تورط باراك يكشف دور تل أبيب فى الفضائح
سقوط خطاب القيم الغربية فى مستنقـع ملفات إبستين
آلاء شوقى
لم يكن أسبوعًا عاديًا فى سجل السياسة العالمية، بل لحظة كاشفة اهتزت فيها ضمائر العالم قبل أن تهتز عناوين الصحف. فجأة، سقطت الأقنعة التى طالما ارتداها الغرب وهو يوزّع دروس الديمقراطية، ويتاجر بشعارات حقوق الإنسان، ويبرر بها تدخله فى شئون الآخرين. ومع نشر ملايين الوثائق المرتبطة بقضية جيفرى إبستين، وقف حراس القيم عراة أمام التاريخ، فى واحدة من أضخم فضائح الاتجار الجنسى بالقاصرات واستغلال الأطفال فى العصر الحديث.
لم تكن ملفات إبستين مجرد سرد لجرائم فردية، بل زلزال سياسي وأخلاقي وإنساني، كشف عن شبكة معقدة تتقاطع فيها السلطة والمال والاستخبارات، وفضح ازدواجية الخطاب الغربى بين ما يُقال على المنابر، وما يُدار فى الغرف المغلقة. ومع اتساع دائرة الأسماء، والاستقالات، والتحقيقات، برز سؤال لا يقل خطورة عن الفضيحة نفسها: لماذا كُشفت هذه الملفات الآن؟ وهل الهدف هو تحقيق العدالة للضحايا، أم استخدام الحقيقة كسلاح فى صراع النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة فى عالم مضطرب؟
ما احتوته ملفات «إبستين» لم يكن مجرد تفاصيل جنائية، بل زلزال سياسي وأخلاقي وإنساني فضح ازدواجية الخطاب الغربي.. وفى خضم سيل التحليلات والأقاويل التى ملأت الصحف، والشاشات، ومنصات التواصل، برز سؤال محوري: ما الهدف من نشر تلك الملفات فى هذا التوقيت تحديدًا؟
خلفية الأزمة
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة، حين وجهت اتهامات لإبستين عام 2005 باستخدام منازله وجزيرة خاصة، لارتكاب جرائم جنسية بحق فتيات قاصرات، إضافة إلى تجنيد أخريات لتوسيع شبكته.. ولاحقًا، كشفت الوثائق عن تورطه إلى جانب شخصيات سياسية وفنية أمريكية وعالمية فى شبكة منظمة لاستغلال القُصر.
ورغم إعلان انتحاره داخل زنزانته -حسب الرواية المعلنة- عام 2019 عقب اعتقاله للمرة الثانية، لم تُغلق القضية بموت «إبستين»، بل ظلت متفاعلة وأثارت صدمة فى المجتمع الأمريكى وخارجه، خصوصًا مع تكشف علاقاته برؤساء أمريكيين، رجال أعمال نافذين، وأفراد من عائلات ملكية.
وفيما يخص الوثائق الجديدة، فأضافت وقائع أكثر فظاعة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والأطفال، كما كشفت أسماء إضافية، وعلاقات غير اعتيادية مع شخصيات سياسية، استخباراتية، ودبلوماسية، أبرزهم رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق إيهود باراك، مع تكرار الإشارات إلى الموساد، والحماية القانونية الاستثنائية التى تمتع بها «إبستين».
ورغم عدم صدور حكم يثبت عمله لصالح الاستخبارات، فإن تراكم الوثائق والمراسلات الرسمية والثغرات فى اتفاقيات (الإقرار بالذنب) قاد العديد من الصحف الغربية إلى استنتاج أن «إبستين» لم يكن يعمل منفردًا، بل ضمن منظومة محمية تتداخل فيها الاستخبارات، والمال، والسلطة السياسية.
استقالات واعتذارات
امتدت تداعيات الوثائق الأخيرة إلى استقالات، واعتذارات، وفتح ملفات سياسية حساسة حول العالم.. ففى «سلوفاكيا»، أعلن رئيس الوزراء «روبرت فيكو» قبول استقالة مستشاره «ميروسلاف لايتشاك» بعد ظهور رسائل نصية تعود لعام 2018 وعده فيها «إبستين» بـ(تدبير نساء له)، ما أحدث هزة داخل الحكومة.
