الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أزمة الحياد تضرب الفيفا

حين تصبح السياسة لاعبًا أساسيًا فى كأس العالم!

من مدرجات الملاعب إلى مكاتب البرلمانات، مرورًا بمواقع التواصل الاجتماعى المختلفة، تتسع دائرة الغضب حول كأس العالم الحالى، بعدما تحولت البطولة من احتفال عالمى بكرة القدم إلى ساحة مفتوحة للنقاش حول النفوذ السياسى وحدود تأثيره فى اللعبة الأكثر شعبية فى العالم. ففى وقت تتنافس المنتخبات على اللقب داخل المستطيل الأخضر، تدور معركة أخرى خارجه حول سؤال جوهرى: هل ما زالت كرة القدم قادرة على الحفاظ على حيادها أمام قوة السياسة؟!



مكالمة «ترامب» تُغيّر قواعد اللعبة

أبرز فصول الأزمة فجرها قرار الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) رفع الإيقاف عن المهاجم الأمريكى «فولارين بالوجون»، بعد تدخل الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لدى رئيس (الفيفا) «جيانى إنفانتينو». 

فاللاعب كان قد تعرض للطرد خلال مباراة «الولايات المتحدة» أمام «البوسنة والهرسك»، وكان يفترض أن يغيب عن مواجهة «بلجيكا»، قبل أن يتراجع (الفيفا) عن القرار ويسمح له بالمشاركة بعد مكالة «ترامب».

وبعدها، فتحت الواقعة الباب أمام موجة انتقادات واسعة ولاذعة، إذ رأى كثيرون أن تدخل رئيس دولة فى ملف رياضى يخص بطولة عالمية، يمثل سابقة تهدد مبدأ المساواة بين المنتخبات..  وفى هذا الصدد، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إلغاء إيقاف لاعب خلال منافسات كأس العالم بهذه الصورة لم يحدث منذ عام 1962، ما جعل القرار محط أنظار ومساءلة، واصفة مكالمة «ترامب» بسيئة السمعة.

البرلمان الأوروبى يُطالب 

بالتحقيق مع «إنفانتينو»

سرعان ما انتقلت القضية من ساحات النقاش الرياضى ومواقع التواصل الاجتماعى إلى المؤسسات السياسية الأوروبية، حيث تحرك عشرات النواب فى البرلمان الأوروبى للمطالبة بفتح تحقيق حول دور رئيس (الفيفا) فى الأزمة.

وبحسب شبكة (ABC News)، وقع 35 نائبًا أوروبيًا على رسالة تُطالب لجنة الأخلاقيات فى (الفيفا) بالتحقيق فيما إذا كانت ضغوط إدارة «ترامب» قد أثرت فى قرار رفع الإيقاف، إلى جانب مراجعة -ما وصفوه- بانتهاكات محتملة لمبدأ الحياد السياسى، ومن بينها منح «ترامب» (جائزة الفيفا للسلام).

وأكد النواب -فى بيان مشترك- أن قيمة الرياضة تقوم على قواعد محايدة وشفافة؛ محذرين من أن السماح للنفوذ السياسى بالتأثير فى القرارات الرياضية يضرب جوهر العدالة ويُقوّض ثقة الجماهير.

كما أعادت القضية فتح ملفات أوسع حول علاقة (الفيفا) بالسلطة السياسية، إذ قال عضو البرلمان الأوروبى الأيرلندى «بارى أندروز» -فى تصريحات لموقع «بوليتيكو»- إن أزمة «بالوجون» تمثل جزءًا من نمط متواصل من غياب الشفافية داخل الاتحاد الدولى؛ معتبرًا أن المنظمة تواجه مشكلة عميقة فى طريقة إدارتها.

كما انتقد «أندروز» تزايد حضور السياسة فى قرارات (الفيفا)؛ قائلًا: إن  «إنفانتينو» أصبح أكثر تسييسًا من سلفه «سيب بلاتر». 

أما «بلاتر» نفسه، فحذر من تحول كرة القدم إلى مساحة تستخدمها القوى السياسية؛ قائلًا: إن «البطاقات الحمراء لا تُلغى بمكالمات سياسية... كرة القدم يجب ألا تصبح أبدًا ملعبًا للسلطة السياسية». 

كما انتقد المدرب السابق «يورجن كلوب» القرار، واصفًا إياه «بالجنون» الذى يُثير التساؤل حول كل شىء فى اللعبة.  

