توجيهات الرئاسة بإجراء الانتخابات تنهى الجمود المؤقت
المحليات.. الاختبار الأصعب لقوة الأحزاب
أسامة رمضان
رفعت الأحزاب السياسية حالة الطوارئ القصوى، فور التوجيهات الرئاسية الصارمة من داخل مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية «الأوكتاجون» بضرورة الإسراع فى إجراء انتخابات المجالس المحلية وتنشيط الحياة الحزبية، حيث بدأت القوى السياسية فى تجهيز خطط خوض الانتخابات وتجهيز الكوادر الميدانية القادرة على صدارة المشهد الخدمى، وترجمة الطموحات الوطنية إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
التوجيهات الرئاسية، لم تكن مجرد استجابة لاستحقاق دستورى طال انتظاره، بل حملت دلالة سياسية وإدارية تعكس جغرافيا الإدارة الحديثة؛ حيث تسعى الدولة لتحويل المجالس المحلية المرتقبة إلى أذرع تنموية ورقابية تمتلك ذات الكفاءة والديناميكية الذكية التى بنيت بها مشروعات الجمهورية الجديدة.
ويطرح الدكتور باسل عادل، رئيس حزب الوعى وعضو مجلس الشيوخ، رؤية كاشفة للمشهد تؤكد أن خطوة الحزب بإطلاق «منتدى المحليات» وتدشين البرامج التدريبية المكثفة بالقاهرة الكبرى، ليست مجرد نشاط حزبى موجز، بل هى معركة وجودية لإنهاء زمن الهواية السياسية وتكرار أخطاء الماضى الإدارى والسياسى التى كبدت الدولة المصرية أثمانًا باهظة فى ترهل المرافق وضياع جودة الحياة.
وشدد على أن الحزب يتحرك على ذات الأرضية والسياق الاستراتيجى الذى رسمه الرئيس عبد الفتاح السيسى، خاصة أن فلسفة الإدارة الوطنية الحديثة لن تكتمل إلا بضخ دماء جديدة بالكامل تتسق مع حجم الإنجاز البنيوى والتكنولوجى الحالى، فكفانا تكرارًا لأخطاء الماضى التى ارتكزت على القبلية والتربيطات العائلية والوجاهة الاجتماعية فى إدارة ملف المحليات، وهو ما تسبب تاريخيًا فى تغلغل الفساد الإدارى وقوى الرجعية والظلام داخل القرى والنجوع، مستغلين غياب الكادر المؤهل والمنظم الملتزم برؤية الدولة الوطنية.
وأوضح، أن المعركة الحقيقية اليوم هى معركة تملك الوطن للأجيال الجديدة، وتحديدًا جيل Z الذى يعيش حالة من التغريب والانسحاب والانكفاء على واقع افتراضى وهمى عبر منصات التواصل، أو يقع فريسة للإحباط وأوهام الهجرة غير الشرعية نتيجة لأوضاع قد تكون هى أقصى قدرة للدولة بسبب موروثات قديمة وموارد مأزومة.
وتابع:« لأننا أمام ممر دستورى تاريخى تتيحه المادة 180 التى تمنح الشباب دون سن الـ 35 كوتة بنسبة 25 %، وهو ما يعنى فتح الباب أمام ما يقرب من 15 ألف شاب وفتاة من إجمالى 60 ألف مقعد محلى مستهدف، فإن هذه الكتلة البشرية الفتية تحمل فى داخلها نقاء القلب الذى لم تلوثه بذور الفساد، وتملك الرغبة فى كسر القوالب البيروقراطية والابتكار باستخدام تكنولوجيا المستقبل وعلوم الذكاء الاصطناعي».
ودعا إلى إقامة معسكرات تدريبية صيفية بكل الجامعات المصرية لتقديم مشاريع تخرج لتطوير المحليات، وتحويل مركز تدريب سقارة إلى أكاديمية تمنح شهادات إلزامية كـ «رخصة قيادة سياسية» لكل من يتصدى للعمل العام؛ لأن الشاب الذى يشارك بيده فى حوكمة موارد حيه وتنظيم شارعه، والرقابة على إنفاقه، وتخفيف العبء عن مواطنيه، لن يلعن حاضره أبدًا، بل سيصنع مستقبل بلاده بمسئولية وإخلاص».