وداخل «بريطانيا»، استقال السفير السابق لدى «واشنطن»، «بيتر ماندلسون»، من حزب العمال لتفادى إحراج إضافى، عقب الكشف عن علاقته بإبستين، وتحويلات مالية بقيمة 75 ألف جنيه إسترلينى هو وشريكته، فضلًا عن تدخل مزعوم لعرقلة فرض ضريبة على مكافآت المصرفيين عام 2009 بطلب من «إبستين».
وفى يوم الثلاثاء الماضى، أعلن «ماندلسون» إنه سيستقيل من مجلس اللوردات البريطاني؛ كما فتحت الشرطة البريطانية فى اليوم التالى، تحقيقًا جنائيًا مع «ماندلسون» على خلفية مزاعم بسوء السلوك فى منصب عام، تتعلق بعلاقته بإبستين.
كما سلطت الوثائق الضوء على الأمير البريطانى السابق «أندرو»، الذى ظهر فى صور محرجة، ما دفع رئيس الوزراء «كير ستارمر» لمطالبته بتقديم شهادته فى «الولايات المتحدة». وذلك، بعد أن جرده الملك «تشارلز الثالث» -بالفعل فى وقت سابق- من ألقابه العسكرية والملكية.
وفى «النرويج»، كشفت الوثائق عن ورود اسم الأميرة «ميتى ماريت»، زوجة ولى العهد، أكثر من ألف مرة. وأقرت الأميرة بالتواصل معه، واعتبرت ذلك خطأ فى التقدير، معربة عن ندمها الشديد.
سوء استغلال الأزمة
إن تداعيات نشر ملفات «إبستين» لم تتوقف عند هذا الحد، بل تحول الأمر إلى أداة سياسية لتصفية الحسابات والضغط الإعلامى، حيث ركزت بعض وسائل الإعلام على أسماء بعينها، متجاهلة البعد الإنسانى للضحايا.
ومن أبرز الأمثلة، ما واجهه عمدة نيويورك «زهران ممداني» من احتجاجات لأنصاره اتهموه بالكذب والخيانة، بعد تداول مزاعم عن ظهور اسم والدته، المخرجة «ميرا ناير»، فى رسائل مرتبطة بإبستين، إلى جانب صور قيل إنها تجمعها به، غير أن هذه الرواية لم تصمد طويلًا، إذ نفت صحف أمريكية صحة الصور؛ مؤكدة أنها مُنتجة بالذكاء الاصطناعى، مع رصد خلل تقنى واضح وغياب أى أرشفة رقمية.
كما أوضحت الصحف الأمريكية أن «ممداني»، المولود عام 1991، كان يبلغ 18 عامًا عام 2009، ما ينفى تصويره طفلًا فى هذا السياق. أما اسم والدته، فوُرد فى الوثائق ضمن سياقات ثقافية علنية فقط، من دون أى اتهام أو إجراء قانوني.
وفى هذا الصدد، علق دكتور «إسماعيل تركي» أستاذ العلوم السياسية-فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- بأن ما حدث مع «ممداني»، هو نموذج لما يمكن أن يُرى فى المستقبل، أى سلاح التزييف العميق؛ موضحًا أن هذا المشهد المضطرب ناتج عن دمج وثائق حقيقية بصور مزيفة مصنوعة بالذكاء الاصطناعى لتوريط شخصيات لم تذكرها الوثائق أصلًا.
كما أضاف أن الهدف من ذلك ليس تدمير سمعة الخصوم فحسب، بل التشكيك فى مصداقية المصدر نفسه، أى دفع الناس للشك فى كل شيء، حتى وإن ظهرت وثيقة حقيقية تدين شخص ما، فيسهل عليه الادعاء بأنها مفبركة، ومصنوعة بالذكاء الاصطناعي.
