنية أو أى مواد أخرى، وسواء كانت مقامة على أرض فضاء أو عائمات أو مراكب أو أى وسيلة نقل برى أو بحرى، مع استثناء المنشآت السياحية والفندقية من هذا الإلزام.

وشدد على ضرورة التفريق بين المحال العامة والمنشآت السياحية والفندقية والصناعية عند الحديث عن إلزامية تركيب الكاميرات، نظرًا لاختلاف الإطار القانونى المنظم لكل منها، وفيما يتعلق بتسجيل الأشخاص فى الأماكن العامة وما قد يثير شبهة انتهاك الخصوصية والحق فى الحياة الخاصة، أوضح أنه يجب التفريق بين حالتين: إذا كان التصوير بهدف توثيق فعل يشكل جريمة، فإن التصوير يكون جائزًا بشرط تقديم التسجيل لجهات التحقيق أو النيابة العامة باعتباره دليلًا فى الدعوى، وفى هذه الحالة لا يجوز الاحتفاظ بالتسجيل أو تداوله، لأنه يُعد من أدلة القضية، ولا يحق نشره أو إعادة نشره، أما إذا تم التصوير بغرض توثيق واقعة تشكل جريمة ثم جرى تداول التسجيل، فإن ذلك قد يرقى إلى ارتكاب مخالفة قانونية، وفى حال تقديم التسجيل لجهات التحقيق مع الامتناع عن تناوله، فلا توجد إشكالية قانونية من الناحية التشريعية.

وأكد أن تصوير الأشخاص فى الأماكن العامة، سواء كانوا شخصيات عامة ،أو أشخاصًا عاديين، مع الاحتفاظ بالصور أو إعادة نشرها دون مبرر قانونى قد يشكل جريمة، وقد تصل العقوبة فيها إلى الحبس والغرامة، مشددًا على ضرورة احترام الحق فى الحياة الخاصة، باعتبار أن صورة الشخص محمية قانونًا، ولا يجوز انتهاكها أو استغلالها دون سند قانوني.

فيما أوضح المهندس محمد الشاذلى، المتخصص فى أنظمة المراقبة، أن البيانات التى تسجلها كاميرات المراقبة يتم تخزينها على وحدة تخزين داخلية تُعرف بـ«الهارد ديسك»، ويتم توصيلها بجهاز التسجيل (DVR) عبر كابل يُسمى «SATA».

وأشار إلى أن مدة الاحتفاظ بالتسجيلات تعتمد بشكل أساسى على سعة وحدة التخزين المستخدمة داخل جهاز الـ DVR، حيث تتراوح المساحات بين 500 جيجابايت، و1 تيرابايت، و2 تيرابايت، و3 تيرابايت، و4 تيرابايت، وغيرها، وكلما زادت السعة زادت مدة الاحتفاظ بالفيديوهات المسجلة.

وأضاف أن الوصول إلى تسجيلات الكاميرات يكون فى الأساس من حق صاحب النظام، نظرًا لأن جهاز التسجيل يكون مؤمنًا بكلمة مرور (Password) لا يعرفها إلا مالك الجهاز أو المسئول عنه.

وأكد أن الكاميرات المتصلة بالإنترنت لا تكون عرضة للاختراق بسهولة، لأنها تعتمد على أنظمة حماية قوية، موضحًا أن كاميرات الـIP تحديدًا يكون لكل كاميرا نظام حماية خاص بها، وعلى المبرمج أو الفنى المسئول أن يقوم بإعدادها وتأمينها بشكل جيد لمنع أى محاولة اختراق.

من جانبه، أكد دكتور شاكر الجمل، خبير أمن المعلومات أن كاميرات المراقبة تُعد شاهدًا أساسيًا فى أى قضية، إذ تعتمد الجهات المعنية على مراجعة التسجيلات لتحديد ملابسات الوقائع ومعرفة كيفية حدوثها، بما يسهم فى تسهيل عمل الجهات الأمنية وضبط المتهمين.

