أول مواجهة مع الذكاء الاصطناعى فى 2026
السويد تحظر أغنية مولدة آليـًا.. رغم نجاحها
نرمين ميلاد
أثارت أغنية سويدية مولَّدة بالذكاء الاصطناعى جدلًا واسعًا فى الأوساط الفنية والإعلامية، بعدما حققت انتشارًا هائلًا على منصات البث، قبل أن يتم استبعادها رسميًا من القوائم الموسيقية فى السويد. الأغنية، التى ظهرت باسم فنان غير معروف، نجحت خلال فترة قصيرة فى حصد ملايين مرات الاستماع على أحد أشهر منصات الأغانى، ما دفع كثيرين للاعتقاد بأنهم أمام موهبة جديدة فى الساحة الموسيقية.
غير أن التحقيقات اللاحقة كشفت أن «الفنان» ليس شخصًا حقيقيًا، بل هو هوية مصطنعة، وأن الأغنية أُنتجت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى.
ومع تصاعد الجدل، تدخلت الجهات المسؤولة عن القوائم الموسيقية الرسمية فى (السويد)، وقررت حظر إدراج الأغنية ضمن التصنيفات الوطنية، استنادًا إلى قواعد تشترط أن يكون العمل نتاج إبداع بشرى واضح، لا مجرد توليد آلى. القرار لم يمنع الأغنية من البقاء على منصات البث، لكنه حرمها من الاعتراف الرسمى ومن المنافسة فى القوائم المعتمدة.
وهنا لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعى مقتصرًا على الوظائف أو البيانات، بل اقتحم أحد أكثر المجالات حساسية: الموسيقى. فبين لحنٍ يولده خوارزم، وصوتٍ لا ينتمى إلى حنجرة بشرية، يقف العالم اليوم أمام سؤال جوهرى: من يملك الحق فى الإبداع؟
فالأغانى المولَّدة بالذكاء الاصطناعى لم تعد تجارب هامشية، بل أصبحت قادرة على تصدّر قوائم الاستماع، ومنافسة أعمال فنانين حقيقيين، وهو ما فجر صراعًا مفتوحًا بين الإنسان والآلة داخل صناعة طالما ارتبطت بالمشاعر والذات الإنسان.
تصدرها التريند
تصدرت أغنية «جاكوب» وهو اسم المغنى الآلى قوائم الأغانى وأصبحت من أفضل 50 أغنية على قائمة المنصة الشهيرة حيث حصدت الأغنية أكثر من 5 ملايين مرة استماع قبل حظرها، وأثار هذا النجاح جدلًا حول قدرة الـAIعلى إنتاج توليفات موسيقية إبداعية وتأثير ذلك على الموسيقيين والمغنيين البشريين، وطرح تساؤلًا حول إمكانية فنانى الـ AI على منافسة الفنانين البشريين.
«وقفنا تحت المطر عند بوابتك وركضنا للخارج.. وكل شىء سار بسرعة.. الآن أعلم أنك لست لى.. وعودك لم تتحقق» بهذه الكلمات وضعت الأغنية فى الصدارة.
رحلة البحث
بدأ الصحفى الاستقصائى «إيمانويل كارلستن» بالبحث عن هوية المغنى الذى حقق كل ذلك النجاح، والذى لم يكن لديه أى ملف تعريف مهم على وسائل التواصل الاجتماعى، ليكتشف أن الأغنية مسجلة باسم مجموعة من المديرين التنفيذيين المرتبطين بشركة «ستيلار ميوزيك»، وهى شركة نشر وتسويق موسيقى مقرها (الدنمارك). وبالبحث تبيَّن لـ«كارلستن» أن اثنين من هؤلاء المديرين يعملان فى قسم الذكاء الاصطناعى بالشركة.
رسالة بريد إلكترونى
وبحسب «الجارديان» أصدر المنتجون- الذين يطلقون على أنفسهم اسم فريق جاكوب- رسالة بريد إلكترونى مطولة إلى «كارلستن»، مؤكدين أن عمليتهم الإبداعية قد أُسىء فهمها.
وكتبوا: «لسنا شركة تقنية مجهولة الهوية قامت فقط بـ«الضغط على زر»، لكن يتكون الفريق الذى يقف وراء جاكوب من مبدعين موسيقيين وكتاب أغانى ومنتجين ذوى خبرة، استثمروا الكثير من الوقت والجهد والمشاعر والموارد المالية لإنتاج الأغنية»، كما وصفوا الذكاء الاصطناعى بأنه «أداة» أو «أداة مساعدة» ضمن «عملية إبداعية يتحكم بها الإنسان». وقالوا إن الخمسة ملايين استماع على تطبيق الأغانى دليل على «القيمة الفنية طويلة الأمد» للأغنية.
أما فيما يتعلق بمسألة ما إذا كان «جاكوب» شخصًا حقيقيًا، فقد قدمت الشركة ردًّا فلسفيًا حيث قالوا: «هذا يعتمد على كيفية تعريفك للمصطلح، جاكوب هو مشروع فنى تم تطويره وتنفيذه بواسطة فريق من كتاب الأغانى والمنتجين والمبدعين، كما أن المشاعر والقصص والتجارب الموجودة فى الموسيقى حقيقية، لأنها تنبع من أناس حقيقيين».
