الإثنين 2 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

صفقة سند المواطن الرابحة

إنها بالفعل صفقة رابحة لكل الأطراف، فعندما يقوم المواطن بشراء «سند المواطن» فإنه يحصل على عائد سنوى بنسبة %17,75 وهو العائد الأكبر على الإطلاق مُقارنة بالأوعية الادخارية المُشابهة لدى الجهاز المصرفى، والسَّند مُدته 18 شهرًا، يُحقق خلالها دخلًا شهريًا مُتميزًا لمُدخرى القطاع العائلى، ويمنحهم إيرادًا دوريًا مُتميزًا يُساندهم على تحمُّل أعباء الحياة دون أن تتآكل مُدخراتهم؛ حيث إن نسبة العائد المُقررة تتجاوز مُعدلات التخضم بكثير؛ حيث سَجل مُعدل التضخم السنوى فى المُدن المصرية خلال شهر يناير 2026 نحو %11,9 مع توقعات باستمرار مساره التنازلى خلال مُدة الـ 18 شهرًا المُقررة للاستثمار فى سَند المواطن، مما يُشير إلى حصول المواطن على نسبة فائدة حقيقية من السند تتجاوز %8، وهى نسبة العائد بعد خصم نسبة التضخم، وهى النسبة الأكثر تمييزًا والتى لم يصل إليها المواطن حتى فى شهادات استثمار %27 والتى كانت نسبة العائد عند شرائها أقل من نسبة التضخم.



بالنسبة للحكومة فإن السند يُعتبر صفقة رابحة لها أيضًا؛ حيث يُعتبر «سند المواطن» أداة تمويل جديدة تدعم مسار تنوع مصادر التمويل الحكومى، وتُتيح للحكومة مصدر تمويل أقل كلفة، وأكثر قدرة على تحقيق سياساتها المالية والنقدية.

وسند المواطن، هو أداة تمويل حكومى موجهة للأفراد؛ حيث تُصدرها وزارة المالية المصرية عبر مكاتب البريد فى جميع أنحاء الجمهورية، وهو ما يُتيح للمواطن الاستثمار فى أدوات الدين الحكومى بسهولة دون الدخول فى قيود وضوابط أدوات الدين الحكومى التقليدية مثل سندات وأذون الخزانة التى يتم طرحها عبر الجهاز المصرفى.

وفكرة إصدار الحكومة لسندات موجهة للأفراد هى فكرة تم تطبيقها عالميًا بالعديد من الدول، منها الوالايات المُتحدة الأمريكية التى تطرح «سندات الادخار الأمريكية» التى تُعتبر أدوات دَين حكومية غير قابلة للتداول. وفى المملكة المُتحدة يتم طرح سندات تجزئة يقوم بشرائها الأفراد البريطانيون؛ حيث يصل عدد العملاء الذين يمتلكون مُنتجاتها إلى ما يزيد على 24 مليون شخص. وفى الهند نجد أنها تُقدم أنواعًا مُتعددة من السّندات الموجهة للأفراد بآجال ونسب ربح مُتفاوتة تعمل من خلالها على تشجيع الأسر على الادخار وتحمى مُدخراتها من آثار التضخم، وفى اليابان نجد أن عام 2025 قد سجلت فيه مُشاركة الأفراد اليابانيين فى سوق السندات ما يُجاوز نحو 33,5 مليار دولار.

ومع مُتابعة مصر للتجارب الدولية، تبين أنها تشترك جميعًا فى أنها تخلق أداة تمويل حكومى موجهة للأفراد من خلال إجراءات مُبسطة تضمن مُشاركة واسعة من أفراد الطبقات البسيطة والمتوسطة وصغار المُدخرين، بما يضمن تشجيعهم على الادخار، وتقرير ضمان حكومى لمُدخراتهم، وتقرير مُعدلات عائد تحمى تلك المُدخرات من التضخم. واستخدام تلك الأداة الخاصة من التمويل فى دعم مسار تنويع التمويلات الحكومية، وخفض تكاليفها.