ازدواجية «ترامب»
وبعيدًا عن تداعيات الوثائق، توقف العديد حول العالم عند موقف الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» -أكثر الشخصيات المذكورة فى ملفات «إبستين»- الذى دعا للإفراج عن الوثائق وضرورة الشفافية؛ بينما هاجم الإعلام أو تجاهل معايير مماثلة عندما اقتربت الدائرة منه.
فأكد «ترامب» منذ أيام أن الوثائق لا تدينه بل تبرئه؛ موضحًا أنه لم يطلع على الوثائق بنفسه، لكن أشخاصًا مهمين أخبروه أنها لا تظهر أى شيء ضده!!
فى هذا السياق، رأى «باسم أبو سمية» الباحث السياسى من «واشنطن» -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن موقف «ترامب» يعكس ما يُعرف بـ(التصعيد الدفاعي)، حيث تشير الدراسات النفسية إلى أن الأشخاص الذين يخشون التهم، أو كشف فضائحهم يميلون -أحيانًا- إلى التظاهر بالشفافية والمطالبة بالإفراج عن المعلومات، ليظهروا فى موقع السيطرة بدلًا من موقع الدفاع.
وأضاف «أبو سمية» أن هذا الموقف يتقاطع مع سلوك «ترامب» المعروف بـ(التحدى والشهرة)، إذ يميل إلى الظهور فى المواقف المثيرة للجدل، ودعمه للإفراج عن الملفات، رغم المخاطر المحتملة، يمكن النظر إليه كطريقة للسيطرة على السرد الإعلامى بدل تركه بيد خصومه.
واعتبر -أيضًا- أن «ترامب» حول القضية إلى (أداة إعلامية)، عبر تقديم نفسه مؤيدًا للشفافية، مقابل خصوم يسعون - بحسب خطابه - إلى إخفاء الحقيقة، وهو أسلوب يكسب تعاطف الجمهور حتى وإن كانت الوقائع أكثر تعقيدًا؛ مستغلًا (الانقسام السياسي)، إذ تسمح البيئة الإعلامية والسياسية المستقطبة بتحويل حتى الأخبار السلبية إلى خطاب انتخابى أو شعبي.
البعد القانونى للأزمة
رغم الضغط والإحراج الذى لاحق مسئولين حول العالم، لم تتضمن اعتذارات البعض أى اعتراف قانونى صريح، كما لم تُترجم الملفات إلى محاسبة جنائية شاملة، ما يثير تساؤلات حول فعالية المسار القانونى المتبع.
وفى هذا السياق، أوضح الدكتور «هيثم عمران»، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن مجرد ورود أسماء فى الوثائق لا يعنى توجيه اتهامات جنائية تلقائيًا، إذ تخضع هذه القضايا لمسارات قانونية دقيقة، تبدأ بفتح تحقيقات جنائية جديدة، عبر بدء تحقيقات أولية عند ظهور أدلة، أو معلومات جديدة لتحديد ما إذا كانت تشكل سببًا محتملًا لتوجيه اتهامات، مثل: الاتجار بالبشر، أو الاعتداء الجنسى على قاصرين، أو التآمر الجنائي؛ مرورًا بكل من تفعيل قوانين حماية الضحايا وتمديد فترات التقادم، وتوجيه تهم التآمر الجنائى، والدعاوى المدنية وحق الضحايا فى التعويض، وصولًا للتعاون القضائى الدولى، بسبب تعدد الجنسيات ومواقع الانتهاكات.
وأضاف «عمران» أن عدم محاسبة جميع الأسماء يرجع إلى فجوة قانونية بين (ورود الاسم)، و(الإدانة الجنائية)، إذ يحتاج الادعاء العام إلى أدلة دامغة؛ مضيفًا أن التسويات المالية تلعب دورًا مهمًا أيضًا، إذ يفضل بعض الضحايا قبول تعويضات، مقابل إغلاق القضايا مدنيًا.
كما أكد أن النفوذ السياسى والاقتصادى للأسماء المتورطة يؤثر -أيضًا- على إطالة أمد القضايا واستغلال الثغرات القانونية، إضافة إلى الحذر السياسى من محاكمات قد تهز أنظمة أو علاقات دولية.
