الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بنت المؤذن والبرلمان واستحقاق دستورى مؤجل

بنت المؤذن والبرلمان واستحقاق دستورى مؤجل

ما العلاقة التى تربط بين الثلاثة فى العنوان أعلاه، قد يبدو لأول وهلة أنه لا يوجد شىء مشترك بينهم، ولكن إذا مَددنا الخطوط سنجد أنهم يلتقون فى النهاية، الطالبة المجتهدة التى اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعى ببنت المؤذن بعد أن نشرت حكايتها وشكواها، وقالت إنها حصلت على تقدير امتياز فى كلية الألسن جامعة سوهاج، وكانت تتمنى أن تصبح  معيدة فى الكلية لكن أحد الأساتذة بالكلية صدمها بقوله: «بنت المؤذن لا تصلح معيدة»!، ورد عميد الكلية بعد انتشار حكايتها بأن عدم تعيينها لا يتعلق بوضع أبيها الوظيفى فالجميع أمام القانون سواء، و«أن تعيين المعيدين يتم حسب خطة خمسية، تحدد احتياجات الكليات من المعيدين، وهى خطة تم اعتمادها من مجلس الجامعة منذ خمس سنوات، أى قبل التحاق الطلاب المعنيين بالكلية، بما يؤكد شفافية الإجراءات وعدم ارتباطها بأشخاص أو حالات بعينها»،  وأيًا ما كانت الحقيقة وهل بالفعل هناك أستاذ جامعى يرى أن مهنة المؤذن تمنع أبناءه من التعيين فى الجامعة؟ أمْ أن هناك مبالغة من الطالبة؟ فإن الواقعة تطرح سؤالاً: ما الحل لمنع حدوث مثل هذه الوقائع، وعدم تكرارها؟ خصوصًا  أن الشكاوَى من التمييز تعددت بأشكال وصياغات مختلفة؟ وربما كان أكثر الوقائع تتعلق بالعمل،  فكثير من المواطنين يشعرون أن هناك وظائف ممنوعة على البسطاء والفقراء وأنها محجوزة لأبناء الحظوة والصفوة، وهو ما يشعرهم بالظلم لأنهم يرون أنهم يستحقون هذه الوظائف وحرموا منها بسبب تمييز دينى أو اجتماعى أو عرقى أو جنسى، كما أن هناك شكاوَى من أنواع أخرى من التمييز يمارس فى مجالات أخرى غير الوظائف، وسواء كان من يشكون على حق فى شعورهم أمْ هناك مبالغات؛ فإن الأمر يحتاج إلى حل يتصدى لهذه الجريمة ويوقف مثل هذه الوقائع إن صحت، أو ينهى الادعاءات إذا لم تكن صحيحة أو بها مبالغات، والحل فى تطبيق الدستور وتنفيذ ما جاء به من استحقاقات تم تأجيلها حتى الآن رغم مرور12 عامًا على صدوره، وأهمها إنشاء مفوضية مناهضة التمييز التى نص عليها الدستور فى المادة 53 «المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى أو الانتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر، والتمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض».. لقد مرّت كل هذه السنوات على صدور الدستور وانتهت مُدتان لمجلس النواب، ولم تظهر هذه المفوضية إلى النور، ولذا على  البرلمان الجديد أن يتدارك الأمر ويضع ضمن أولوياته إصدار قانون إنشاء هذه المفوضية،  على أن يكون دورها الأساسى إنصاف المظلومين جميعًا، وعونًا للمواطن فى الحصول على حقه، وتكون أيضًا الطريق لعقاب من يرتكب جريمة التمييز، إذ من المفترض أن يتم منحها صلاحيات  تَلقّى الشكاوَى ومتابعة البلاغات والتحقيقات والتفتيش على الجهات والمؤسّسات المشكو فى حقها.



ما يساهم فى التحقق من صحة الواقعة وإحالة من ارتكبوا جريمة التمييز للنيابة والمحاكمة.. وأعتقد أن قانون إنشاء المفوضية يجب أن يتضمن أيضًا تمتعها بالاستقلال المهنى والمالى، وأن يتم اختيار أعضائها من المحامين والقضاة السابقين والشخصيات العامة المهتمة بحقوق الإنسان والفاعلين فى المجتمع المدنى، وأن يكون لها فروع فى المحافظات.. ولعل من الواجب طرح مشروع إنشاء المفوضية على النقاش المجتمعى للوصول إلى أفضل صيغة تمكّنها من القيام بدورها.. لقد كتبتُ أكثرَ من مَرّة عن أهمية هذه المفوضية التى سيساهم إنشاؤها فى تقليل الاحتقان فى المجتمع؛ خصوصًا لدى أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة الذين يشعرون بالتهميش ويعتقدون أنهم لن يحصلوا على حقوقهم؛ لأنه ليس لديهم واسطة، وهو شعور سلبى ينعكس على المواطن ويجعله عرضة لليأس وفقدان الأمل، ووجود هذه المنظمة يقضى على هذا الإحساس سواء كان صادقًا أو مبالغًا فيه لأنها ستتحقق من وجود تمييز من عدمه وتعيد الحق لأصحابه.. واقعة بنت المؤذن  فرصة لكى يتحمس مجلس النواب ويقوم بدوره فى تفعيل مواد الدستور وإصدار قانون إنشاء المفوضية، التى يساهم وجودها بفاعلية فى تطبيق قواعد المواطنة التى أقرّها الدستور فى المادة التاسعة والتى نصت على: «تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز»..   المفوضية استحقاقٌ دستورىٌ تأخّر كثيرًا ونأمل أن نراه قريبًا مع البرلمان الجديد.