مصر ينقصها من يكتشفهم
نجوم ومواهب كروية لا يراهم أحد
محمد عادل حسنى
الدورات الرمضانية فى مصر ليست مجرد مساحة للترفيه بعد الإفطار، ولا مجرد بطولات شعبية تنتهى مع رؤية هلال العيد، لكنها فى جوهرها شهادة سنوية على حقيقة أكبر كثيرا من الملعب الصغير والكشافات المعلقة على الأعمدة، حقيقة تقول إن هذا البلد لا يعانى من فقر فى المواهب الرياضية، بل من فقر فى اكتشافها.
على مدار سنوات طويلة ترسخ خطاب سهل يردد أن هناك ندرة فى المواهب، وأن الجيل الجديد لا يملك ما كان يملكه السابقون، لكن نظرة واحدة إلى أى دورة رمضانية فى حى شعبى كفيلة بإسقاط تلك الفكرة من جذورها، فهناك تجد لاعبا بقدرة استثنائية على المراوغة وآخر يملك رؤية تمريرية نادرة، وثالثا يسدد بدقة وهدوء أعصاب يجعلك تتساءل: كيف لم يصل هؤلاء إلى مسارات احترافية منظمة، والسؤال لا يتعلق بغياب الموهبة، بل بغياب العين التى تبحث عنها فى أماكنها الحقيقية.
فى كل فريق فى الدورات الرمضانية حكاية شاب كان يحلم أن يرتدى قميص الأهلى أو الزمالك أو الإسماعيلى، وكان يرى نفسه يوما ما فى قائمة الناشئين، ثم اصطدم بواقع اجتماعى أو اقتصادى لم يكن فى حسبانه، أسرة لا تملك كلفة التنقل اليومية إلى التدريبات، أو أب يرى فى التعليم أولوية لا تحتمل المغامرة، أو اختبار لم يحالفه فيه الحظ، أو لم يصل إليه أصلا لأن أحدا لم يخبره بموعده، هذه الحكايات لا تعنى أن الحلم كان وهما، بل تعنى أن الطريق إليه كان ضيقا أكثر مما ينبغى.
الدورات الرمضانية تكشف هذا التناقض بوضوح مؤلم، فى شهر واحد تتجمع عشرات المواهب فى مساحة جغرافية محدودة، وتحت أنظار جمهور بسيط لكنه شديد الانتباه ترى لاعبا يغير إيقاع المباراة بلمسة واحدة، وترى حارسا يملك رد فعل يوازى ما نشاهده فى مباريات كبرى، وتسمع من حولك الجملة التى تتكرر كل عام «إزاى ده ملعبش كورة بجد، لو كان خد فرصة كان زمانه نجم»، هذه الجملة ليست مجرد حنين أو مبالغة شعبية، بل اعتراف جماعى بأن هناك طاقات لم تجد قناتها الصحيحة.
المفارقة أن الأندية تنفق أموالا ضخمة بحثا عن صفقات جاهزة، بينما فى نفس الوقت قد يوجد فى دورة رمضانية بحى بسيط لاعب يملك خامة أولية نادرة تحتاج فقط إلى تأهيل منظم، المشكلة ليست فى قلة الموارد البشرية بل فى طريقة البحث عن الموهبة داخل دوائر محدودة، وفى الاعتماد على مسارات تقليدية قد لا تصل إلى كل الطبقات والمناطق، مصر بلد واسع ومتعدد، ومن غير المنطقى أن تظل عمليات الاكتشاف محصورة فى نطاق جغرافى أو اجتماعى محدود.
الدورات الرمضانية خاصة الشعبية، تمثل خريطة حقيقية للمواهب الكامنة، لأن لعب الشارع يمنح اللاعبين جرأة وابتكارًا وقدرة على الحلول الفردية تحت الضغط، وهى عناصر لا تصنع بسهولة داخل أطر تدريبية صارمة، هؤلاء الشباب طوروا مهاراتهم فى مساحات ضيقة وعلى أرضيات غير مثالية، وتحت ظروف قاسية، ومع ذلك يخرجون كل عام ليقدموا مستويات تثير الدهشة، هذا فى حد ذاته مؤشر على أن القاعدة عريضة، وأن الاستثمار فيها يمكن أن يغير صورة المشهد الرياضى بأكمله.
الحديث عن اكتشاف المواهب يجب أن يتجاوز الشعارات إلى آليات واضحة، لماذا لا تتحول الدورات الرمضانية إلى موسم رسمى للرصد، ولماذا لا تضع الأندية برامج متابعة ممنهجة تمتد طوال الشهر فى المحافظات المختلفة، ولماذا لا يكون هناك تنسيق حقيقى بين مراكز الشباب واتحاد الكرة لخلق قاعدة بيانات للاعبين الذين يلفتون الأنظار بحيث يمكن للكشافة أن يحضروا تلك البطولات بتكليف واضح، وأن يمنحوا اللاعبين المميزين فرص اختبارات حقيقية، لا مجاملات فيها، ولا وعود مؤجلة؟
الأمر لا يتعلق فقط بإنتاج نجوم جدد، بل بإعادة الثقة إلى الشارع الرياضى، حين يشعر الشاب أن هناك مسارًا عادلًا يمكن أن يصل به من ملعب الحى إلى ملعب النادى، سيضاعف التزامهن وسيتحول الحلم من خيال موسمى إلى مشروع قابل للتحقق، وحينها لن تبقى الدورات الرمضانية مجرد تعويض عاطفى عن فرصة ضائعة، بل ستصبح محطة أولى فى طريق مهنى واضح.
مصر ليست فقيرة فى الموهبة، بل غنية بها إلى حد الدهشة، لكن هذه الثروة موزعة فى الأزقة والقرى والمناطق التى لا تصل إليها الكاميرات الرسمية بسهولة، والدورات الرمضانية تكشف لنا هذه الحقيقة كل عام، ثم نغض الطرف عنها مع نهاية الشهر، كأنها لحظة عابرة بينما يمكن أن تكون نقطة انطلاق استراتيجية لاكتشاف جيل جديد من اللاعبين الذين نشأوا فى بيئة تنافسية حقيقية، حتى لو كانت بسيطة فى شكلها.
ربما حان الوقت لأن ننظر إلى البطولات الشعبية باعتبارها كنزا لا فعالية موسمية، وأن نتوقف عن ترديد مقولة ندرة المواهب، ونبدأ فى طرح السؤال الأهم: كيف نصل إليها وكيف نبنى جسورا حقيقية بين الشارع والمنظومة الرياضية، لأن الإجابة الواضحة التى تقدمها ليالى رمضان كل عام تقول إن الموهبة موجودة بكثرة لكنها تنتظر فقط من يفتح لها الباب.







