السفير خالد عمارة يكشف لـروز اليوسف سيناريو ما بعد إسقاط حكم الملالى:
تقسيم إيران لدويلات صغيرة على غرار ما حدث فى البلقان
ياسمين علاء
تفكيك طهران يكشف الجبهة الشرقية لمصر لأول مرة فى تاريخها
فى ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتكثيف واشنطن لتحركاتها العسكرية والاقتصادية فى محيط طهران، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الخطة الأمريكية وأهدافها الحقيقية. فبين حشد عسكرى واسع، وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، ومراحل متدرجة من العقوبات والاحتجاجات، يبرز سيناريو يتجاوز مجرد استهداف النظام السياسى إلى احتمالات أكثر تعقيدًا تمس مستقبل الدولة الإيرانية نفسها.
فى هذا السياق، يستعرض السفير خالد عمارة، رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية السابق فى إيران -فى حوار خاص لـ«روزاليوسف»- قراءة تحليلية لمسار الخطة الأمريكية تجاه إيران، ومراحلها المختلفة، ومدى نجاحها أو تعثرها، فضلًا عن انعكاساتها الإقليمية، وتأثيرها المباشر على توازنات المنطقة والأمن القومى المصرى، وإلى نص الحوار.
هل الهدف من الخطة الأمريكية إسقاط نظام ولاية الفقيه؟
- من الواضح أن التحرك الأمريكى، سواء على مستوى حشد القوات أو انتشارها فى المنطقة، يعكس استعدادًا لخيارات عسكرية محتملة ضد إيران.
فبحسب الأرقام التى تتداولها المصادر الأمريكية، هناك ما بين 30 و40 ألف جندى موزعين على تسع قواعد عسكرية تحيط بإيران، فى إطار استعدادات تستهدفها بشكل مباشر.
الخطة الأمريكية فى جوهرها قامت على ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادى، وفق تعبير ترامب «الضغوط القصوى»، من خلال استهداف العملة الإيرانية، والضغط على طبقة التجار المعروفة باسم «طبقة البازار»، وهى طبقة محورية تاريخيًا ومرتبطة بالنظام السياسى، وكانت جزءًا أصيلًا من الثورة الإسلامية، جاء ذلك ضمن منظومة متكاملة تستهدف إحداث تغيير فى النظام السياسى.
وكيف يمكن تحقيق ذلك؟
- تمثلت المرحلة الأولى فى فرض العقوبات القاسية على إيران وحرب العملات، ثم جاءت المرحلة الثانية وهى اندلاع مظاهرات اتسمت بالعنف، جرى خلالها توظيف مجموعات منظمة تمتلك قدرات على التخريب، جرى تدريبها فى الخارج وإدخالها إلى الداخل الإيرانى عبر أجهزة استخبارات غربية بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد نفذّت هذه المجموعات أعمال عنف ممنهج، شبيهة بما حدث فى مصر عام 2011، من إحراق أقسام الشرطة والمؤسسات العامة والحافلات، واستهداف المتظاهرين السلميين. وكشفت التحقيقات داخل إيران، إلى جانب شهادات دوائر غربية متحفظة، أن هذه الأعمال كانت جزءًا من مخطط واضح.
كان يفترض أن تسيطر تلك الاحتجاجات على الأرض تمهيدًا لتدخل عسكرى داعم، بحيث يجرى إسقاط النظام دون تدخل برى واسع.
إلا أن هذا التصور تعثر، بعد أن تمكنت السلطات من السيطرة على الموقف بحلول 14 يناير، وتم رصد العناصر المدسوسة والتعامل معها.
كما نجحت إيران فى تنفيذ تشويش منهجى على شبكة «ستارلينك» التى كانت تُستخدم فى توجيه المجموعات العنيفة.
وبعد فشل المرحلة الأولى، بدأ الحديث عن مرحلة جديدة تتضمن حشدًا عسكريًا أكبر واحتمال تدخل مباشر، لا يستهدف فقط إسقاط النظام بل ربما تقسيم الدولة إلى كيانات صغيرة. لكن مدى إمكانية تحقيق ذلك يظل مرتبطًا بتركيبة الدولة الإيرانية المعقدة.
هل سيؤدى ذلك إلى تقسيم إيران؟ وما مدى واقعية هذا السيناريو؟
- حسنًا إيران دولة مركبة وذات تاريخ إمبراطورى، وتضم أعراقًا وإثنيات متعددة، ما يجعلها بيئة قابلة لاستغلال سيناريو شبيه بما جرى فى يوغوسلافيا، ويمكن وصفه بـ«بلقنة إيران»، أى تقسيمها إلى عدد من الدول أو الكيانات.
ولتحقيق هذا السيناريو، يقوم التصور على إعادة إحياء موجات احتجاج جديدة عبر عناصر خارجية موجودة داخل إيران، بالتزامن مع تنفيذ اغتيالات تستهدف شخصيات رئيسية داخل الدولة، وشن ضربة عسكرية واسعة تستهدف البنية الأمنية والقيادات والبنية التحتية للطاقة.
كان من المخطط تنفيذ هذا السيناريو خلال الموجة الأولى، لكنه تراجع فى اللحظات الأخيرة لأن أدواته لم تكن مكتملة. فالمظاهرات بدأت سلمية، لكن حين تحولت إلى عنف وحرق مقدسات، تدخلت الدولة كما يفعل أى نظام سياسى يواجه تهديدًا داخليًا.
ومع انكشاف ما يجرى أمام قطاعات واسعة من الشعب، ظهرت مظاهرات سلمية مليونية مؤيدة للنظام، ما ساهم فى احتواء الوضع، ومن ديسمبر حتى يناير، تمكنت الدولة من السيطرة على المشهد بالكامل.