وأشار «عمران» -أيضًا- إلى أن وفاة «» كانت ضربة قاسية لمسار العدالة، إذ فقد المجتمع (الصندوق الأسود) للاعترافات المباشرة، إضافة إلى صعوبة جمع الأدلة بعد مرور عقود وحماية بعض المؤسسات لمصالحها.

ما الهدف من نشر الملفات الآن؟
قال دكتور «رضوان قاسم» المحلل السياسى من «برلين» -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إن «إبستين» كان يعمل مع الموساد منذ فترة طويلة؛ معتبرًا أن ذلك ورقة ضغط فى يد الموساد على الرؤساء والشخصيات.
وفى هذا السياق، ربط «قاسم» بين نشر الملفات، وقضية المفاوضات الأمريكية الإيرانية التى تزعج إسرائيل، الأخيرة التى ترغب فى شن ضربات على «طهران»، وإشعال المنطقة؛ موضحًا أن الهدف من نشر الملفات فى ذلك التوقيت، هو ورقة ضغط لاجباره «ترامب» على خوض صراع ضد «إيران».
ومع ذلك، أوضح «قاسم» أنه رغم عدم وضع «ترامب» تحت المساءلة المباشرة بسبب تلك الملفات، لكنها توجه رسالة تفيد بأن إسرائيل تملك المزيد من الفضائح تحت يدها، والتى قد تنشرها أى وقت، كوسيلة للضغط عليه؛ منوهًا لوجود أهداف أخرى من نشر الملفات -حاليًا-، وهو إشغال الرأى العام العالمى عما يحدث فى «غزة»، وعدم الالتزام الإسرائيلى بالاتفاق، وغيرها من قضايا.
من جانبه، رأى دكتور «إسماعيل تركي» أن السبب المباشر لظهور تلك الملفات -الآن- يتمثل فى قانون الشفافية الذى صدر قانون فى أواخر عام 2025، وهو ما جعل هذه الوثائق تخرج للنور فى مطلع 2026؛ معتبرًا أن إدارة «ترامب» تستخدم هذه الملفات كأداة تطهير، أو ترهيب للخصوم التقليديين، أو حتى إثبات صدق فرضياتها السابقة.. فالغرض ليس مجرد كشف الحقيقة، بل إحراج النخب الديمقراطية المرتبطة بإبستين، مما يعزز سردية «ترامب» ضد الدولة العميقة، والتى يعتبرها سببًا فى سقوطه فى انتخابات 2020.
كما أشار -لما يعرف- بنظرية صرف الانتباه أو التشويش الاستراتيجي؛ موضحًا أن الخبرة التاريخية تؤكد أن الحكومات -عادة- ما تلجأ لملفات مثيرة للجدل داخليًا، عندما تقترب من اتخاذ قرارات عسكرية كبرى؛ مضيفًا أنه إذا كانت هناك تحركات ضد «إيران»، فإن تسريب وثائق «إبستين» يضمن انشغال الإعلام العالمى بفضائح المشاهير، بدلًا من التركيز على تحركات الأساطيل، أو التبعات الاقتصادية لضربة عسكرية.
ثم أضاف أن التوقيت يتزامن -أيضًا- مع حروب مشتعلة، وأزمات اقتصادية، وقرارات مصيرية قادمة. ومع هذا الارتباك فإعادة إحياء قضية صادمة أخلاقيًا يخدم تحويل بوصلة الرأى العام من أسئلة كبرى إلى فضيحة كبرى.
فى النهاية.. إن ملفات «إبستين» تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة تكشف زيف المعايير الأخلاقية التى يرفعها الغرب فى خطابه السياسى والدبلوماسي. لكن، فى ظل الأزمات المستمرة والمصالح المتشابكة، يتضح أن الهدف الحقيقى من نشر هذه الوثائق فى هذا التوقيت ليس فقط كشف الحقائق المظلمة، بل -أيضًا- استخدام هذه الملفات كأداة سياسية لتنفيذ أجندات أكبر







