الإثنين 9 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين منطق الردع وتآكل الثقة وقلق الشارع..

كيف تفاعل الداخل الإيرانى مع التهديدات الأمريكية؟

يعكس تفاعل الداخل الإيرانى مع التهديدات الأمريكية الأخيرة؛ حالة مركبة من التوتر السياسى والقلق الاجتماعى والانقسام فى المقاربات، وهو ما ظهر بوضوح فى تغطيات الصحف الإيرانية الصادرة خلال الفترة من 1 إلى 3 فبراير، إذ تداخل خطاب الردع والمواجهة مع نقاشات داخلية عميقة حول كلفة الصراع واستنزاف الدولة وتآكل الثقة بين السلطة والمجتمع.  



عودة الإعلام المطبوع

تكشف الصحف الإيرانية الصادرة فى الأول من فبراير عن عودة الإعلام المطبوع إلى الصدور؛ بعد توقف قسرى بسبب قيود الإنترنت، فى توقيت بالغ الحساسية سياسيًا.

 ورغم تجاهل الاحتجاجات التى سقط العديد من الضحايا، ركزت التغطيات على تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وربطت بين الضغوط الخارجية وتعقيد الأزمات الداخلية.

صحيفة ستاره صبح الإصلاحية وصفت المرحلة بأنها بلغت نقطة الغليان، معتبرة أن غياب استراتيجية واضحة لإدارة الصراع مع واشنطن أدخل البلاد فى مسار استنزاف مفتوح، وانتقدت اعتماد طهران على تحركات تكتيكية باتجاه موسكو وأنقرة دون تصور شامل للخروج من الأزمة.

فى المقابل، حاولت بعض الصحف نقل رسائل رسمية أكثر هدوءًا؛ فقد نقلت آرمان أمروز تصريحات الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومى على لاريجانى حول العمل على إطار منظم للمباحثات، فى محاولة لاحتواء التصعيد الإعلامى وإعادة ضبط التوقعات. 

غير أن هذا الخطاب لم يبدد الشكوك، إذ شككت آرمان ملى فى قدرة وساطات دول الجوار على تحقيق تهدئة حقيقية فى ظل غياب ضمانات واضحة وإصرار أطراف دولية على التصعيد.

حرب نفسية

فى السياق ذاته، برز خطاب يربط التهديدات الأمريكية بحرب نفسية تستهدف الداخل الإيراني؛ فقد وصف مصطفى بورمحمدى، فى حوار مع صحيفة مردم سالارى، الضغوط الأمريكية والأوروبية بأنها عملية منظمة لكسر هيبة الدولة ودفعها إلى مفاوضات قسرية. 

وعلى الضفة الأخرى، صعّدت الصحف المقربة من التيار المحافظ لهجة الردع، حيث لوحت صحيفة كيهان بإغلاق مضيق هرمز، واعتبرت أن أى حوار مع واشنطن يجب أن يكون قائمًا على ضمانات، منتقدة تصنيف الاتحاد الأوروبى للحرس الثورى منظمة إرهابية لما يحمله من تداعيات أمنية إقليمية.

لكن هذا الخطاب التصعيدى لم يمر دون نقد داخلي؛ فقد رأت عصر توسعه أن رفع سقف التهديد دون تقديم مسار عملى يعكس أزمة مزمنة فى مقاربة الملف التفاوضى، تقوم على الخطاب السياسى أكثر من الحلول الواقعية. 

الخطاب التعبوي

وذهبت صحيفة أترك إلى انتقاد اعتماد الخطاب التعبوى لتوحيد الداخل، معتبرة أنه يتجاهل جذور الأزمات المعيشية وفشل الحوكمة، ولا يقدم إجابات على أسئلة المواطن اليومية.

انعكست التهديدات الخارجية أيضًا على النقاش الداخلى حول الفجوة بين السلطة والمجتمع. فقد اعترف الرئيس مسعود بزشكيان، وفق آرمان امروز، بأن أداء المسؤولين ساهم فى تعميق هذه الفجوة، وسط انتقادات لغياب آليات تنفيذية لمعالجة الأزمة. وحذر ناشطون عماليون، عبر صحيفة كار وكاركر، من تسارع تدهور الأوضاع المعيشية وانفصال صناع القرار عن واقع المجتمع، فى ظل تغول شبكات اقتصادية غير رسمية. 

خطاب المرشد

فى الثانى من فبراير، هيمن خطاب المرشد على خامنئى فى ذكرى عشرة الفجر على واجهات الصحف، بوصفه إعادة تأكيد على معادلة الصراع مع الولايات المتحدة.

