الأحد 22 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

طريق وعر نحو سلام مشروط

أزمات محتدمة على طاولة المفاوضات

بعد أشهر طويلة من معركة استنزاف مفتوحة بين «روسيا» و«أوكرانيا»، لم تنجح «موسكو» فى تحقيق كامل أهدافها المعلنة، كما لم تتمكن «كييف» - رغم الدعم الغربى الواسع- من حسم الصراع، أو استعادة جميع أراضيها، فى ظل خسائر بشرية ومادية ضخمة أنهكت الطرفين.



ومع استمرار الجمود العسكرى النسبي، وتراجع القدرة على إحداث اختراق حاسم فى الميدان، بدأ الحديث يتصاعد عن مسار دبلوماسى قد يفضى إلى إنهاء الأزمة أو تجميدها.. واكتسب هذا الطرح زخمًا إضافيًا بعد تولى «دونالد ترامب» ولايته الثانية رئيسًا للولايات المتحدة، وانخراطه المباشر فى الأزمة، وصولاً إلى تحركات تهدف إلى تسريع التوصل لاتفاق سلام.

 

ففى الأسبوع الأخير من يناير الماضي، شدد «ترامب» على رغبته فى الوصول إلى اتفاق كبير بحلول الصيف المقبل، مع ممارسة ضغوط على «روسيا» و«أوكرانيا».

من جانبها، بدأت التقارير الإعلامية تتحدث عن رغبة الفريق الأمريكى المفاوض فى إنجاز اتفاق خلال فترة زمنية قصيرة، يعقبه استفتاء شعبى فى «أوكرانيا» وانتخابات عامة.. وفى هذا السياق، بدأ الحديث يدور حول دوافع هذه التحركات السريعة، وتداعياتها السياسية والاستراتيجية.

إن الدوافع والتداعيات، كانت محل دراسات عميقة، لخصها اللواء الأسترالى المتقاعد «ميك رايان»، الباحث فى (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية)، و(معهد لوي)، فى تحليل استراتيجى موسع؛ بهدف التحذير من أن الدوافع السياسية قصيرة المدى قد تُنتج ترتيبات استراتيجية هشة على المدى البعيد.

 دوافع تسريع اتفاق السلام

بعيدًا عن الحرب الصفرية، هناك أبعاد أخرى أجبرت الأطراف على الجلوس على طاولة المفاوضات، ومنها:

أولاً: البعد الانتخابي، والرمزية السياسية الأمريكية؛ إذ يُعد أن أحد أهم الدوافع التى دفعت «واشنطن» للتوسط مباشرة، هو رغبة «ترامب» فى الوفاء بوعد انتخابى محورى تمثل فى (إنهاء الحرب فى أوكرانيا) بسرعة، إذ شكل هذا الوعد عنصرًا أساسيًا فى خطابه السياسي، بوصفه دليلاً على قدرته على إنهاء الحروب التى يرى أنها تستنزف موارد «الولايات المتحدة» دون عائد مباشر. ومن منظور السياسة الداخلية فى «الولايات المتحدة»، يُعد إنهاء نزاع مسلح إنجازًا يمكن تسويقه بسهولة أمام القاعدة الانتخابية.

وفى هذا السياق، لا يمكن تغافل اقتراب (انتخابات التجديد النصفي) الأمريكية المقررة فى نوفمبر المقبل. 

ففى مثل هذه اللحظات، تميل الإدارات الأمريكية إلى تقليل المخاطر الخارجية، والتركيز على القضايا الداخلية، وعليه فإن وجود حرب مفتوحة ترتبط بها «الولايات المتحدة» -سواء بالدعم العسكري، أو الاستخباراتي- يظل عبئًا سياسيًا يمكن للخصوم استثماره.

ثانيًا: فرص إعادة الانخراط الاقتصادى مع «روسيا»، فاتفاق سلام مع «موسكو» قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية بين «الولايات المتحدة»، و«روسيا»، خاصة بعد ظهور إشارات إلى اهتمام محتمل بمشاريع اقتصادية مشتركة فى مجالات الطاقة والموارد الطبيعي.

 لكن، هذا المنظور الاقتصادى يتعرض لبعض الانتقادات من قبل محللين آخرين، إذ يرون أنه يتجاهل التكاليف الجيوسياسية طويلة المدى، خاصة إذا جاء على حساب ترتيبات أمنية غير مستقرة فى «أوروبا الشرقية».

ثالثًا: استغلال النفوذ الأمريكى الحالى على «كييف»؛ حيث لا تزال «الولايات المتحدة» تمتلك أدوات تأثير مهمة على «أوكرانيا»، حتى مع تغير طبيعة المساعدات.

