الأحد 22 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

4 سنوات من الحرب الأوكرانية

حرب استنزاف بين روسيا وأوكرانيا

لماذا لم تنجح مبادرات الحل؟



وكيف أثر الصراع دولياً؟

والسيناريوهات المحتملة؟

فجر لم يكن كغيره، حين استيقظ العالم فى الثانى والعشرين من فبراير 2022؛  على لحظة حاسمة قلبت الموازين على كافة المستويات.. صدى العملية العسكرية الروسية التى اجتاحت أوكرانيا كان إعلانًا عن فصل جديد فى تاريخ الصراعات، حيث امتزجت القوة والسياسة والتأثير الدولى فى مشهد واحد متشابك. 

ومنذ تلك اللحظة، شهد العالم انتقالاً سريعًا من الجمود إلى تصاعد المواجهات، ومن الحذر الدبلوماسى إلى تكثيف العمليات العسكرية.. أحداث هزت أسواق العالم، وأعادت تشكيل سلاسل الإمداد.

وبعد 4 أعوام على مرور الحرب التى غيرت موازين القوى، تسلط مجلة «روزاليوسف» فى هذا الملف الضوء على الحرب الروسية الأوكرانية منذ اندلاعها، لتستعرض أبرز محطاتها، وأسبابها، مع تحليل تداعياتها الاقتصادية على الجانبين - الروسى والأوكرانى - والمستويين الإقليمى والعالمى.

 

 

 

 

حينما تحولت الأزمة لصراع مفتوح

لمـــــاذا اشتعلت الحرب؟  

أربع سنوات من الحرب لم تنه الحرب الروسية الأوكرانية ولم تجمدها ولو لفترة، بل رسختها كأخطر صراع مسلح فى «أوروبا» منذ عقود.. على الأرض، تسيطر القوات الروسية على نحو %20 من الأراضى الأوكرانية، وفى المقابل، تتدفق على «كييف» مساعدات غربية هائلة قدرت بنحو 175 مليار دولار أمريكي، ونحو 197 مليار يورو منذ عام 2022، فى أرقام ضخمة تعكس حجم الاشتباك الدولي، لكنها - فى الوقت ذاته - تؤكد أن ميزان الصراع لا يُقاس بالدعم وحده، بل بتعقيدات تتجاوز الحسابات المالية والعسكرية. 

أما الثمن الإنساني، فهو العنوان الأثقل فى هذه المواجهة، يتلخص فى أكثر من 53 ألف إصابة مدنية، و3.7 مليون نازح داخليًا، و6.9 مليون لاجئ، إضافة إلى أكثر من 12.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. 

باختصار.. إنها حرب مفتوحة على الجغرافيا، والهوية، والأمن، تشابكت فيها قرارات القادة مع الانقسامات الداخلية، والهواجس الجيوسياسية، لتتحول من أزمة سياسية إلى صراع إقليمي، أعاد رسم معادلات القوة فى منطقة «أوروبا» الشرقية.

 السياق التاريخى للحرب

إن الأزمة الروسية الأوكرانية لم تبدأ مع اشتعال الحرب فى فبراير 2022، بل بدأت جذورها فى أواخر عام 2013، حين اندلعت احتجاجات واسعة فى «كييف» رفضًا لقرار الرئيس الأوكرانى - آنذاك- «فيكتور يانوكوفيتش» بعدم توقيع اتفاق للتكامل الاقتصادى الأعمق مع «الاتحاد الأوروبي».

 وحينها، جاء الرد الأمنى العنيف على المتظاهرين، ما أدى إلى تصعيد الاحتجاجات التى حظيت بدعم غربي، وانتهت بفرار «يانوكوفيتش» فى فبراير 2014، بعد شهر واحد فقط، سيطرت القوات الروسية على «شبه جزيرة القرم»، وأعلن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أن الهدف هو حماية حقوق المواطنين الروس والناطقين بالروسية فى القرم والجنوب الشرقي، أعقب ذلك استفتاء محلى مثير للجدل انتهى بضم القرم رسميًا إلى روسيا.

لاحقًا، اندلع نزاع مسلح فى إقليم «دونباس» بين موالين لروسيا، وقوات الجيش الأوكراني، مع حالة جمود نسبى استمرت حتى عام 2021. 

وفى نهاية ذلك العام، رصدت الاستخبارات الأوكرانية تحركات عسكرية روسية واسعة، بالتزامن مع مطالب من موسكو بوقف توسع حلف شمال الأطلسى (ناتو) شرقًا، ومنع انضمام أوكرانيا إليه، ولكن، هذه المطالب قوبلت برفض غربي، مع التهديد بفرض عقوبات قاسية على روسيا، ومع فشل المفاوضات، أعلنت موسكو فى 24 فبراير 2022 إطلاق عملية عسكرية، وسط رفض غربى واسع.

أسباب الحرب

لمعرفة سبب نشوب هذا الصراع من الضرورى تسليط الضوء على 3 عوامل رئيسة، تبدأ بالمستوى الفردى للرئيسين الروسى والأوكرانى باعتبارهما الأساس فى اتخاذ القرارات التى أسهمت فى التصعيد، مرورًا بأوضاع الدولتين، وصولاً لحال النظام الدولي.

