المعرض من الندوة التى قتلت فرج فودة إلى الكتاب الذى فرق بين أبوزيد وزوجه
«ضد التطرف»
رشدى الدقن
لم تفاجئنى الطوابير المتزايدة أمام «ركن الفتوى» بجناح الأزهر الشريف، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابعة والخمسين، تلك الطوابير التى لفتت أنظار زوار المعرض، فى مشهد يعكس حجم الإقبال الجماهيرى على الجناح، خاصة من فئة الشباب، الباحثين عن إجابات مباشرة لقضايا فكرية واجتماعية ودينية تمس واقعهم اليومى.
لم تفاجئنى الطوابير لأن المعرض على مدار تاريخه كان حائط صد قوى «ضد التطرف».. فدائمًا احتفظ الكتاب الدينى بالصدارة فى التوزيع .. ودائمًا ما ساهمت الكتب الدينية «المستنيرة» فى زيادة حركة المبيعات حتى فى ظل حالة الركود فى حركة النشر ودائمًا ما تحقق كتب التفاسير وشرح الفقه والسيرة النبوية والأحاديث أعلى نسبة مبيعات..وعلى سبيل المثال كان لافتًا فى الدورة الـ «38» أى ما يقرب من 20 سنة مضت تصدر مبيعات أسطوانات (C.D) وشرائط الكاسيت الدينية.. ووقتها لجأت جميع دور النشر إلى عرض الكتب الدينية لكبار العلماء وبأسعار زهيدة رغم ارتفاع أسعار الورق والأحبار والطباعة ويرجع السبب كما قال الناشرون أيامها أن أغلب المؤلفين لا يريدون المكسب بقدر ما يريدون نشر الثقافة الإسلامية.. وقد ارتفعت أيضًا مبيعات كتب الأطفال والوسائل التعليمية المتعلقة بهم.
الكتب الدينية والمجتمع المصرى
ورغم أن مثقفًا كبيرًا بحجم الراحل دكتور سمير سرحان كان دومًا مايبدى قلقله من أن الكتب الدينية كونها هى الأكثر مبيعاً فى السوق المصرية وهناك من شاركه القلق على أساس أن بعض الكتب الدينية التى تتناول قصص الصالحين والتفسيرات وما إلى ذلك هى بالنهاية تدفع القارئ لمزيد من الاعتقاد بالغيبيات إلا أن الكتب الدينية وانتشارها أصبحت ظاهرة اكتسحت المجتمع المصرى فى خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأركز هنا على «المصرى» للتأكيد على انتشارها بين المسلمين والمسيحيين على السواء.. فسير القديسين ومعجزاتهم غير المحدودة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من كل بيت مسيحى ومن قراءات الكبار والصغار.
أما أبرز ما يمكن رصده فى وقوف معرض الكتاب حائط صد قوى ضد التطرف.. ما حدث فى العام 1992..والدعوة بشجاعة كبيرة لمناظرة فكرية بين المفكر الكبير الراحل فرج فودة علماء دين ..هذه المناظرة التى انتهت باستشهاد فرج فودة دفاعا عن رأيه وحقه فى التفكير.
الدولة الإسلامية والدولة المدنية
قبل دقائق من انطلاقها فى الثامن من يناير 1992، ضجت القاعة بالتكبير والحمد والثناء، وتعالت هتافات «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا».. وهو ما دفع الدكتور سمير سرحان، محاور المتناظرين على طاولة النقاش إلى دعوة الحضور، الذين تجاوز عددهم الـ30 ألفاً، إلى الهدوء والإنصات لبدء حديث الضيوف، لم يأبه الحاضرون لهذه الدعوة، وظلوا يرددون هتافاتهم قبل أن يتدخل المحاور مجدداً طالباً الدعم من أعلى قامة دينية فى النقاش، هو الشيخ محمد الغزالي، وطالبه بتكرار دعوته إلى الحضور بالهدوء لانطلاق المناظرة.. هكذا كان المشهد معبئاً على هامش مناظرة جدلية، حملت عنوان «مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية»، وانقسم فيها الحاضرون إلى فريقين، الأول إسلامى التوجه ويضم الشيخ محمد الغزالى، ومرشد الإخوان مأمون الهضيبى، والمفكر المصرى محمد عمارة.. أما الفريق الثانى فضم فرج فودة والأستاذ محمد خلف الله أحد أعضاء حزب التجمع، فى مناظرة أعدتها الهيئة العامة للكتاب فى مصر ضمن سلسلة من المناظرات على هامش معرض القاهرة الدولى للكتاب.
