الأحد 12 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

​محمود حسين.. مهندس الخراب

فى أروقة التنظيمات السرية التى تتغذى على استنزاف طاقات الأوطان وتتكاثر فى الظلام كطفيليات تفترس عقول الصغار والجهلاء، تبرز وجوه ليست إلا انعكاسا مشوها للواقع. ومن بين هذه الوجوه يطل القيادى الإخوانى البارز، المهندس محمود حسين الذى أصبح أستاذا فى هندسة أسيوط فى زمن مواءمات نظام مبارك، والذى كان الأمين العام لتنظيم الإخوان الإرهابى، والذى يُعتبر رجل الإخوان الأول فى تركيا حاليا. لم يظهر هذا الرجل كقائد فكرى عميق، أو صاحب رؤية ملهمة، بل كمهندس بارع لخراب ممنهج يُدار ببرود ودقة.  



 

وُلد هذا المهندس ونشأ فى مدينة يافا الفلسطينية، حيث تنتمى أسرته إلى عرب إسرائيل. ثم أكمل دراسته الثانوية فى مدرسة «بئر السبع»، إلى أن انتقل إلى مصر ليلحق بالتعليم الجامعي. لم تكن هذه النشأة مجرد تفصيل بيوغرافى عابر، بل كانت الجذر الأساسى الذى تشكّل منه ولاؤه وتوجهاته. فهو لم يتشرب فى سنوات تكوينه المبكرة قيم الانتماء الحقيقى للوطن المصرى، ولم يعش ذلك الرباط العضوى العميق الذى يشعر به من نشأ وترعرع فى أحضان هذه الأرض وبين أبنائها. إذ بدلا من ذلك، نشأ فى بيئة معقدة فرضت عليه «ولاءات موازية» متعددة، سلطة إسرائيل التى يتعايش تحت أمرها، وأرض فلسطين المحتلة التى يعيش فوق أرضها، ثم تنظيم الإخوان الإرهابى كولاء ثالث. فأصبح التنظيم فى وعيه هو «الدار» الوحيدة التى يجب أن يُخلص لها، وتحولت مصر إلى مجرد «ميدان استثمار» أو «ساحة خصم» يجب اختراقها والسيطرة عليها، لا وطنا يُعاش فيه ويُضحى من أجله.

إن هذه النشأة فى بيئة صراع تاريخى حاد بعيدا عن مصر غرست فى أعماقه عقلية «البقاء للأقوى» و«ازدواجية الخطاب». وقد وجد فى تنظيم الإخوان — بطبيعته التنظيمية التى تسمح بالولاءات المزدوجة — التربة الخصبة للنمو والصعود. فاستبدل الهوية الوطنية بـ«عقيدة تنظيمية» صارمة، وجعل من الجماعة الوطن الحقيقى الوحيد، واعتبر كل ما عداها «جاهلية» أو «خصما مستباحا».

منحته هذه العقلية غطاء تنظيميا قويا سمح له بالصعود السريع واللافت إلى أعلى مواقع القيادة، كما منحه فيما بعد مظلة أخلاقية زائفة للتحالف مع أى جهة دولية تخدم بقاءه الشخصى قبل بقاء التنظيم نفسه. فقد أصبح فى قرارة نفسه أنه هو التنظيم، والتنظيم هو هو، فلم يعد يفرق بين مصلحته الشخصية ومصلحة الجماعة.

تحول محمود حسين عبر هذا المسار إلى نموذج صارخ لمن يتخذ الدين قناعا، والجماعة شركة خاصة لإدارة المصالح والمكاسب الشخصية. طبق أسلوبا إداريا استبداديا يعتمد على مركزية شديدة حصرت القرارات المالية والإدارية فى دائرة ضيقة جدا، لضمان الولاء التام والمطلق. واستخدم «الخوف من الفتن» كأداة فعالة لإشغال القواعد عن التفكير النقدى أو المراجعة، وأبقاهم فى حالة استنفار دائم ضد «عدو خارجي» لتبرير استمراره على رأس الهرم.

والمتأمل فى مسيرته يجد أن «عقلية الحصار» هى السائدة على كل تصرفاته؛ فهو لا يرى مصلحة الدولة المصرية إلا من خلال مصلحة التنظيم. وأى تقدم أو نجاح تحققه مصر يُفسر فى حساباته على أنه تهديد مباشر لبقاء جماعته، مما يولّد رد فعل عدائيا مستمرا يتجلى فى زراعة الفتن الداخلية، ونشر الشائعات، وترويج الأكاذيب الممنهجة، وإجهاض أى لحظة فرح أو أمل للشعب المصري.

إن المتاجرة بآلام القواعد ومعاناتهم لتأمين مستقبل أبنائه ليست إلا تبريرا نفعيا فجا يقنع به نفسه بأنه “حامى الامتداد الفكري” للجماعة، بينما هو فى الحقيقة يمارس انتهازية سياسية صريحة ومكشوفة. يعرض خدمات الجماعة لأجهزة دول معادية فى مزادات علنية، ضاربا عرض الحائط بمصلحة الأتباع الذين تركهم يواجهون تبعات أفكاره العدمية فى السجون أو الشتات، بينما أمّن هو مستقبل أبنائه بعيدا عن أتون الصراعات التى أشعلها بنفسه.

وقصته مع المال العام للجماعة ليست مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل سردية موثقة تفضحها الصراعات الداخلية، كما ظهر جليا فى المواجهة الصريحة مع القيادى أمير بسام. حيث اتهمه الأخير فى تسجيل صوتى متداول بأن الأموال التى كان يُفترض أن تكون طوق نجاة لآلاف القواعد الذين وجدوا أنفسهم فجأة فى شوارع الغربة بلا عمل أو دخل، قد تبخرت لتتحول إلى أصول عقارية ضخمة ومشاريع استثمارية خاصة لمحمود حسين وأبنائه. فى الوقت الذى كانت فيه قلوب بعض الشباب تتمزق ويصل بهم اليأس إلى حد الانتحار- فى حادثة هزت الشتات قبل أعوام- حينها كان المهندس حسين يضع اللمسات الأخيرة على إمبراطوريته العقارية على ضفاف البوسفور، محاطا بسيارات فاخرة وعقارات باهظة، فى مشهد سريالى يجسد التناقض الصارخ بين فقر القواعد البائس ورفاهية القيادة المتخمة.

هذا النمط من القيادات يقتات على جراح الأمة، ويستمد قوته من زعزعة استقرارها المستمر. لا يملك الوازع الوطنى الذى يمنعه من استباحة الدولة، ولا الوازع الأخلاقى الذى يمنعه من خيانة الأتباع الذين آمنوا به. ومع استمرار هذه السياسات التى لا ترى فى مصر إلا غنيمة تُنهب أو ساحة فتن تُشعل، يتكشف بوضوح أن محمود حسين ليس إلا شاهدا حيا على الفشل التاريخى للنموذج الذى يمثله.

رجل وُلد بعيدا عن تراب هذه الأرض فى يافا، لم يشعر يوما بدفء الانتماء إليها، فكان من السهل عليه أن يرتد عليها بهذا الحقد المتراكم. حيث أصر على البقاء فى خنادق الفتنة والتآمر، فانكسرت أحلامه فى النهاية، وبقيت مصر شامخة عصية على الانكسار.