أولاً: المستوى الفردي:

على المستوى القيادي، لعبت رؤية بوتين دورًا محوريًا فى هذا الحرب؛ فهو ينظر إلى أوكرانيا باعتبارها جزءًا من العالم الروسى التاريخي، وأنها كانت ضمن «الاتحاد السوفيتي» سابقاً. 

فى المقابل، جاء انتخاب فولوديمير زيلينسكى عام 2019؛ ليعيد تشكيل ديناميكيات التوتر، فى بداياته اتسم نهجه بالبراجماتية، وسعى للحوار مع موسكو لإنهاء نزاع «دونباس»، مستفيدًا من خلفيته كممثل ناطق بالروسية؛ إلا أنه رفض بعض المقترحات الروسية المتعلقة بالوضع الخاص لدونباس، أو إعادة إمداد المياه إلى «القرم»، وهو ما اعتبرته موسكو مؤشرًا على عدم المرونة.

الأهم.. تمثل فى توجه «زيلينسكي»، الواضح نحو الغرب، وإعلانه أن الطريق الأوروبي، هو الخيار الاستراتيجى لبلاده. 

ففى سبتمبر 2020 أقر استراتيجية أمن قومى جديدة، حددت تطوير الشراكة مع (الناتو)، والتكامل مع الاتحاد الأوروبى كأولوية. 

ولم يتوقف الأمر عند تحركاته قبل الحرب، بل تقدم زيلينسكى فى 27 فبراير 2022 -اليوم الثالث للحرب- بطلب رسمى للانضمام الفورى إلى الاتحاد الأوروبى عبر إجراء خاص، ثم قدم فى سبتمبر من العام ذاته طلب انضمام مُسرع للناتو. 

واستمر الرئيس الأوكرانى حتى عام 2025 فى التأكيد أن عضوية (الناتو)، والاتحاد الأوروبى تمثلان الضمانة الأمنية الرئيسة ضد روسيا. 

ثانيًا: مستوى (الدولة-المجتمع)

فى أوكرانيا، أسهمت الانقسامات الداخلية (اللغوية، الثقافية، والإقليمية) فى تعميق التوترات، فالمناطق الشرقية والجنوبية -الناطقة بالروسية بشكل كبير- شعرت بالتهميش بعد 2014، خاصة مع قوانين تعزيز اللغة الأوكرانية وإعادة تفسير التاريخ، مما غذى النزاع فى دونباس؛ هذه الانقسامات جعلت بعض السكان يرون فى الدعم الروسى حماية لهويتهم، بينما رأت كييف فى ذلك تهديداً للوحدة الوطنية الأوكرانية. 

أما روسيا، فأسهمت الرغبة فى استعادة النفوذ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مع التركيز على (الوحدة التاريخية) بين الروس والأوكرانيين، تشكيل النظرة إلى أوكرانيا كجزء من الفضاء الروسى الثقافى والأمني.

 ثالثاً: مستوى النظام الدولي:

على المستوى الجيوسياسي، يُعد توسع (الناتو) شرقًا عاملاً مركزيًا فى الحسابات الروسية. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، انضمت دول «أوروبا الشرقية» تدريجيًا إلى الحلف، ما أعاد تشكيل توازن القوى فى القارة، واعتبرته موسكو تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وفى هذا السياق، تسلط موسكو الضوء –فى تبرير تحركاتها- على مفاوضات توحيد ألمانيا عام 1990، حين قدم مسئولون غربيون، بينهم وزير الخارجية الأمريكى –سابقاً- جيمس بيكر، والمستشار الألمانى هيلموت كول، تأكيدات شفهية للرئيس ميخائيل جورباتشوف بأن الناتو (لن يتحرك بوصة واحدة شرقًا) فى إطار عدم نشر قوات فى «ألمانيا الشرقية» السابقة؛ غير أن هذه التأكيدات لم تُدون فى معاهدة رسمية، وكانت مرتبطة تحديدًا بالوضع الألماني، ولم تشمل أى التزامات تجاه دول أوروبا الشرقية الأخرى. 

وبشكل متصل، تستخدم الرواية الروسية هذه الخلفية التاريخية لتسليط الضوء - أيضًا - على ما تسميه قضية (الحياد الملزم) لأوكرانيا عقب استقلالها عام 1991. ففى إعلان سيادة الدولة الأوكرانية الصادر فى 16 يوليو 1990، نصت المادة التاسعة على نية أوكرانيا أن تكون (دولة محايدة لا تشارك فى أى تكتل عسكري)، مع الالتزام بمبادئ خالية من السلاح النووي. 

وفى هذا الصدد، فإن إدراج فكرة (الانضمام إلى الناتو) فى دستور أوكرانيا عام 2019، أمر اعتبرته موسكو يمثل انحرافًا عن روح تلك الإعلانات السابقة، ما زاد من شعورها بالتهديد الأمني، خاصة بالنظر إلى قرب أوكرانيا الجغرافي، وحدودها الطويلة مع روسيا. فى النهاية، يمكن القول إن اندلاع الحرب لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين قرارات قيادية فردية، وانقسامات داخلية، وتحولات كبرى فى بنية النظام الدولي.. فتوسع (الناتو)، والتحولات السياسية فى أوكرانيا، والهواجس الأمنية الروسية، جميعها تشابكت فى لحظة تاريخية حرجة لتدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة منذ فبراير 2022.