ورغم تركيز الفريقين على الحديث حول الحكم والتاريخ الإسلامى وجدوى العلمنة تاريخا وحاضراً فى العالم العربى وانتهائها بسلام، إلى أنها وضعت كلمة النهاية فى حياة «فودة» الذى أثارت أفكاره جدلا فى حياته وبعد اغتياله فى الثامن من يونيو 1992، بعد ستة أشهر من التعبئة والتحريض من قبل رجال دين والجماعات المتشددة.
جدل المثقفين ورجال الدين
منذ إنتاجاته الفكرية الأولى أثارت كتابات فرج فودة جدلا واسعا بين المثقفين والمفكرين ورجال الدين وشنت جبهة علماء الأزهر والجماعات الإسلامية معًا هجومًا كبيرًا عليه، وصلت حد تكفيره والدفاع عن قاتله «بأنه لم يتورط فى جريمة قتل، بل طبق حدود الله على المرتد»، بحسب شهادة الشيخ محمد الغزالى فى المحكمة.
فى المناظرة ذاتها، كان الجدل محتدمًا، وبلغ تبادل الاتهامات ذروته، ووفق الفيديو المُوثِق لها.. بدأت المناظرة بكلمة للشيخ الغزالى ذكر فيها أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية وتبعه المستشار الهضيبى المتحدث باسم الإخوان الذى ركز على أهمية أن يكون الجدل والنقاش بين «الدولة الإسلامية» و»الدولة اللاإسلامية» مؤكدًا «أن الإسلام دين ودولة وليس دينًا فقط»؛ وخلال هذه الكلمات كانت الصيحات تتعالى والصرخات تشتد والحناجر تزأر؛ وتخيف كل من يعترض على أحاديث الغزالى والهضيبي.. من جانبه، كان فرج فودة آخر المتحدثين؛ أمسك الميكروفون وبدأ كلماته بالرد على ما دار من حديث، وجاء فيها «الإسلاميون منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إليه دون أن يعدوا أنفسهم لذلك»، مشيراً إلى ما قدمته بعض الجماعات المحسوبة على الاتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء، مستشهداً بتجارب لدول دينية مجاورة على رأسها إيران قائلًا: «إذا كانت هذه هى البدايات، فبئس الخواتيم»، ثم قال للجميع «الفضل للدولة المدنية أنها سمحت لكم أن تناظرونا هنا، ثم تخرجون ورؤوسكم فوق أعناقكم؛ لكن دولا دينية قطعت أعناق من يعارضونها».
وتابع فودة فى كلمته: «لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين فى أعلى عليين، أما الدولة فهى كيان سياسى وكيان اقتصادى واجتماعى يلزمه برنامج تفصيلى يحدد أسلوب الحكم».. لينهى كلمته بالدعوة إلى الله أن يهتدى الجميع بهدى الإسلام، وأن يضعوه فى مكانه العزيز، بعيدًا عن الاختلاف والمطامع».