وفى مصر، ومع بداية عام 2026 تلاحظ وجود سيولة نقدية لدى الأفراد سيما مع استحقاق شهادات استثمار العائد المُرتفع 27% التى سبق طرحها فى ظروف استثنائية، ومع توافر تلك السيولة فى ظل اتجاه نسب الفائدة المُقررة من البنك المركزى نحو الانخفاض؛ لاحظ الأفراد أن استثمارات السندات وأذون الخزانة الحكومية لا تزال تُحقق عائدًا مُتميزًا، وحاولوا الاتجاه إليها، ولكن كانت هناك صعوبات إدارية تحد من وصول الأفراد لشراء السندات الحكومية عبر الجهاز المصرفى وفقًا للضوابط التقليدية. وهنا ظهرت المُبادرة الأخيرة التى تُعبر عن ابتكار تمويلى جديد يُشكل صفقة تُحقق مصالح مُتشابكة عبر طرح سند حكومى للأفراد عبر هيئة البريد المصرية، وهو السند الذى يُحقق المصلحة الوطنية فى تلك المرحلة؛ حيث يُساعد على الحد من الاقتراض الخارجى، ولا يقصر التمويل الحكومى على كبار المُستثمرين فقط. ويدعم مسار تشجيع الادخار لدى القاعدة المُجتمعية، كما يدعم الاستقرار المالى عبر سَحب جانب من السيولة تُخفف الضغط على العملة المحلية وتدعم مسار خفض التضخم.

ويُعتبر طرح «سند المواطن» عبر فروع هيئة البريد بمثابة ضمانة للوصول إلى الشرائح المُستهدفة، سيما تلك التى لا تمتلك حسابًا بنكيًا؛ حيث تنتشر فروع هيئة البريد فى كل مناطق المُدن والريف المصرى، وهو الأمر الذى يدعم الشمول المالى عبر آليات جديدة تُحقق سهولة الاستثمار فى أدوات الدين الحكومى، وتحمى مُدخرات المصريين من آثار التضخم، وتضمن دخلاً ثابتًا لأصحاب المعاشات والأسَر التى ليس لديها خبرة فى مجالات الاستثمار، ويحميها من الوقوع ضحايا لإجرام عناصر توظيف الأموال.

وقد تم طرح «سند المواطن» خلال الفترة من 22 فبراير 2026 حتى 10 مارس 2026 بنسبة الفائدة المُتميزة المُقدرة بنحو %17,65 والتى تُصرف شهريًا لمدة 18 شهرًا يسترد بَعدها الشخص قيمة السند كاملاً، مع جواز أن يقوم باسترداد قيمته قبل نهاية المُدة مع خصم النسب المُقررة.. وتُشير التقديرات إلى نجاح طرح «سند المواطن» فى أن يُحقق حصيلة تتجاوز نصف مليار جنيه فى أول ثلاثة أيام من الطرح، مع توقع زيادة وتيرة شراء السند بصورة أكبر خلال الأيام المقبلة التى ستشهد إقبالاً كبيرًا على الشراء.

هذا ويُعد هذا الطرح بمثابة نموذج أولى يضمن تحقيق مصالح وطنية جماعية، والمؤكد أن استخدام آلية طرح سندات الأفراد لن يكون الأخير وأن التجربة سوف تُصقل المُمارسات وتطور منها عبر طروحات مقبلة، وسوف يكون نجاح هذا الطرح هو نجاح للجميع؛ المُستثمر الذى يُحقق أفضل عائد، والحكومة التى ستحقق الوصول إلى تمويل أقل كلفة، والمواطن العادى الذى سينعكس أثار انخفاض كلفة التمويل عليه بصورة غير مُباشرة عبر تخفيف الضغط على سعر الصرف بما يضمن احتواء التضخم، وتوفير مساحات مالية أكبر فى الموازنة يتم تخصيصها لأغراض الحماية الاجتماعية بدلاً من توجيهها لتدبير تكاليف التمويل. ولن يكون هناك تأثر سلبى على القطاع المصرى الذى هو مُستمر بكامل طاقته فى أنشطته التقليدية.. وأخيرًا فإن «سند المواطن» يُشكل مرحلة جديدة من تطور التمويل الحكومى، وأداة جديدة لادخار واستثمار الأفراد، ونقلة نوعية فى مجال الشمول المالى، وتطورًا جديدًا للسياسات المالية والنقدية بمصر.