ترامب يغلق أبواب الدبلوماسية
انهيار الهدنة يعيد الشرق الأوسط إلى نقطة البداية
آلاء البدرى
انهار وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران ليعيد الشرق الأوسط الى نقطة البداية؛ حيث تحولت التفاهمات الهشة إلى مجرد ورقة أمام التصعيد العسكرى المتبادل.. فى الخليج انعكس الانهيار مباشرة على الأمن البحرى والملاحة الدولية فيما وجدت دول المنطقة نفسها فى قلب الصراع بين تهديدات إيرانية وضغوط أمريكية ليصبح الخليج مسرحًا رئيسيًا للتوتر يهدد استقرار الشرق الأوسط ويضع العالم أمام اختبار جديد فى إدارة الأزمات الدولية
انهيار الهدنة
أغلق الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أبواب الدبلوماسية مع طهران عقب سلسلة الضربات العسكرية الأخيرة، وذلك قبل ساعات من مراسم دفن المرشد الأعلى السابق آية الله على خامنئى، وأسفرت الهجمات الأمريكية داخل إيران عن مقتل سبعة عشر شخصًا، فيما ردت طهران بقصف قواعد أمريكية فى المنطقة؛ خصوصًا فى الأردن ما أدى إلى اهتزاز وقف إطلاق النار الهش أصلًا، وبعد ساعات قليلة أعلن ترامب رسميًا انهيار الهدنة.. وتعد هذه الجولة من الضربات المتبادلة الأكبر منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران فى 17 يونيو، والتى كان الهدف منها تمديد وقف إطلاق النار وفتح نافذة للمفاوضات نحو هدنة دائمة غير أن التصعيد الأخير أطاح بالمسار الدبلوماسى وأعاد الأزمة إلى مربع المواجهة المباشرة.. وأشار مسئولون إيرانيون إلى أن الضربات استهدفت محيط محطة الطاقة النووية المدنية الوحيدة فى إيران فى محافظة بوشهر، وهى منطقة حذرت فيها الهيئة النووية التابعة للأمم المتحدة سابقًا من أن الهجمات قد تشكل خطرًا حقيقيًا للغاية على السلامة النووية، كما تم استهداف عدة مناطق فى محافظة بوشهر بما فى ذلك محيط محطة الطاقة النووية وقاعدة عسكرية فى بلدة تشوغاداك ورصيف صيد فى جنوب المحافظة وأماكن مدنية.
توتر فى الخليج
اتسع نطاق التوتر فى الخليج مُجددًا بعد انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران؛ فقد أعلنت البحرين أن دفاعاتها الجوية اعترضت عدة هجمات جوية إيرانية، مؤكدة فى بيان رسمى أن الصواريخ والطائرات المُسَيرة استهدفت مناطق مدنية داخل المملكة، ووصفتها بأنها هجمات إجرامية، وفى الوقت نفسه أفادت التقارير الدولية أن إنذارات الصواريخ انطلقت أيضًا فى قطر ما يعكس اتساع دائرة الخطر لتشمل دولًا أخرى فى الخليج رغم إعلان الحرس الثورى الإيرانى أنه استهدف مواقع عسكرية أمريكية فى البحرين والكويت، فى خطوة اعتبرت تصعيدًا مباشرًا ضد الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة.. وتشير التقارير إلى أن الضربات شملت قواعد جوية ومراكز دعم لوجستى وأيضًا مناطق تجمع للمدنيين، وهو ما دفع الدفاعات الخليجية إلى حالة استنفار قصوى أدانت الهجمات بشدة واعتبرتها استهدافًا للمدنيين، مؤكدة أنها ستواصل العمل مع الحلفاء لردع أى تهديدات إيرانية.. والكويت التزمت الصمت الرسمى لكن مصادر أمنية تحدثت عن تعزيز الدفاعات الجوية حول القواعد الأمريكية، بينما قطر الوسيط الرئيسى الثانى بين الولايات المتحدة وإيران اكتفت بالإشارة إلى تشغيل أنظمة الإنذار دون إعلان رسمى عن سقوط صواريخ داخل أراضيها، ما يعكس حالة التوتر فى الخليج والمشهد الإقليمى الذى بات أكثر هشاشة وزج بدول الخليج فى قلب المواجهة بين واشنطن وطهران.. من ناحية أخرى هدد ارتفاع وتيرة الهجمات أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، فيرى الخبراء أن استمرار هذا التصعيد قد يقود إلى حرب مفتوحة فى الخليج أو على الأقل إلى مرحلة طويلة من الحرب الرمادية التى تعتمد على الضربات المحدودة والردود المتبادلة
استعراض ترامب