 رأت همشهرى أن الخطاب يعيد تعريف المواجهة كحرب إقليمية رادعة، بينما اعتبرت صحيفة إيران الرسمية أنه اختزل الأزمات الداخلية والخارجية فى سردية الصراع الوجودى مع واشنطن، مستدعيًا الذاكرة الثورية لتجديد الشرعية.. وذهبت جوان التابعة للحرس الثورى إلى تصوير الاحتجاجات ضمن إطار فتنة خارجية، فى محاولة لتعزيز التماسك الداخلى عبر التهديد الخارجى.

مخاطر التصعيد

فى المقابل، قدمت الصحف الإصلاحية قراءة أكثر نقدية، فقد تساءلت شرق عن مخاطر التصعيد على علاقات إيران العربية، محذرة من أن أى مواجهة غير محسوبة قد تقوض الثقة الإقليمية. 

واعتبرت اقتصاد مردم أن السياسة الإيرانية لا تزال أسيرة خطاب تعبوى يفتقر إلى استراتيجية متكاملة لمعالجة جذور الأزمات. كما رأت آرمان أمروز أن خطاب بزشكيان، رغم ربطه بين استدامة النظام والعدل الحكومى، ظل حبيس الشعارات دون أدوات تنفيذ.

التفاوض المحتمل

على صعيد الدبلوماسية، عكست الصحف صورة متناقضة لمسار التفاوض المحتمل، فقد تحدثت مردم سالارى عن إشارات دبلوماسية مشروطة فى تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجى، لكنها رأت أن أزمة الثقة التاريخية مع واشنطن تحد من فرص تحويل هذه الإشارات إلى نتائج ملموسة. 

تعدد الوسطاء

وحذرت دنياى اقتصاد من أن تعدد الوسطاء وغياب الضمانات قد يحول أى اتفاق محتمل إلى صيغة هشة قصيرة العمر، فيما اعتبرت سياست روز أن الجمع بين لغة الردع والدبلوماسية يربك الوسطاء ويضعف مصداقية المفاوضات.

اقتصاديًا، ربطت الصحف بين التهديدات الخارجية وتفاقم الضغوط المعيشية؛ فقد رأت اعتماد أن نشر قائمة تضم 2986 من ضحايا الأحداث الأخيرة يمثل اعترافًا رمزيًا بالمسئولية، لكنه يظل ناقصًا دون إصلاحات بنيوية.

الأزمة المعيشية

 وأكد خبراء اقتصاديون، مثل مسعود نيلى، أن فشل السياسات الاقتصادية مرتبط بسوء الإدارة وتجاهل البعد الاجتماعى والدولى، محذرين من أن أى إصلاح بلا ثقة مجتمعية محكوم بالفشل. 

كما حذر ممثلو العمال من تآكل القدرة الشرائية وسياسات كبح الأجور، معتبرين أن الأزمة المعيشية تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلى.. ومع حلول الثالث من فبراير، بدت الصحف أكثر صراحة فى الربط بين التهديدات الأمريكية وغضب الشارع؛ فقد حذرت شرق من أن المفاوضات المرتقبة قد تتحول إلى أداة لإدارة الأزمة لا حلها، بينما شددت آرمان ملى على أن نجاح أى مسار تفاوضى مرهون بتغيير السلوك الأمريكى وتقديم ضمانات ملموسة.

 فى المقابل، حذر محللون محافظون من أن المفاوضات قد تكون مناورة أمريكية قصيرة الأمد عالية المخاطر.

اللافت أن النقاش الإعلامى تجاوز السياسة الخارجية إلى أسئلة أعمق حول الشرعية الاجتماعية، فقد دعا خبراء اجتماعيون، عبر الصحف الرسمية، إلى تعزيز الحوار المجتمعى وفصل الاحتجاج عن العنف، منتقدين المعالجات الأمنية التى تعمق الفجوة مع الشارع.

كما حذر اقتصاديون من أن حالة اللا حرب واللا سلم خلقت بيئة طاردة للاستثمار، وجعلت الاستقرار الاقتصادى رهينة للتقلبات السياسية.

فى المحصلة، تعكس تغطية الصحف الإيرانية تفاعلًا داخليًا مع التهديدات الأمريكية يتسم بالتعقيد والتشظى. 

فبينما يتمسك الخطاب الرسمى بمنطق الردع ومواجهة الضغوط الخارجية، تتصاعد فى الإعلام الإيرانى أسئلة جوهرية حول كلفة هذا المسار على المجتمع والاقتصاد، وحدود القدرة على تعبئة الداخل فى ظل أزمات معيشية عميقة.

ويبدو أن التهديدات الأمريكية لم تؤد إلى توحيد الداخل الإيرانى بشكل كامل، بل أعادت فتح نقاش واسع حول العلاقة بين السياسة الخارجية والاستقرار الداخلى، وحول ما إذا كانت إدارة الصراع كافية، أم أن المرحلة تتطلب مراجعة أعمق تعيد بناء الثقة وتحدد مسارًا أكثر وضوحًا للمستقبل.