وتتكامل هذه الرؤية السياسية مع الطرح التنفيذى الذى يقدمه اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق وخبير الإدارة المحلية، حيث يرى أن توجيهات الرئيس السيسى بالإسراع فى الملف تمثل ضرورة حتمية لحماية أصول الدولة، خاصة أن المحليات واقعيا تعتبر حائط الصد الأول أمام المحافظ، ونبض الشارع الحقيقى، والجهاز الرقابى الفعال الذى يساعد فى اتخاذ القرارات الصحيحة.
واعتبر أن الطفرة التنموية والعمرانية غير المسبوقة التى أنجزتها الدولة فى مشروعات البنية الأساسية والمحاور العملاقة والعواصم الذكية، ستظل منقوصة ومعرضة للهدر ما لم توازِها مجالس محلية منتخبة ومؤهلة تمتلك ذات الديناميكية والسرعة والوعى لإدارة هذه المشروعات وصيانتها وحوكمتها على أرض الواقع، بعيدًا عن عقم المركزية الإدارية التى عطلت التنمية لعقود طويلة.
وأشار د. فرحات، إلى أن المجالس المحلية فى عمق السياسة والعمل التنفيذى ليست مجرد صناديق اقتراع أو إجراء روتينى، بل هى المصنع والمدرسة الحقيقية التى يتعلم فيها الكادر السياسى مبادئ القيادة والالتحام بالشارع؛ فمن رحم هذه المجالس يولد المسئول الذى يحتك يوميًا بأرصفة الشوارع، ورخص المحال، وأزمات المرافق، ويتعلم ميدانيًا كيف يصيغ حلولًا واقعية من الإمكانات المتاحة، ليصعد بعدها إلى قيادة المحافظات والوزارات وهو مسلح بفهم دقيق لمشاكل المواطن الحقيقية.
وشدد فرحات، على أن نجاح هذا الاستحقاق مرهون بالانتهاء السريع من المنظومة التشريعية والقوانين المنظمة للعمل المحلى، بصورة تضمن توازنًا دقيقًا وبنيويًا بين منح اللامركزية والمزيد من الصلاحيات للمحافظات لإدارة مواردها واقتصادها، وبين آليات الرقابة والمساءلة لمنع أى انحراف أو فساد؛ داعيًا الأحزاب السياسية إلى الترفع تمامًا عن الحسابات والمصالح الحزبية الضيقة، وتحمل مسئوليتها الوطنية بالدفع بكوادر تكنوقراطية وشبابية تمتلك رؤى تنموية واضحة.
وفى ذات السياق، قدم الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصرى وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، قراءة تؤصل لدور المجتمع المدنى كشريك موازٍ، مؤكدًا أن فتح المجال العام أمام مشاركة أوسع وأكثر وعيًا يمثل الركيزة الأساسية فى استكمال مؤسسات الدولة الدستورية.
ونفى ممدوح، بشكل قاطع أن يكون المجتمع المدنى الجاد يطرح نفسه كبديل للمؤسسات الرسمية أو التنظيمات الحزبية، بل يرى دوره كجسر معرفى وشريك وطنى مسئول قادر على تحويل الوعى إلى طاقة إنتاجية وتنموية ملموسة فى الشارع المصرى، معتبرًا أن الاهتمام بالعمل المحلى هو معركة بناء الوعى الإنسانى والسياسى فى هذه المرحلة الحيوية من تاريخ مصر.
ولفت ممدوح إلى أن انضمام قامات تنفيذية وتشريعية لهم يمثل نقطة تحول حقيقية نحو بناء برامج تدريبية تخصصية تنقل الخبرة العملية المباشرة وتصوغ فلسفة الإدارة والحوكمة والنزاهة فى عقول الطاقات الشبابية، مستشهدًا بذراع القوة الحقيقية والموثقة التى يمتلكها المجلس والمتمثلة فى «نموذج محاكاة محليات مصر» الذى انطلق منذ ثمانى سنوات، ونجح على مداره فى بناء قدرات وتأهيل ما يزيد على 12 ألف قيادة شبابية مجتمعية فى مختلف المحافظات المصرية.
وأردف:« المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق مسارات نوعية متخصصة ومكثفة بالتعاون مع الأحزاب الوطنية ، لربط هذه الكفاءات الجاهزة بالمقاعد الانتخابية والرقابية المستهدفة؛ فالهدف الأسمى هو تفعيل اللامركزية الرشيدة وخلق جيل قادر على المساءلة المجتمعية الواعية، ومساندة الدولة من موقع الشريك المسئول، لأن بناء الوطن يبدأ أولًا وأخيرًا من قوة ووعى القواعد الشعبية فى الأقاليم».