أما المرحلة الحالية، فهى مرحلة تهديد عسكرى مباشر، فالأدوات السابقة لم تعد مُتاحة، لكن التهديد العسكرى لا يزال قائمًا، كما يتضح من الحشد البحرى وحاملات الطائرات والقوات الموجودة فى حالة تأهب.
وفى المقابل، أعلنت إيران عن مناورات بالذخيرة الحية فى الخليج والمحيط الهندى، وحددت مناطق بحرية وجوية مغلقة، ما يعكس مستوى الاستعداد والجدية.
ما هو شكل الاستهداف الأمريكى لإيران؟ وهل يقتصر على النظام السياسى أم يستهدف الدولة بأكملها؟
- النهج الأمريكى ثابت منذ الحرب العالمية الثانية، أى دولة تحقق نجاحًا ملحوظًا فى العلوم والتكنولوجيا والإنتاج والتعليم يتم استهدافها وتفكيكها. حدث ذلك فى العراق وسوريا وليبيا والسودان، وقبلها فيتنام وأفغانستان، وفى أمريكا اللاتينية أيضًا ما كان يجعل هذه السياسة أكثر تقييدًا فى السابق هو وجود الاتحاد السوفيتى وسياق الحرب الباردة، إذ كانت هناك توازنات وحسابات مختلفة.
أما اليوم، فلا يوجد طرف آخر قادر على موازنة هذا الدور أو التصدى له، وهو ما يفسر اتساع نطاق التدخل الأمريكى فى ملفات متعددة حول العالم.
فيما يتعلق بإيران، فالاستهداف لا يقتصر على نظام ولاية الفقيه، بل يمتد إلى تفكيك الدولة كلها.
الهدف وفق هذا التصور، السيطرة على موارد إيران ووضع اليد عليها، بما فى ذلك رأس المال البشرى، حيث تمتلك إيران عددًا ضخمًا من العلماء، إلى جانب تحقيقها مستويات عالية من الاكتفاء الذاتى فى العديد من القطاعات، فضلًا عن امتلاكها معادن وموارد متنوعة.
هذه التوجهات لم تكن خفيّة، بل ظهرت بوضوح فى تجارب أخرى، مثلما كان مخططًا لفنزويلا، ولذلك فالعملية المطروحة ليست مجرد إسقاط للنظام، بل تفكيك شامل للدولة واستنزاف لمواردها.
إذن كيف تواجه إيران هذه الخطة؟ وما أدواتها فى هذه المرحلة؟
- تواجه إيران هذه الخطة الأمريكية على ثلاث جبهات: تتمثل الجبهة الأولى فى المواجهة العسكرية عبر حشد القدرات والاستعداد لسيناريوهات مختلفة.
أما الجبهة الثانية فهى معركة الوعى الداخلى، وقد حققت إيران فيها نجاحًا كبيرًا بسبب ارتفاع مستوى التعليم والثقافة، رغم وجود فجوة بين جيل الثورة والجيل الجديد، إلا أن الوعى يعتبر عامل صمود مهمًا.
أما الجبهة الثالثة والتى تتمثل فى المواجهة الاقتصادية، حيث تمكنت إيران من السيطرة جزئيًا على العملة، وتوزيع موارد للمواطنين المتضررين. ورغم ما وصلت له العملة من ضعف، فإن إيران لديها وفرة إنتاجية داخلية فى الغذاء والطاقة، ما يقلّل تأثير العقوبات الخارجية عليها مقارنة بدول تعتمد على الاستيراد، فالطاقة والمحروقات تنتج محليًا بأسعار مدعومة، وهذا عنصر جوهرى فى صمود المجتمع.
لكن التحدى الحقيقى يكمن فى احتمال توجيه ضربة للمنظومة الأمنية، فإذا انهارت قد يحدث انقسام داخلى واسع، أما إذا تمكنت إيران من احتواء الضربة، فإن شكل المشهد سيتغير جذريًا.
ما التأثيرات المحتملة على الأمن القومى المصرى فى حال سقوط إيران أو تفكيكها؟
- إذا جرى تفكيك إيران، فسيتم أولًا تدمير برنامجها النووى والصاروخى وتصفية علمائها وقدراتها العسكرية؛ وهذا سيؤدى إلى انكشاف الجبهة الشرقية لمصر لأول مرة فى تاريخها.
فالعمق الاستراتيجى الذى كان يمتد من سوريا والعراق وصولًا إلى إيران سيختفى تمامًا، ما يفتح المجال أمام إسرائيل بشكل غير مسبوق.
كما ستشهد إيران سيطرة أمريكية-إسرائيلية على مواردها الطبيعية الضخمة، مع صعود طبقة أوليغاركية موالية لأمريكا وإسرائيل تتولى إدارة هذه الموارد وتسليمها للقوى المسيطرة، ويتزامن ذلك مع موجة هائلة من الهجرة واللجوء والنزوح، قد تصل إلى ملايين الأشخاص، فى ظل تعداد سكانى يبلغ نحو 95 مليون نسمة، وهو ما سيخلق اضطرابًا إقليميًا واسعًا.
كما أن سقوط إيران أو خروجها من سوق الطاقة سيكون له تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة العالمية، نظرًا لدور إيران المؤثر فى هذا القطاع. ولهذا السبب، تتداخل حسابات قوى دولية كبرى، مثل الصين وروسيا، فى هذا الملف تحديدًا.
وأخيرًا، إذا نجح هذا النموذج فى إيران كدولة كبيرة، سيعنى هذا إمكانية تطبيقه لاحقًا على دول كبرى أخرى، وهو ما يمثل تهديدًا واسعًا يتجاوز حدود الحالة الإيرانية.







