الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حلف بلا أنياب

الناتو تحول من درع رادع إلى عبء على القارة العجوز

جاء تأسيس حلف «الناتو» ليكون المظلة العسكرية الأقوى فى التاريخ الحديث، والدرع الحصين لأوروبا وأمريكا فى مواجهة التمدد الروسى، لكن خلال السنوات الأخيرة بات الحلف يمر بمرحلة «شيخوخة استراتيجية»، حيث فرضت الانقسامات الداخلية العميقة، والتراجع التدريجى للدعم الأمريكى، والاضطراب فى إدارة الجبهات المتعددة بدءًا من الصراع مع روسيا وصولًا إلى التوترات الناشئة فى ملفات دولية أخرى كإيران والصين، على التحالف سيناريو الانهيار، إذ كشفت قمة حلف شمال الأطلسى فى أنقرة أن «الناتو» يمر بلحظات فارقة فى تاريخه، تجعل مستقبله مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين زيادة الإنفاق العسكرى الأوروبى وبين الحفاظ على وحدته فى مواجهة التحديات العالمية المتسارعة.



 بنك دفاعى عالمي

كشفت كندا قبل القمة أن أوتاوا تسعى إلى إطلاق إعلان مشترك يضم نحو عشر دول مؤسسة لمشروع جديد يحمل اسم بنك الدفاع والأمن والمرونة (DSRB).  هذا البنك الذى يروج له رئيس الوزراء الكندى مارك كارنى، يأتى كجزء من مبادرته لتشكيل تحالف من القوى المتوسطة، بغرض مواجهة ما يصفه بـتصدع النظام العالمى التقليدى الذى تقوده الولايات المتحدة عبر توفير آلية مالية جماعية، تعزز القدرات الدفاعية للدول الحليفة.

الفكرة تقوم على جمع 100 مليار جنيه إسترلينى نحو 133 مليار دولار من التمويل الميسر، لتوجيهه نحو مشاريع دفاعية مشتركة، ورغم أن القائمة الأولية للدول المشاركة يرجح أن تكون أوروبية بالكامل إلى جانب كندا، فإن الحكومة الكندية امتنعت عن ذكر أسماء محددة، مؤكدة أن الإعلان النهائى ما زال رهنًا بالمفاوضات الجارية مع الحلفاء، خصوصًا فيما يتعلق بالتزاماتهم المالية.

ومع ذلك شددت أوتاوا على أن المشروع يحظى بزخم متزايد، إذ أجرى مجلس مراجعة القرارات الاستراتيجية محادثات مثمرة مع كوريا الجنوبية التى تدرس الانضمام بنسبة احتمال تصل إلى 50 %، أما بقية دول مجموعة السبع فلا تزال بعيدة عن التوقيع فى هذه المرحلة، فيما أعلن أن لوكسمبورج ستستضيف المقر الأوروبى للبنك وأن عددًا كبيرًا من الدول يعتزم الانضمام لاحقًا، ما يعكس محاولة كندا لعب دور محورى فى إعادة صياغة التحالفات الدفاعية والاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد الكلى على المظلة الأمريكية.

ويسعى بنك دعم الدفاع الكندى إلى سد فجوة التمويل عبر توفير قروض طويلة الأجل ومنخفضة التكلفة موجهة بشكل خاص إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة فى سلاسل الإمداد الدفاعية، والتى غالبًا ما تواجه صعوبات فى الحصول على التمويل التقليدي.

 تباين أوروبى

وأبدت بريطانيا موقفًا متحفظًا تجاه الانضمام إلى مشروع بنك الدفاع والأمن والمرونة، مفضلة التركيز على مبادرتها الخاصة المعروفة باسم مشروع تمويل الدفاع MDM، الذى تعمل فيه بالتعاون مع هولندا وفنلندا.

ورغم هذا التحفظ ناقشت لندن إمكانية مواءمة مشروعها أو دمجه مع البنك الكندى الجديد، لكنها تنتظر فتح ملف النقاش بشكل رسمى مع رئيس الوزراء البريطانى الجديد، أما ألمانيا فقد اتخذت فى البداية موقفًا متحفظًا ونأت بنفسها عن المشروع، غير أن متحدثًا باسم وزارة المالية أكد لاحقًا أنها انضمت إلى محادثات مجلس مراجعة القرارات الاستراتيجية بصفة مراقب، ما عكس رغبة برلين فى متابعة التطورات دون التزامات مباشرة.

