الإثنين 9 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كيف بنت مصر جدار الصمود للعملة الصعبة

درع الحماية الذهبية للاحتياطى النقدى

عالم يتغير بلا هوادة وتتصاعد فيه موجات التضخم وتفقد العملات الكبرى بريقها وقيمتها أدركت مصر مبكرًا أن الذهب لم يعد مجرد معدن نفيس محفوظ فى الخزائن بل أصبح خط الدفاع الأول ودرع الحماية الأهم للاحتياطى النقدى فى زمن الاضطراب المالى.. لذلك تحرك القرار النقدى المصرى بعقل واعٍ ورؤية بعيدة المدى نحو إعادة تشكيل بنية الاحتياطى لتصبح أكثر صلابة وأعمق تحوطا فلم تعد العملات الأجنبية وحدها هى الأساس بل تم تأسيس قاعدة ذهبية قوية تشكل عمود الاتزان الحقيقى للاحتياطى.



 

 هذه القاعدة لم تولد مصادفة ولم تكن نتاج رد فعل عابر بل جاءت ثمرة دراسة دقيقة لحركة أسواق العملات والمعادن وفهم عميق لتحولات النظام المالى العالمى عندها تحول قرار شراء الذهب من إجراء تقليدى محدود التأثير إلى استراتيجية واعية تحمل قراءة استشرافية لمستقبل الاقتصاد العالمى حيث بدأت الدولة بناء هذه الدرع الذهبية فى هدوء كامل بعيدًا عن الضجيج لتأمين الاحتياطى النقدى وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

كان قرار رفع نسبة الذهب فى مكون الاحتياطى النقدى لدى البنك المركزى قرارًا محسوبًا بدقة يعكس قياسًا عميقًا بتقلبات الأسواق ودورات رأس المال العالمية فصار الذهب أداة حماية مزدوجة يحمى قيمة الاحتياطى النقدى من العملات الأجنبية ويعمل فى الوقت ذاته كاستثمار آمن يستفيد من الارتفاعات العالمية للأسعار دون تكلفة مالية مباشرة.

فى عام 2020 كان احتياطى البنك المركزى من الذهب مستقرًا عند نحو 80 طنًا غير أن الدولة لم تر فى الاستقرار هدفًا كافيًا بل اعتبرته نقطة انطلاق نحو بناء قوة حقيقية فتم وضع خطة استباقية تعتمد على زيادة المشتريات قبل انفجار موجات الارتفاع العالمية لضمان تعظيم المكاسب وحماية الاقتصاد الوطنى من تقلبات الأسعار.

وجاءت لحظة الحسم فى فبراير 2022 حين نفذ البنك المركزى واحدة من أذكى العمليات الاستراتيجية بشراء نحو 44 طنًا من الذهب خلال أيام قليلة لترتفع الحيازة من نحو 80 طنًا إلى أكثر من 125 طنًا بزيادة تاريخية تجاوزت نصف الاحتياطى السابق لم يكن هذا التحرك عشوائيًا بل جاء فى توقيت بالغ الذكاء سبق الارتفاع العالمى الكبير فى أسعار الذهب ليمنح مصر ميزة مالية ونقدية نادرة ويحول الاحتياطى إلى درع حقيقية فى مواجهة هزات المستقبل.

بعد هذه القفزة الكبرى استمر الاحتياطى الذهبى فى النمو بوتيرة متزنة ومدروسة فبلغ بنهاية 2023 نحو 125.86 طن ثم ارتفع بنهاية 2024 إلى نحو 126.88 طن ومع دخول 2025 واصل الذهب أداء دوره الحاسم ليصل إلى نحو 128.5 طن فى منتصف العام ثم سجل فى ديسمبر الماضى أعلى مستوى تاريخى عند 128.82 طن مؤكدا نجاح استراتيجية بناء الدرع الذهبية وقدرتها على استباق تحولات السوق العالمية.

هذا المسار يكشف أن الاستراتيجية المصرية لم تكن مجرد تراكم للمعادن النفيسة بل رؤية شاملة تهدف إلى تأمين الاحتياطى الوطنى وبناء قوة مالية قادرة على مواجهة أى اضطرابات نقدية مستقبلية وتحويل الذهب إلى أداة استقرار واستثمار طويل الأجل.

وقد انعكس هذا التراكم بشكل مباشر على قيمة الاحتياطى النقدى حيث ارتفعت قيمة احتياطى الذهب المدرج ضمن الاحتياطى النقدى الأجنبى من 10.644 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2024 إلى 18.6 مليار دولار بحلول ديسمبر 2025 محققًا نموًا يزيد على 7 مليارات دولار خلال 12 شهرًا فقط.

هذه الأرقام تؤكد أن الذهب لم يعد مكونا هامشيًا، بل أصبح القلب النابض للاحتياطى النقدى والدعامة الأساسية لاستقراره المالى فقد بلغ إجمالى الاحتياطى النقدى نحو 50.2 مليار دولار وهى قيمة تعكس توازنا دقيقا بين النقد كأداة سيولة والذهب كضمان استراتيجى طويل الأمد.

ويبلغ هذا التوازن ذروته مع ارتفاع نسبة مساهمة الذهب فى إجمالى الاحتياطى النقدى إلى 34.4 فى المئة وهى نسبة غير مسبوقة أضافت بعدًا نقديًا وماليًا جديدًا وحولت الذهب إلى درعٍ واقٍية ضد تآكل قيمة العملات النقدية الأجنبية بفعل التضخم وتقلبات أسعار الصرف مع تحقيق مكاسب مباشرة من صعود المعدن النفيس عالميًا.

إن هذا النمو المتسارع خلال فترة زمنية قصيرة يؤكد نجاح استراتيجية تراكم الذهب ويثبت أن مصر بنت لنفسها درعًا نقدية حقيقية قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية دون أن يثقل كاهل الموازنة العامة.. واليوم يعكس هذا الإنجاز تحولاً جذريًا فى فلسفة إدارة الاقتصاد حيث لم يعد الهدف هو تضخيم الأرقام، بل بناء أصول حقيقية تحمى الدولة وتعزز استقرارها المالى على المدى الطويل.. لقد أصبح الاحتياطى الذهبى رمزًا للقوة والمرونة وسلاحًا استراتيجيًا يجعل مصر أكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات بثبات وحكمة ويؤكد قدرتها على حماية اقتصادها من تقلبات مفاجئة أو أزمات غير متوقعة.