احتفالات المنتخب تكشف أزمة الأغنية المصرية
عندما غنى «محمد صلاح» عم المجال كله!
محمد شميس
بَعد كل إنجاز عظيم يحققه منتخبنا الوطنى فى كأس العالم 2026، يسعى الجمهور إلى مشاهدة احتفالات أعضاء الفريق التى تبدأ عادة من داخل غرف خلع الملابس فور انتهاء المباراة، ثم تمتد أثناء انتقال بعثة المنتخب كاملة إلى الحافلات المخصّصة لنقلهم إلى مقر الإقامة؛ حيث يرقص اللاعبون مع الجماهير المحتشدة، ويشاركهم الرقص فى أحيان كثيرة المدير الفنى للمنتخب «حسام حسن» مع أفراد جهازه الفنى.
لكن الرابط المشترك بين كل هذه الاحتفالات ليس الرقص؛ وإنما الأغانى، وبالتحديد الأغانى الشعبية التى يُطلق عليها إعلاميًا «المهرجانات»، فهى المسيطرة على المشهد بالكامل، ربما تظهر أغنية أو اثنتان من التيار الغنائى «المرضِىّ عنه إعلاميًا» على استحياء، لكن الاكتساح الحقيقى يكون دائمًا للمهرجانات. ومن هنا يأتى السؤال:
لماذا لا يحتفل لاعبو المنتخب على أغانى «رامى صبرى، أو رامى جمال، أو تامر حسنى» أو غيرهم من نجوم الـ«Pop» المصرى؟
ففى الوقت الذى أكتب فيه مقالى هذا تضم قائمة «Top 10» على يوتيوب ميوزك مصر، بالترتيب من الأول إلى العاشر، الأغانى التالية: (كلها مستنظرة) لـ«عصام صاصا» و(الغابة ليها بابا) لـ«مصطفى الجن وهادى الصغير» و(الشيلة وقعت) لـ«رحمة محسن» و(تباعًا تباعًا) لـ«شيرين عبدالوهاب» و(نانو) لـ«توليت وسانت ليفانت» و(مالك ومالى يا دنيا) لـ«رحمة محسن» و(بحرية) لـ«شيرين عبدالوهاب ومحمد حماقى» و(سر وجعنا) لـ«رحمة محسن» و(بلاش الحقنة) لـ«إيسل خالد» و(إيه يا حلوة) لـ«كولبكس».
فى المقابل؛ يغيب «رامى صبرى» تمامًا، رغم أن ألبومه صدر منذ أقل من شهر، كما تغيب أغلب الأغانى المصنوعة وفق مفهوم الـ«Pop» الغربى المتمصّر الذى يؤمن به «حماقى» ولديه البوم حديث هو الآخر، والذى يُعَد تواجده فى القائمة المذكورة فى السطور السابقة، له علاقة مباشرة بالشعبية الاستثنائية لـ«شيرين عبدالوهاب» وبصمة «عزيز الشافعى» الذى يبدو أنه يقرأ المزاج العام للجمهور أكثر مما يقرأه معظم صُنّاع الأغنية الحاليين، لذلك يحضر بأغنيتين فى القائمة هما (بحرية) و(تباعًا تباعًا) وكلتاهما شاركت فى غنائهما «شيرين عبدالوهاب» وكلتاهما تعرضت لهجوم «مريب»، ثم تحولتا إلى اثنتين من أنجح الأغانى المصرية خلال الفترة الأخيرة.
والنتيجة أن غالبية الأغانى الموجودة فى القائمة تأتى من خارج القاموس التقليدى لصُنّاع الـ«Pop» الغربى المتمصّر.
بل إن «عصام صاصا» صاحب المركز الأول، حقق خلال آخر 12 شهرًا نحو 742 مليون مشاهدة، بينما حقق «رامى صبرى» 664 مليونًا، و«محمد حماقى» 479 مليونًا، و«تامر عاشور» 584 مليونًا، و«رامى جمال» 228 مليونًا.
أى أن نجم المهرجانات يتفوق رقميًا على أغلب النجوم الذين يحظون بالاحتفاء الإعلامى، والحوارات التليفزيونية، والتغطيات الصحفية، رغم أن كثيرًا منهم لم يعد يصل إلى الشريحة الأكبر من المجتمع.
وكأننا أصبحنا نحن كنقاد وصحفيين وإعلاميين كشركاء فى هذا الانفصال عن الواقع.
ثم جاء منتخبنا الوطنى ليصفعنا- دون أن يقصد- بالحقيقة، عندما وجدنا الأغانى «غير المَرضِىّ عنها إعلاميًا» هى المسيطرة على احتفالاته بصورة عفوية وصادقة.
بل إن «محمد صلاح» أحد أعظم أساطير كرة القدم فى التاريخ، يحفظ هذه الأغانى عن ظهر قلب، رغم سنوات معيشته الطويلة فى إنجلترا والتنقل بين الثقافات الأوروبية.