أما الاتحاد البلجيكى فحاول الطعن فى أهلية «بالوجون» للعب، لكن الفيفا -بالطبع- رفض طلبه.

معاملة المنتخب الإيرانى

كان المشهد السياسى الآخر الذى طغى على كأس العالم، هو مواجهة المنتخب الإيرانى قيود سفر مشددة من قبل «الولايات المتحدة» -الدولة المستضيفة- على خلفية التوترات فى «الشرق الأوسط».. حيث سُمح للفريق بدخول الأراضى الأمريكية قبل المباراة بنحو 24 ساعة فقط، مع وجوب مغادرتها فى يوم المباراة نفسها، مما حال دون إقامة معسكر تدريبى طبيعى، وأجبرهم على التمركز فى «المكسيك». 

ووصف المدرب «أمير قالينوى» فريقه بأنه أكثر المنتخبات اضطهادًا فى البطولة، وأنها تعرضت لمعاملة غير عادلة للغاية.

 المحتالون يكرهون فضح حقيقتهم

أما المشهد السياسى الثالث -والأكثر إثارة للجدل- فهو قيام مشجعى «الأرجنتين» برفع علم الاحتلال الإسرائيلى بالقرب من المدير الفنى «حسام حسن»، بعد انتهاء مباراة مصر والأرجنتين فى خطوة فسرها مراقبون على أنها استفزاز مباشر له.

جاء هذا الاستفزاز، على خلفية مواقف «حسام حسن» الداعمة للقضية الفلسطينية، حيث كان قد رفع العلم الفلسطينى بعد فوز «مصر» على «أستراليا» وتأهلها لدور الـ16، وتحدث فى مؤتمر صحفى مطول عن معاناة الفلسطينيين فى «غزة»؛ كما فضح جرائم الاحتلال التى تنتهك القوانين الدولية والإنسانية، ما أثار غضب أولئك الذين يكرهون فضح الصورة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلى.

وبعد المباراة غير العادلة التى تعرضت لها «مصر» أمام «الأرجنتين»، ثار العديد من السياسيين والرياضيين وحتى بعض الإعلاميين من الظلم الفج الذى تعرض له المنتخب المصرى فى تلك المباراة.

وبوصف السياسة هي المسيطرة على الملاعب في النسخة الحالية من كاس العالم،فقد كان من الطبيعي ان تأتي تعليقات على المباراة من سياسيين وشخصيات لا تنتمي لكرة القدم لكنهم يرون أن الرياضة لا يجب أن تخضع لسيطرة السياسة. 

ومن هنا جاء تعليق عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني،الذي اصار تفاعلا واسعا بعد حديث عن قضية مباراة  مصر والأرجنتين خلال مؤتمر صحفي رسمي خصص لمناقشة خطة النقل والحافلات الجديدة في المدينة.

وأعرب ممداني عن استيائه الشديد من الظلم التحكيمي الصارخ الذي تعرض له الفراعنة في تلك المواجهة، حيث قال أمام عدسات الكاميرات إن "مصر تعرضت للسرقة" في تلك الموقعة المونديالية الحاضنة للكثير من الإثارة والجدل.

فتساءل قائد منتخب «انجلترا» السابق «آلان شيرر» عن اتساق التحكيم؛ معتبرًا أن التعامل مع تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) افتقر إلى الاتساق؛ قائلا: «إذا كان هذا هو معيار التحكيم، فنحن نشاهد مسرحية وليست مباراة كرة قدم».

من جانبه، أكد «جارى كاسباروف» أسطورة الشطرنج فى العالم أن (الفيفا) صارت تبدو مثل مزحة فاسدة، لأنها  تحابى النجوم؛ معتبرًا أن ما حدث لمصر يشبه ما حدث سابقًا لكرواتيا. 

كما علق «كارلوس براثويت» -لاعب الكريكيت السابق- بسخرية على الواقعة، متسائلًا: كيف سيشرح للأجيال القادمة «السرقة التى شوهدت مباشرة فى هذا العصر»؟.

فى النهاية، لم تعد القضية مرتبطة بقرار تحكيمى أو واقعة عابرة، بل بصورة أوسع عن مستقبل كرة القدم نفسها.. فاللعبة التى اكتسبت مكانتها العالمية لأنها جمعت الملايين تحت شعار المنافسة العادلة، تواجه اليوم اختبارًا صعبًا أمام تنامى حضور السياسة والنفوذ داخل ساحاتها.