انتقد المحللون الدوليون أداء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب واعتبروه استعراضًا سيئًا، مؤكدين أن الأمر لم يكن مفاجئًا؛ بل متوقعًا بعد خطابه أمام قمة الناتو فى أنقرة هذا الأسبوع، فقد أعلن ترامب أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران قد انتهت، ووصف قادة إيران بأنهم أشرار ومرضى، ملوحًا بتجديد العمل العسكرى وفرض حصار جديد على الموانئ الإيرانية مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مزيد من المفاوضات.. وفى المقابل انتقدت شخصيات بارزة سابقة من حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» المرتبطة بترامب؛ الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران، معتبرة أنها تقوض تعهده بإنهاء الصراعات الخارجية المطولة.. فقد تساءلت عضوة الكونجرس الجمهورية السابقة مارجورى تايلور جرين عن سبب استئناف القصف الأمريكى لإيران رغم ادعاء الإدارة بأن جيشها قد ضعف بشدة، وكتبت على موقع X لقد عدنا إلى قصف إيران خلال فترة وقف إطلاق النار فى حرب ليست حربًا لأن إيران قصفت سفينة فى مضيق هرمز الذى لا تسيطر عليه حتى الآن.. وأضافت بسخرية «أنا سعيدة للغاية بترشح ترامب لإنهاء الحروب الخارجية وإلا لبدأت أعتقد أن هذه الحرب التى لم تكن حربًا والتى انتصرنا فيها حوالى أربعين مرة تتحول إلى حرب خارجية أخرى لا نهاية لها».. كما صرح المدير السابق للمركز الوطنى لمكافحة الإرهاب جو كينت؛ بأن الهجمات الأخيرة أنهت فعليًا مذكرة التفاهم مع إيران، وكتب على موقع X مشيرًا إلى مضيق هرمز «لقد عدنا إلى محاولة إيجاد حل عسكرى للمضيق»، مضيفًا «المشكلة أننا وقّعنا مذكرة التفاهم لأنه لم يكن هناك حل عسكرى وكنا بحاجة إلى فتح مستشفى العمليات الخاصة خيارنا الأفضل هو الانسحاب».. أما نائب الأمين العام المساعد السابق لحلف الناتو لشئون التحديات الأمنية الناشئة جيمى شيا فقد انتقد بشكل غير مباشر تصريحات ترامب خلال قمة الناتو فى تركيا قائلًا «يبدو أننا ننجرف عائدين نحو الحرب بكل ما يصاحب ذلك من عدم القدرة على التنبؤ وإغلاق مضيق هرمز وأسعار النفط التى كانت تتراجع والتى من المحتمل أن تعود للارتفاع مرة أخرى».
اتفاق سيئ
يرى الخبراء الدوليون أن انهيار الهدنة لم يكن وليد هذا الأسبوع؛ بل بدأ بالتآكل منذ لحظة توقيعها؛ إذ اصطدمت منذ البداية بالمشكلة الجوهرية التى أعاقت الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية لعقود غياب أساس موثوق للثقة، فطهران لم تجد ما يدعوها للاعتقاد بأن واشنطن ستقدم تخفيفًا دائمًا للعقوبات أو أنها ستتخلى عن استراتيجيتها طويلة الأمد القائمة على الإكراه وتغيير النظام أو أنها لن تعود إلى تلك السياسات نفسها بمجرد أن تتخلى إيران عن مصادر نفوذها الرئيسية، هذا الخلل البنيوى جعل الاتفاق هشًا للغاية؛ إذ تحول الصراع على مضيق هرمز إلى القضية المحورية فى المذكرة بعدما كان يفترض أن يكون نزاعًا ثانويًا، فالمضيق يمثل شريانًا للطاقة العالمية وأى تهديد فيه ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية، وهو ما جعل إيران تصر على فرض رسوم بالتهديد والضغط، بينما رأت واشنطن أن ذلك ابتزاز ينسف أى أساس للتسوية.. ويؤكد الخبراء أن المذكرة لم تُبْنَ على ضمانات واضحة أو آليات مراقبة فعالة بل على وعود سياسية قابلة للتراجع، وأيضًا كان واضحًا تضارب الأهداف، فواشنطن أرادت هدنة مؤقتة لتخفيف الضغط العسكرى بينما طهران أرادت اعترافًا ضمنيًا بحقها فى النفوذ الإقليمى، والأهم أن المذكرة كانت تنص على الاقتصاد مقابل الأمن.. إيران طالبت بتخفيف العقوبات الاقتصادية فيما ركزت الولايات المتحدة على ضبط السلوك العسكرى الإيرانى ما جعل الاتفاق غير متوازن وجعل المضيق كقنبلة موقوتة؛ خصوصًا أن إدراجها فى صلب المذكرة جعلها رهينة لأى حادث بحرى أو مناوشة عسكرية، وهو ما حدث بالفعل، فالاتفاق كان محكومًا بالفشل لأنه لم يعالج جذور الأزمة العداء البنيوى بين واشنطن وطهران، وراهن على ملفات حساسة ما جعل المذكرة أقرب إلى هدنة إعلامية منها إلى اتفاق سياسى قابل للاستمرار.







