رصـاصـة فى قلب مثلث النـفــوذ فـى لـيـبـيـــــا
مصير ليبيا بعد مقتل القذافى الابن
آلاء البدرى
تقف ليبيا اليوم على أعتاب فصل جديد من تاريخها بعد مقتل سيف الإسلام القذافى، حيث انكشفت الساحة السياسية فى الجنوب الغربى على فراغ ثقيل يدفع القبائل إلى البحث عن قائد بديل، فيما تستعد القوى المتصارعة لإعادة توزيع النفوذ، وتتهيأ القوى الخارجية لاقتناص الفرصة بما يخدم مصالحها.
أثار مقتل سيف الإسلام القذافى، جدلًا واسعًا فى الأوساط العربية، حيث انتشرت عقب ساعات قليلة من مقتله عدة روايات متناقضة بين الاغتيال المباشر والاشتباك المسلح، وتصفية داخلية مرتبطة بصراعات النفوذ والوفاة الطبيعية، الأمر الذى زاد من غموض الحدث ووضع ليبيا فى صدارة الأخبار الإقليمية.
وبينما أكدت مصادر مقربة من عائلته ومستشاره السياسى عبدالله عثمان، خبر وفاته عبر بيان رسمى، أشارت تقارير أخرى إلى أن مجموعة مسلحة مجهولة اقتحمت مقر إقامته فى منطقة الحمادة، قرب الزنتان، وأطلقت النار عليه ما أدى إلى مقتله على الفور.
فى حين تحدثت روايات مختلفة عن وقوع اشتباك مسلح مع كتيبة أبوبكر الصديق، التى كانت تؤمن حمايته منذ ما يقرب من عشر سنوات.
وأفادت بعض المصادر أن مرافقه العجمى العتيرى أصيب بجروح، وأن أحد أبنائه قتل أيضًا خلال الاشتباكات.
وتؤكد رواية أخرى وفاته وفاة طبيعية إثر تعرضه لأزمة قلبية، ونفت فصائل بارزة مثل اللواء 444 التابع لحكومة الوحدة الوطنية أى علاقة لها بالعملية، الأمر الذى زاد من الغموض حول هوية المنفذين ودوافعهم، خاصة مع إعلان النائب العام الليبى فتح تحقيق رسمى للتحقيق فى الأمر.
انهيار جبهة تحرير ليبيا
يعتبر مقتل سيف الإسلام القذافى، انهيارًا لتيار الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، ويطوى صفحة مرحلة كاملة من التاريخ السياسى الليبى، إذ كان هذا التيار يمثل الامتداد الشعبى والقبلى لأنصار النظام السابق الذين ظلوا متماسكين نسبيًا منذ سقوط القذافى عام 2011، وكانوا يؤيدون سيف الإسلام باعتباره الوريث السياسى القادر على إعادة حضورهم فى المشهد عبر الانتخابات أو المصالحة الوطنية، لكن مقتله فجر فراغًا قياديًا لا يمكن ملؤه بسهولة، لأن غياب شخصية كاريزمية وذات شرعية نسبية مثل سيف الإسلام، يؤدى مباشرة إلى تفكك الولاءات القبلية وتوزعها بين القوى المسيطرة فى الشرق والغرب.
شخصية مثيرة للجدل
ظل سيف الإسلام القذافى، أكثر شخصية ليبية مثيرة للجدل منذ سقوط نظام والده، رحلته المتقلبة بين سنوات الاحتجاز والإفراج وبين الإدانة والبراءة وبين حكم الإعدام والنجاة، صاغت ملامح شخصية غير مألوفة حتى لحظة مقتله، إذ بقى طوال تلك الفترة رمزًا بارزًا للجبهة الليبية، وورقة سياسية ومحل صراع وتجاذب بين القوى الداخلية والخارجية، وقد اعتقل سيف الإسلام لأول مرة فى نوفمبر 2011 من قبل كتيبة الزنتان.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية خلال أحداث الثورة، وظل محتجزًا لسنوات فى الزنتان، وسط الجدل القانونى حول محاكمته بين السلطات الليبية والمحكمة الدولية مستمرا لسنوات، حيث رفضت بعض الأطراف تسليمه، وأصرت على محاكمته محليًا.
وفى يوليو 2015 صدر حكم غيابى بالإعدام ضده من محكمة طرابلس، لكن الحكم لم ينفذ بسبب الانقسام السياسى، ثم أعلن عن الإفراج عنه فى يونيو 2017 بقرار من كتيبة أبو بكر الصديق، وهو ما أثار وقتها جدلا كبيرًا بين مؤيدين اعتبروا الإفراج خطوة نحو المصالحة، ومعارضين رأوا فيه تهديدًا لمسار العدالة الانتقالية.
