الأحد 22 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
كيف يكون المحافظ محافظًا؟

كيف يكون المحافظ محافظًا؟

فى كل مرّة تُعلن فيها حركة المحافظين، لا يتوقف السؤال عند حدود الأسماء، ولا عند سِيَرهم الذاتية، ولا حتى عند رصيدهم الإدارى؛ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا وبساطة فى آنٍ واحد.. كيف يكون المُحافظ مُحافظًا؟



ذلك السؤال الذى يبدو للوهلة الأولى بديهيًا، لكنه فى الحقيقة هو لبُّ المعادلة كلها؛ لأن المَنصب فى ذاته لا يصنع الفارق؛ بل الطريقة التى يدار بها، والقدرة على تحويله من «منصب إدارى» إلى نقطة تماس حقيقية بين الدولة والمواطن.

المُحافظ ليس مجرد مسئول يوقّع الأوراق، ولا موظف كبير يتابع المشروعات؛ بل هو الوجه اليومى للدولة فى عيون الناس، وخطها الأول فى اختبار الثقة.. فإذا غاب حضوره؛ غابت الدولة فى وجدان المواطن، وإذا حضر بفاعلية؛ شعر الناس بأن الدولة قريبة، يقظة، تستجيب.

من هنا؛ يصبح معيار النجاح الحقيقى لأى مُحافظ جديد هو قدرته على الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة التفاعلية، ومن الجلوس خلف المكاتب إلى الإنصات فى الميدان، ومن انتظار الشكوى إلى البحث عنها قبل أن تصل.

ولعل التجربة التى تستحق التوقف أمامها، لا بوصفها استثناءً؛ بل كنموذج قابل للتعميم، هى ما قدمته وزارة الداخلية المصرية خلال السنوات الأخيرة، حين أعادت تعريف العلاقة بين المواطن وجهاز الدولة، عبر أدوات تواصُل حديثة، وعلى رأسها منصاتها الرقمية، التى تحولت إلى جسر حى يتلقى الشكاوَى ويرصد المخالفات ويتدخل بسرعة محسوبة.

هذه التجربة لم تنجح لأنها فقط وفّرَت وسيلة للتواصل؛ بل لأنها صنعت ثقافة جديدة.. أن المواطن ليس متلقيًا للخدمة فقط؛ بل شريك فى الرقابة، وأن الدولة لا تنتظر الخطأ لتتحرك؛ بل تراقبه لحظة وقوعه، وتتعامل معه فى زمن قياسى.

وهنا تحديدًا يكمن الدرسُ الأهم للمحافظين الجُدُد.. أن نجاحهم لن يُقاس بعدد المشروعات التى تُفتتح؛ بل بقدرتهم على خَلق منظومة تواصُل حقيقية وفعالة مع المواطنين، تُحَوِّل كل شارع إلى نقطة رصد، وكل مواطن إلى عين يقظة، وكل شكوى إلى فرصة لتحسين الأداء.

إن تعميم هذه الفلسفة داخل المحافظات كفيل بإحداث نقلة نوعية فى العمل التنفيذى؛ لأن الرقابة لن تبقى حكرًا على الأجهزة؛ بل ستتحول إلى حالة عامة من الرقابة المجتمعية الواعية، التى تدعم الدولة ولا تنازعها، وتكشف الخلل قبل أن يتفاقم.

وفى هذا السياق؛ يصبح المُحافظ الناجح هو من يدرك أن التكنولوجيا ليست رفاهية؛ بل أداة حكم، وأن صفحات التواصل الاجتماعى ليست مجرد واجهة إعلامية؛ بل غرفة عمليات مفتوحة، تستقبل البلاغات، وتتابع التنفيذ، وتعلن النتائج بشفافية.

فحين يرى المواطن أن شكواه تُقرأ، وأن مشكلته تُحل، وأن صوته يصل؛ فإنه لا يكتفى بالرضا؛ بل يتحول إلى شريك إيجابى، يراقب، ويبلغ، ويساهم فى ضبط الإيقاع العام للمحافظة.

وهنا تتشكل المعادلة الجديدة.. الدولة تراقب.. والمواطن يشارك.. والمُحافظ يقود هذا التفاعل.

ومن دون هذه الحلقة المتكاملة؛ يظل الأداء التنفيذى قاصرًا، مَهما بلغت كفاءته النظرية؛ لأن الدولة، فى نهاية المطاف، لا تُقاس بقراراتها؛ بل بمدى حضورها فى حياة الناس اليومية.

إن المُحافظ، فى جوهر دَوره؛ هو وسيط الاتصال الأول بين المواطن والدولة، يترجم السياسات إلى خدمات، ويحول التوجيهات إلى واقع ملموس، ويعيد صياغة العلاقة بين الطرفين على أساس الثقة لا المسافة.

ولهذا؛ فإن التحدى الحقيقى أمام المُحافظين الجُدُد ليس فى إدارة الملفات؛ بل فى إدارة العلاقة.. علاقة تحتاج إلى سرعة استجابة، ووضوح فى الأداء، وشجاعة فى مواجهة التقصير، وإيمان بأن المواطن ليس عبئا؛ بل هو شريك فى النجاح.

هكذا فقط يكون المُحافظ مُحافظًا..

ليس بمنصبه؛ بل بأثره وتأثيره.