رابعًا: إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأمريكية؛ وذلك عبر إعادة تعريف التهديدات الرئيسية للولايات المتحدة»، فبعض الوثائق الاستراتيجية الأمريكية الحديثة، وتحديدًا استراتيجيتا (الأمن القومي، والدفاع الوطني) الأمريكيتين لعام 2026، تميلان إلى اعتبار «الصين» المنافس الأول للولايات المتحدة؛ بينما تنظران إلى «روسيا» باعتبارها تحديًا إقليميًا لأوروبا أكثر من كونها تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.

مخاطر عملية سلام متسرعة

رغم تفهم بعض الدوافع التى تحرك طرفى الصراع، والجانب الأمريكى والأوروبى نحو إيجاد صيغة لإحلال السلام، إلا أن هناك العديد من التحذيرات من التسرع فى إبرام اتفاق سلام قد يؤدى إلى نتائج عكسية، أو غير مرغوب فيها، خاصة فى ظل فجوة الأهداف الاستراتيجية بين «موسكو» و«كييف» التى لا تزال متباعدة، وهو الأمر الرئيسى فى عدم إحراز تقدم - حتى الآن - فى المفاوضات. وبالنسبة لأوكرانيا، يتمحور الصراع والتفاوض حول السيادة، والاستقلال، والاندماج فى المنظومة الأوروبية الأطلسية؛ أما «روسيا»، فتسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها بما يقلل من نفوذ (الغرب) فى فضائها الجيوسياسي، من أجل حماية أمنها القومي.

ثانيًا: التحديات اللوجستية والسياسية للاستفتاء والانتخابات فى «أوكرانيا»، نظرًا لوجود ملايين النازحين داخل الأراضى الأوكرانية وخارجها، إضافة إلى مئات الآلاف من الجنود المنتشرين فى مواقع عسكرية.

 فتنظيم عملية انتخابية شاملة وعادلة يتطلب بنية تحتية مستقرة وأمنًا مضمونًا، وهو أمر قد لا يكون متاحًا خلال أشهر قليلة.

ثالثًا: هشاشة الردع الأوروبى، وفى هذا الصدد، تتزايد التساؤلات عما إذا كانت دول «أوروبا» –رغم زيادة إنفاقها الدفاعى منذ 2022، وتعهدها بإنفاق المزيد– تمتلك بالفعل القدرة العملياتية والسياسية على الرد السريع فى حال تجدد القتال، وعليه فإن توقيع اتفاق سلام دون ضمانات ردع قوية، قد تجد «أوكرانيا» نفسها – من جديد – أمام وضع أمنى غير مستقر. 

 التأثيرات الأوسع على النظام الدولى

إن نتائج أى اتفاق فى «أوكرانيا» لن تبقى محصورة فى حدودها الجغرافية.. فطريقة إنهاء الحرب سترسل إشارات إلى حلفاء «الولايات المتحدة» وخصومها على حد سواء، ويتمثل ذلك في:

أولاً: صورة «الولايات المتحدة»، فإذا بدا أن «واشنطن» مستعدة للضغط على شريك يتعرض لحرب، من أجل قبول تسوية غير متوازنة، فسيؤثر ذلك فى حسابات دول أخرى تعتمد على الضمانات الأمنية الأمريكية، مثل: «تايوان»، «كوريا الجنوبية»، وغيرهما. ثانيًا: رد الفعل من «الصين»، الناجم عن نجاح «روسيا» فى فرض شروطها –حتى لو جزئيًا– باعتبار أن ذلك يعزز رواية «بكين» بأن النظام الدولى القائم على القواعد هش، ويمكن تحديه بالقوة.

ثالثًا: تأثير الاتفاقية على «أوروبا» و(الناتو)، فإن أى اتفاق يُنظر إليه على أنه سلام مفروض من «واشنطن» قد يزيد من الشكوك داخل (الناتو) حول موثوقية الالتزام الأمريكي، وهو ما نوه إليه تقرير لمعهد (لوي) فى يناير الماضي، إذ أكد أن دول «أوروبا» ستعيد تقييم اعتمادها على الضمانات الأمريكية، مما قد يدفعها لتسريع برامجها الدفاعية الذاتية أو البحث عن بدائل أمنية إقليمية.

فى النهاية، يكشف الجدل الدائر حول تسريع اتفاق السلام أن الصراع بين «روسيا» و«أوكرانيا» لم يعد ميدانيًا فقط، بل بات اختبارًا لقدرة «الولايات المتحدة» وحلفائها على الموازنة بين الواقعية السياسية، ومتطلبات الاستقرار طويل الأمد.