وأوضح أن الكاميرات تسهم فى الحد من الجرائم وحماية الأماكن والمؤسسات والمنازل، لأن وجود نظام مراقبة يجعل المجرم يدرك أنه مراقَب، ما يشكل عنصر ردع مهما. واعتبر أن الكاميرا تمثل حلقة وصل بين المتهم والمظلوم، خاصة فى القضايا التى يكون الفيصل فيها التسجيل المصور.

وأشار إلى تجربة شخصية تعرض لها، حيث وقع حادث تصادم مرورى بينه وبين سائق دراجة نارية كان يقود بسرعة جنونية، لافتًا إلى أن كاميرات المراقبة المثبتة فى الشارع حسمت تحديد المسئولية، وأثبتت أن قائد الدراجة كان مخالفًا، ما ساعد فى توضيح الحقيقة وإنصاف الطرف المتضرر.

وحذر من أن كاميرات المراقبة قد تتحول إلى أداة تصنت أو اختراق إذا لم تكن مؤمّنة بشكل صحيح، خصوصًا إذا كانت متصلة بالإنترنت أو تعتمد على كلمات مرور ضعيفة أو غير مفعّلة، موضحًا أن ضعف الحماية يسهّل على المخترقين الوصول إلى النظام والتحكم فيه.

وأكد أن الفنى غير الأمين قد يشكل خطرًا على النظام إذا  تمكن من تحميل برامج أو نسخ بيانات الكاميرا أو الوصول إلى رمز الـQR الخاص بالتحكم، لذلك يجب اختيار جهات تركيب موثوقة وذات سمعة جيدة، مع ضرورة تأمين الراوتر المتصل بالكاميرات، لأن اختراق الشبكة يتيح السيطرة على جميع الأجهزة المرتبطة بها ويعرّض النظام بالكامل للاختراق.

وأشار ،إلى أهمية تحديث أنظمة الـ DVR والـ Firmware بشكل دورى، لأن الأنظمة غير المحدثة تصبح أكثر عرضة للثغرات الأمنية، وقد تتيح تثبيت برامج تجسس أو اختراق مباشر للنظام، وفى بعض الحالات قد يستدعى الأمر استبدال الأجهزة إذا أصبحت عرضة ثغرات خطيرة.

وأضاف أن أخطر الثغرات ترتبط غالبًا بالتطبيقات وكلمات المرور الضعيفة، حيث يمكن للمخترق الوصول إلى جهاز التسجيل والتحكم فيه عبر الهاتف أو النظام المرتبط به إذا لم تكن الحماية مفعّلة بشكل صحيح.

وشدد على ضرورة تفعيل التشفير لكلمات المرور، واستخدام جدار حماية قوى (Firewall) فى حال كانت الكاميرات تعمل داخل شركة أو مؤسسة مرتبطة بسيرفر مركزى، مؤكدًا أن مستوى الحماية يجب أن يكون عاليًا، رغم استحالة ضمان الأمان بنسبة 100 %، إلا أنه يمكن الوصول إلى مستوى أمان يتراوح بين 90 % و95 % عند تطبيق المعايير الصحيحة.

وعن الفرق بين الكاميرات التقليدية والذكية، أوضح أن التقليدية تعتمد على التسجيل البصرى فقط، بينما الكاميرات الذكية تعتمد على التحليل البيومترى للوجه وتتبع الأشخاص عبر قاعدة بيانات ومقارنة البيانات الرقمية، وهو ما يمثل تطورًا تقنيًا كبيرًا لكنه يثير مخاطر متعلقة بالخصوصية والأمن المعلوماتي. وأكد أن الكاميرات الذكية توفر مراقبة وتحليلًا أعمق، لكنها قد تحمل مخاطر أكبر ؛إذا لم تُضبط بضوابط قانونية وتقنية صارمة.

وفيما يتعلق بحماية أنظمة الكاميرات من الاختراق، أوضح أن هناك معايير أساسية يجب اتباعها، من بينها استخدام كلمات مرور قوية وتغييرها بصفة دورية، وتفعيل المصادقة الثنائية وربط النظام بالبريد الإلكترونى لتلقى إشعارات عند حدوث أى محاولة اختراق، مع عدم السماح بتوصيل أجهزة هواتف غير موثوقة بالنظام.