كما أفادت مصادر متعددة، أن دولًا مثل إيطاليا وإسبانيا وتركيا وبلجيكا وأوكرانيا، قامت بتحليل المقترحات الكندية، فى حين أعلنت هولندا بشكل واضح أنها لن تشارك.

هذا التباين فى المواقف يظهر حالة من الحذر الأوروبى، حيث تتراوح ردود الفعل بين الانخراط الحذر والتحليل المتأنى والرفض الصريح وبين الاهتمام غير المعلن، الذى قد يتطور إلى مشاركة فعلية فى المستقبل خوفا من التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة فى كل العالم.

أزمات الناتو 

كشفت القمة، عن أزمات متعددة ومعقدة يواجهها حلف شمال الأطلسى، وأبرزها استمرار الحرب فى أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا والتى تمثل التهديد الأكثر إلحاحًا للحلف، إذ أن المخاوف تتزايد من احتمال توسع العمليات الروسية نحو دول البلطيق أو بولندا، رغم تعزيز الوجود العسكرى على الجبهة الشرقية، إذ يبقى السؤال حول قدرة الناتو على الردع الفعال فى مواجهة مباشرة مع موسكو، ما يفرض على الناتو إعادة تسليح واسع النطاق وزيادة الإنفاق الدفاعى بنسبة وصلت إلى 14 % وهى أكبر زيادة منذ عام 1953.

وكشفت الانقسامات حول الشرق الأوسط التى تظهر فى المواقف المتباينة بين الدول الأعضاء تجاه الأزمة الإيرانية والسياسات الإسرائيلية والاتفاق الهش بين واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز، خلافات عميقة داخل الحلف، إضافة إلى تهديدات الحرب الهجينة، حيث يواجه «الناتو» هجمات سيبرانية وحملات تضليل إعلامى وتخريب للبنية التحتية الحيوية، وتُتهم روسيا بالوقوف وراء معظم هذه العمليات رغم إنشاء مراكز متخصصة.

كما تبقى الاستجابة غير متناسقة بين الدول الأعضاء، ما يخلق ثغرات أمنية خطيرة بجانب القلق من تقليص الدور الأمريكى داخل أوروبا، فمع تقليص الالتزامات الأمريكية، أعلنت أوروبا استعدادها لملء الفراغ الدفاعى لكنها ليست جاهزة بالكامل.

 وردا على هذه الأزمات، برزت مجموعة من الحلول مثل مبادرة الاستثمار الدفاعى والأمنى DSRB التى اقترحها فى عام 2024 عدد من كبار المستشارين الأمنيين السابقين فى الحلف، إلى جانب ضباط عسكريين متقاعدين ومصرفيين دوليين.

 هذه المبادرة جاءت كرد مباشر على الضغوط المتزايدة التى يواجهها الحلف، نتيجة الحرب المستمرة فى أوكرانيا وتصاعد التوترات مع روسيا، إضافة إلى المخاوف المتنامية من التوسع العسكرى الصينى فى آسيا والمحيط الهادئ.

 ابتزاز ترامب

يمكن القول إن الضغوط الأمريكية على حلف الناتو فى السنوات الأخيرة، اتخذت طابعًا أقرب إلى الابتزاز السياسى المباشر، حيث استخدم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لغة حادة فى وصف مساهمة بلاده داخل الحلف، معتبرًا إياها سخيفة ومهددًا بشكل متكرر بالانسحاب أو تقليص الدور الأمريكى إذا لم يستجب الحلفاء لمطالبه.

 ترامب لم يكتف بالتصريحات بل ربطها بخطوات عملية أبرزها انسحاب واشنطن من ألمانيا بسحب 5000 جندى فى مايو الماضى، فى إشارة واضحة إلى أن التهديدات ليست مجرد ضغط لفظى بل سياسة فعلية.

 الرفض الشعبي

شهدت تركيا فى الأيام التى سبقت قمة حلف شمال الأطلسى الناتو، موجة واسعة من الاحتجاجات التى نظمتها جماعات يسارية كان أبرزها الحزب الشيوعى التركى، حيث خرج الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع فى العاصمة والمدن الكبرى للتعبير عن رفضهم لانعقاد القمة على أراضيهم.

وقد رفعت الشعارات المناهضة للناتو والإمبريالية الغربية مثل «الناتو قاتل» و«ارحل عن البلاد»، فيما ربط المحتجون بين سياسات الحلف والجرائم المستمرة فى غزة ولبنان وصراعات الشرق الأوسط، مؤكدين تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.