أى إن هذه الأغانى استطاعت تجاوز الحواجز الطبقية والثقافية، فوصلت إلى الأكثر ثقافة مثل «محمد صلاح» كما وصلت إلى من لا يجيدون القراءة باللغة العربية بصورة سليمة، مثل «إمام عاشور»، وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب، منها أنها أغنيات صُنعت للحركة، بالطريقة المصرية وليست الغربية المتمصرة، فهى أغنيات تدفع الناس إلى الرقص والتفاعل، ولذلك أصبحت المسيطرة على أفراح المصريين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، بفضل إيقاعاتها الإلكترونية، وجُمَلها اللحنية القصيرة، وسهولة ترديدها، دون الحاجة إلى أى قدرات صوتية استثنائية، كما أنها صُنعت كى تُستخدم، أمّا أغانى الـ«Pop»، فلم تعد تتحدث إلاّ عن العلاقة بين الحبيب والحبيبة، وكأن الحياة توقفت عند هذا الحد، والأسوأ أنها لم تعد تؤدى ح تى هذا الغرض بكفاءة، بعدما أصبحت مملة ورتيبة، حتى صار من الصعب التمييز بينها، فأغانى «محمد حماقى» تشبه أغانى «رامى صبرى»، والاثنان يقتربان من «رامى جمال» والجميع يدور فى فلك المشروع الغنائى الذى أسّسه «عمرو دياب» منذ سنوات طويلة.
وباستثناءات قليلة، مثل «تامر حسنى، وأحمد سعد، ومحمود العسيلى، وبهاء سلطان» فإن أغلب المنتمين إلى هذا التيار يعيدون تدوير نفس القوالب الموسيقية التى ابتدعها الهضبة، مع نفس الكُتّاب، والملحنين، والموزعين.
ولذلك؛ عندما يتألق «محمد صلاح» ويبحث عن أغنية تعبر عن حصوله على جائزة أفضل لاعب فى مباراتين بكأس العالم؛ فلن يجد وصفًا أدق من (عم المجال كله)..
هذه المرادفات القابلة للتأويل على عشرات المواقف لن نجدها فى أغانى الـ«Pop»، التى لا ترى فى الحياة سوى قصة حب مكررة، بعقلية مراهقى مطلع الألفية. وهذا المَلل هو الذى دفع كثيرًا من مطربى الـ«Pop» أنفسهم إلى الاستعانة بصُنّاع الأغنية الشعبية والمهرجانات، فى محاولة للحاق بالموجة.
لذلك نجد «رامى صبرى» يستعين بـ«حازم إكس، وفلسطينى، وكولبكس» بينما يستعين «محمد حماقى» بعازف الكيبورد «محمد عبدالسلام» كما تستعين «نانسى عجرم ومحمد منير» وغيرهما بـ«مصطفى حدوتة»..
بالإضافة إلى أن أغانى المهرجانات هى الأكثر تعبيرًا عن المجتمع المصرى، سواء أعجبنا ذلك أم لا، وهذا ليس مدحًا فيها؛ بل ربما يكون أخطر اتهام يمكن توجيهه إليها، فهى تُصنع بعيدًا عن القيود التقليدية لشركات الإنتاج، ولذلك تعكس المجتمع كما هو، بقبحه قبل جماله.
ولهذا؛ بعد فوز منتخبنا على نيوزيلندا، وجدنا لاعبى المنتخب يغنون داخل غرفة الملابس: «بنت فلكة ماشية وسكرانة.. قولنا خلاص ناخدها معانا».. هذه الكلمات، حتى لو تعاملنا معها بحسن نية؛ فهى على الأقل تفتح الباب أمام التطبيع مع التحرش بالنساء.
إذن؛ حتى عندما تكون الأغنية سيئة أخلاقيًا؛ فإنها تظل صادقة اجتماعيًا.
فهى تعكس أزمة حقيقية موجودة بالفعل.
ولذلك لا أستغرب أن يرددها نخبة لاعبى منتخب مصر، لأنهم فى النهاية أبناء المجتمع نفسه، ويحملون، كثيرًا من الموروثات الذكورية التى تظهر بصورة تلقائية، كما رأينا فى الاحتفالات.
أمّا السبب الأخير فيعود إلى أن فلسفة الأغنية الشعبية تقوم على البطل المقهور الذى يهزم الجميع وينتصر وحده، وهذه السردية تناسب لاعبى منتخبنا، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بتجاوز منتخبات تتفوق عليهم بدنيًا وفنيًا وتكتيكيًا، ومع ذلك نجحوا فى تحقيق إنجاز تاريخى غير مسبوق، كما أنها تناسب غالبية المصريين، الذين يعيشون تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية هائلة، فتأتى هذه الأغانى لتمنحهم انتصارًا متخيلًا، يعوضهم نفسيًا عن هزائم الواقع، ويجعلهم يشعرون بأن المقهور قد ينتصر يومًا، ويصل إلى ما يريد، ويفتك بخصومه، ولو داخل أغنية.
وفى النهاية؛ هذا المقال لا يشيد بأغانى المهرجانات، ولا يدعو إلى انتشارها؛ إنما يحاول تفسير أسباب نجاحها، ووضع القارئ أمام مجموعة من الحقائق الرقمية، وإلقاء الضوء على الأزمة الحقيقية التى يعيشها الغناء الرسمى.
قد يبدو الكلام صادمًا، لكن الصدمة أحيانًا أفضل من الوهم؛ لأن الوهم يجعلنا نصدّق أن أغانى الـ«Pop» تعيش عصرها الذهبى، بينما الواقع يقول إنها، إن استمرت فى إعادة إنتاج نفسها بالطريقة ذاتها؛ فقد تصبح مهددة بالانقراض على أيدى صُنّاعها أنفسهم.