كما شدد على ضرورة متابعة حالة الهارد ديسك بشكل مستمر للتأكد من أنه يعمل بكفاءة ويسجل البيانات بشكل صحيح، لأن كثيرًا من المستخدمين لا يكتشفون تعطل التخزين إلا بعد وقوع حادث، إضافة إلى أهمية ضبط الوقت والتاريخ داخل النظام حتى يمكن الرجوع بسهولة إلى التسجيلات فى حال وقوع نزاع أو حادث يتعلق بواقعة محددة.

ويشير خبراء وسائل التكنولوجيا إلى أن هناك عدة طرق بسيطة يمكن من خلالها اكتشاف أى كاميرا مخفية قد تكون موجودة فى غرف أو أماكن مغلقة دون علم الأفراد، من بين هذه الطرق فحص الزوايا باستخدام ضوء قوى مثل مصباح اليد أو إضاءة الهاتف، لأن العدسات الصغيرة للكاميرات غالبًا تعكس الضوء وتظهر نقاطًا لامعة. كما يمكن استخدام كاميرا الهاتف الذكى لرصد الأشعة تحت الحمراء التى تصدرها بعض الكاميرات الليلية، وذلك بتوجيه الهاتف نحو الأماكن المشبوهة فى الظلام، حيث تظهر نقاط مضيئة على شاشة الهاتف عند التقاط هذه الأشعة، وهناك أيضًا أدوات أكثر تقدمًا مثل كاشفات الترددات الراديوية التى تكشف الإشارات اللا سلكية الصادرة من الكاميرات المتصلة بشبكات Wi-Fi، ما يساعد المستخدم فى تحديد وجود أجهزة مراقبة مخفية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تسجيل عدد من الحوادث التى كشفت إمكانية اختراق بعض أنظمة كاميرات المراقبة، خاصة تلك المرتبطة بالإنترنت أو التى تعتمد على كلمات مرور افتراضية غير محدثة، فقد تم الإبلاغ عن حالات اختراق كاميرا ذكية فى عدة دول، بينها حوادث تعرضت لها كاميرات منزلية من نوع «Ring» بعد تمكن المخترقين من الوصول إلى بث مباشر داخل منازل بعدة ولايات نتيجة ضعف كلمات المرور أو إعادة استخدام بيانات دخول مسربة. 

وأشارت تقارير صادرة عن شركات أمن سيبرانى دولية، إلى اكتشاف ثغرات فى بعض أجهزة الـ DVR وكاميرات الـIP القديمة فى أسواق عالمية، ما سمح بالوصول غير المصرح به إلى التسجيلات عبر الإنترنت فى حال عدم تحديث البرمجيات أو تأمين الراوتر، وهو ما يؤكد أن أى نظام مراقبة غير مؤمن بشكل صحيح قد يكون عرضة للاختراق.

ويوضح شهاب العشماوى المحامى المتخصص فى جرائم الإنترنت أنه حتى الآن لا يوجد نص قانونى يجرم اختراق أنظمة الكاميرات بشكل صريح ومباشر بلفظ محدد، إلا أن الفعل قد يندرج - وفقًا لاجتهاد الفقه القانونى - تحت جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، فى حال ترتب عليه انتهاك لخصوصية الأفراد، وهى جريمة تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة قد تصل إلى ستة أشهر بحسب ظروف الواقعة.

وأضاف أن اختراق أنظمة المراقبة أو الدخول غير المصرح به إلى أجهزة الـDVR أو الكاميرات المتصلة بالإنترنت يُعد فى الوقت نفسه من الأفعال التى تخضع لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، حيث يجرم القانون الدخول غير المشروع إلى الأنظمة الإلكترونية أو تعطيلها أو التلاعب ببياناتها، وهى جرائم تصل عقوباتها إلى الحبس والغرامة وفقًا لطبيعة الفعل والضرر الناتج عنه.

وتبقى كاميرات المراقبة أداة مزدوجة التأثير؛ فهى داعم أساسى لكشف الجرائم وتعزيز الأمن، لكنها فى الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر مخاطر إذا غابت الضوابط القانونية والتقنية، ويظل تحقيق التوازن بين الحماية والأمان والخصوصية هو الأساس لضمان استخدامها بشكل مسئول.