وبعد الإفراج عنه اتخذ سيف الإسلام احترازات أمنية مشددة، وظل يعيش فى مناطق محمية بالزنتان، بعيدًا عن الأضواء، لكنه عاد تدريجيًا إلى الساحة السياسية عبر اتصالات مع القبائل، وإعادة بناء شبكة أنصاره ليبلغ ذروة عودته فى نوفمبر 2021 حين قدم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية المؤجلة، ما أعاد إحياء آمال أنصار النظام السابق، وأثار رفضًا من خصومه الذين اعتبروا ترشحه غير مقبول قانونيًا وسياسيًا.
دور رمزى
رغم أن سيف الإسلام لم يكن زعيما عظيما، إلا أنه كان ينظر إليه باعتباره مرشحا إصلاحيا قويا، إذ كان يختلف عن والده وعن بقية القادة الليبيين من حيث الخلفية الفكرية والأسلوب السياسى، فبينما كان القذافى يتبنى خطابًا ثوريًا شعبويًا منذ وصوله إلى السلطة عام 1969 حاول سيف الإسلام أن يقدم نفسه بصورة أكثر انفتاحًا وحداثة، عبر مشروع ليبيا الغد عام 2005، الذى دعا فيه إلى إصلاحات اقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص والانفتاح على الغرب.
وتميز سيف الإسلام بقدرته على التواصل مع النخب المثقفة والشباب، بينما كان والده يعتمد على القبائل واللجان الثورية كأدوات للسلطة.
أما مقارنة ببقية القادة الليبيين بعد 2011 مثل خليفة حفتر أو عبدالحميد الدبيبة، فإن سيف الإسلام لم يكن قائدًا عسكريًا أو رجل دولة تقليديًا، بل كان رمزًا سياسيًا يحمل إرث النظام السابق ويحاول العودة عبر الانتخابات الرسمية، فى حين أن حفتر يمثل القوة العسكرية المنظمة فى الشرق والدبيبة يمثل السلطة التنفيذية المعترف بها دوليًا فى الغرب.
هذا الاختلاف جعل سيف الإسلام حالة فريدة ليس ثوريًا شعبويًا مثل والده، ولا عسكريًا مثل حفتر ولا تكنوقراطيًا مثل الدبيبة، بل شخصية رمزية تجمع بين إرث الماضى وطموح الإصلاح، وأمل عودة الدولة، وهو ما يفسر تعلق أنصار النظام السابق به، واعتباره الجسر بين ليبيا القديمة ومحاولة بناء ليبيا جديدة.
مستقبل ليبيا
يتوقع الخبراء أن تشهد ليبيا إعادة رسم لخريطتها السياسية، أو بالأحرى إعادة توزيع لمراكز النفوذ بين القوى المتصارعة، لتبقى البلاد منقسمة إلى ثلاث قوى رئيسية: الشرق تحت سيطرة الجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر، والغرب حيث حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، والجنوب الذى كان تاريخيًا مجال نفوذ قبائل مرتبطة بالنظام السابق، لكنه اليوم أصبح ساحة مفتوحة للتنافس بين الطرفين وعرضة للاستقطاب، وهو ما قد يمنح حفتر فرصة لتعزيز قوته أو يتيح للدبيبة توسيع نفوذه عبر تحالفات جديدة. فى المقابل تظل الميليشيات المحلية فى طرابلس ومصراتة والزنتان عقبة أمام أى مشروع لتوحيد البلاد، بالإضافة إلى القوى الدولية والإقليمية التى ترى فى هذا الفراغ فرصة لإعادة ترتيب المشهد فى ليبيا بما يخدم مصالحها، كما يرون أن الأيام المقبلة ستكشف عن الملامح الجديدة للخريطة الليبية، ليس فقط جغرافيًا بين الشرق والغرب والجنوب، بل أيضًا سياسيًا، ليبقى المستقبل مفتوحًا على سيناريوهين متناقضين، إما مزيد من التشظى والفوضى نتيجة تنازع القوى وتعمق الانقسامات، واحتمال تصاعد الصدامات المسلحة مع تدخلات خارجية متضاربة، أو انطلاقة نحو عهد جديد بعيدًا عن إرث النظام السابق، عبر تسوية سياسية أوسع تشمل توحيد المؤسسات صياغة دستور وطنى وإجراء انتخابات شاملة تعيد الشرعية، وتؤسس لتوازن بين الثلاثية الليبية، بما يمنح ليبيا فرصة للخروج من دوامة الفوضى نحو بناء دولة مستقرة ذات سيادة.
لكن نجاح هذا المسار يظل رهنًا بقدرة القوى الداخلية على تجاوز مصالحها الضيقة، واستعداد المجتمع الدولى لدعم المصالحة، بدلًا من تغذية الانقسامات، وأيضًا تخلى القوى الإقليمية خاصة تركيا عن طموحاتها فى الأراضى الليبية.