ومن جانبها، قالت شركة «ستيلار» فى بيان لها: يتم توليد صوت الفنان جاكوب وأجزاء من الموسيقى باستخدام الذكاء الاصطناعى كأداة فى عمليتنا الإبداعية، لكننا فى المقام الأول شركة موسيقى يديرها محترفون مبدعون، وليست شركة تقنية أو شركة ذكاء اصطناعى. وأكدت أن صناعة أغنية ناجحة تطلب «نهجًا مختلفًا» عن مجرد استخدام أداة ذكاء اصطناعى لإنتاج لحن، وأضافت: «نحن موسيقيون محترفون شغوفون وذوو خبرة، استثمرنا الكثير من الوقت والجهد والتفانى فى كتابة وإنتاج هذا العمل، وقد كانت عملية الإبداع عملية موجهة برؤية فنية واضحة».
رد المسئولين
لم يُعجب هذا الرد منظمة IFPI السويدية لصناعة الموسيقى، التى منعت ظهور الأغنية فى قوائم الأغانى الوطنية الرسمية للبلاد. قال «لودفيج فيرنر»، رئيس الاتحاد الدولى للصناعة الفونوجرافية «قاعدتنا هى أنه إذا كانت الأغنية مولدة بشكل أساسى بواسطة الذكاء الاصطناعى، فليس لها الحق فى أن تكون على القائمة العليا».
ومن جانبه، يقول «نيوتن- ريكس»، وهو ملحن وناشط فى مجال حماية حقوق التأليف والنشر للفنانين، إن نجاح جاكوب يؤكد الحاجة إلى وضع علامات إلزامية للذكاء الاصطناعى.
أما عازف الجيتار والصحفى الموسيقى، «جو ماتيرا»، فقال لشبكة ABC News Australia: «الأغنية رائعة، لكن لسوء الحظ، تفتقر إلى أحد أهم العناصر، وهو العاطفة»، على الرغم من أن الأغنية «جيدة جدًا»، إلا أنها «مضللة» أيضًا.
اقتصاد الذكاء الاصطناعى وحقوق الملكية
تسعى السويد إلى ترسيخ مكانتها كمختبر عالمى لاقتصاد الذكاء الاصطناعى، وسط مخاوف من أن يؤدى هذا التوحه إلى خفض عائدات صناع الموسيقى فى البلاد بنسبة تصل إلى الربع خلال العامين المقبلين.
وقد أطلقت جمعية حقوق الموسيقى السويدية (STIM) نظام ترخيص فى سبتمبر الماضى، مما يسمح لشركات التكنولوجيا بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعى الخاصة بها بشكل قانونى على الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر مقابل دفعات حقوق الملكية. خلال حفل الإطلاق، وصفت «لينا هيمان» من شركة STIM الإطار بأنه «أول ترخيص جماعى للذكاء الاصطناعى فى العالم». وقالت إنه «سيُظهر أنه من الممكن تبنى التغيير الجذرى دون المساس بالإبداع البشرى».
تؤكد مجلة بيلبورد أن قوائمها تعكس أذواق المستمعين. وتُعتبر المقطوعات مؤهلة إذا استوفت معاييرها المتعلقة بالمبيعات والاستماع عبر الإنترنت والبث الإذاعى، حتى لو كانت مُولّدة بواسطة خوارزميات.
لكن منصة Bandcamp، المعروفة بدعمها للفنانين المستقلين، اتخذت موقفًا أكثر صرامة. وقد حظرت الموسيقى التى يتم «إنتاجها كليًا أو جزئيًا بواسطة الذكاء الاصطناعى». ويشمل ذلك المقطوعات الموسيقية التى تم تأليفها أو إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعى أو باستخدام نسخ صوتية
. فرق أخرى بالذكاء الاصطناعى
ذكرت صحيفة «جارديان» أن «جاكوب» ليس أول فنان مُولّد بالذكاء الاصطناعى يحقق نجاحًا جماهيريًا. فقد حصدت فرقة تُدعى «ذا فيلفيت ساندون» أكثر من مليون استماع العام الماضى قبل أن يتضح أنها مُولّدة بالذكاء الاصطناعى، بما فى ذلك صورها الترويجية وقصتها وموسيقاها.
من المتوقع أن تشهد الموسيقى المُولّدة بالذكاء الاصطناعى نموًا هائلًا فى السنوات القادمة، لتصبح صناعة تُقدّر قيمتها بمليارات الجنيهات. ومع انطلاق حقبة جديدة فى صناعة الموسيقى الرقمية، يُشير الجدل الدائر فى السويد حول شركة جاكوب إلى أن الموسيقيين البشريين، وليس الآلات، هم من يُحدّدون مسار الموسيقى، على الأقل فى الوقت الراهن.