بعد كلمات فودة، سرعان ما انطلقت صيحات الاستهجان، التى بدأت معها حملة التجييش الإعلامى ضد فكر الرجل وتصريحاته، حتى وصلت الرحلة إلى المحطة الأهم فى الثالث من يونيو 1992، حين نشرت جريدة النور الإسلامية، التى كان بينها وبين فرج فودة قضية سب وقذف، بيانًا من ندوة علماء الأزهر مُوقَّعًا من عدد من كبار الدعاة الإسلاميين فى الدولة، يكفِّر فرج فودة ويدعو لجنة شئون الأحزاب لعدم الموافقة على إنشاء حزبه (المستقبل).
بعد خمسة أيام فقط من بيان جريدة النور، وتحديدًا فى الثامن من يونيو انتظر شابان من الجماعة الإسلامية على دراجة بخارية أمام جمعية التنوير المصرى التى كان يرأسها فودة، بشارع أسماء فهمى بمصر الجديدة حيث مكتب فودة.. وفى الساعة السادسة والنصف مساء، وعند خروجه من الجمعية بصحبة ابنه أحمد وصديق، أطلقوا عليه الرصاص.
التطرف والتفتيش عن نوايا البشر
وبالتحقيق مع أحدهما أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد.. وحينما سأله المحقق، «لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتباً تدعو إلى الكفر والإلحاد، تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب»... وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب «لنحرق قلب أهله عليه أكثر».. وقوف معرض الكتاب ضد التطرف..لم يكن قديمًا فقط ..ففى العام 2024..أعاد معرض الكتاب سيرة الراحل الكبير الدكتور نصر حامد أبوزيد وظهر ضمن فعالياته المهمة، وفى محور كاتب وكتاب، استضاف ندوة مهمة وساخنة أيضًا عن الدكتور أبو زيد، والذى أثار جدلًا كبيرًا بشأن كتاباته فى الفكر الإسلامى والدينى، ومعارضته سلطة النص المطلقة.. وهو الأمر الذى انتهى بهجرته خوفًا من التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس .
أزمة «أبوزيد» كان بإمكانه إنهاؤها من البداية بأن «ينطق بالشهادتين» أمام المحاكم المصرية لينهى القضية التى شغلت الرأى العام العربى خلال منتصف التسعينيات، لكنه اختار الطريق الصعب، ورفض مثل هذه الضغوط تجنبًا لـ«التفتيش عن نوايا البشر»- وفقًا لتعبيره.
• تعد «سهير القلماوى» أول امرأة تتولى رئاسة المعرض، وشغلت المنصب فى الفترة من 1969 وحتى 1971 وشهدت تأسيس أول معرض للكتاب عام 1969.
• تسلم إدارة المعرض الدكتور «محمود الشينيطي» وكيل وزارة الثقافة لشئون المكتبات والوثائق القومية، وذلك فى الفترة من 1972 وحتى 1978.
صنــاع الحــدث الثقــافى.. رؤســـاء قادوا معـــرض القاهـــرة الدولـــى للكتـــاب
• وشغل منصب رئيس المعرض أيضًا الشاعر «صلاح عبد الصبور» فى الفترة من 1980 وحتى 1981.
• وتسلم المنصب الناقد «عز الدين إسماعيل» عام 1982، ثم أسندت إليه رئاسة أكاديمية الفنون عام 1985.
• وتولى قيادة المعرض الدكتور «سمير سرحان» فى الفترة من 1985 وحتى 2004، وتسلم أيضًا مهمة الإشراف على مشروع مكتبة الأسرة.
• شغل المنصب الدكتور «ناصر الأنصارى» فى الفترة من 2005 وحتى 2009 ، وارتبط اسمه بتطوير مطابع الهيئة العامة للكتاب.
• وتولى رئاسته الدكتور «أحمد مجاهد» أستاذ النقد الأدبى فى الفترة من 2011 وحتى 2015.
• تسلم الدكتور «هيثم الحاج» رئاسة المعرض فى الفترة من 2015 وحتى 2022، وشهدت فترة توليه إلغاء أول معرض للكتاب بسبب جائحة كورونا.







