الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من مرارة الواقع لسطوة الرقابة ومعارك رفقاء الرحلة:

كواليس 5 أفلام فى حياة «يوسف شاهين»

لم يكن «يوسف شاهين» يصنع أفلامًا بقدر ما كان يخوض معارك حياة كاملة أمام الكاميرا وخلفها. كل فيلم عنده لم يبدأ بـ«أكشن» وينتهى بـ«فركش»، بل بدأ بسؤال وجودى وانتهى ببصمة جديدة فى ذاكرة السينما.  لم تكن الكواليس عند «شاهين» مساحة تقنية صامتة، بل مسرحا خفيا تتصارع فيه الأفكار، وتختبر فيه الشجاعة.. وفى السطور التالية نحكى كواليس 5 من أفلام «شاهين» صُنعت فى أزمنة وظروف مختلفة.  



 

 أنت حبيبى

 

فيلم (أنت حبيبى) الذى أخرجه «يوسف شاهين» عام 1957 له قصة لا تقل فى كوميديتها عن كوميديا الفيلم نفسه، فما حدث أن «شاهين» كان قد أخرج فيلم (ودعت حبك) عام 1956 من بطولة «فريد الأطرش وشادية»، وبعد عرض الفيلم الذى لم يحقق أى نجاح تجارى بسبب قيام العدوان الثلاثى فى نفس يوم صدور الفيلم فى 29 أكتوبر 1956، كان «شاهين» يمر بأزمة مادية خانقة يصفها بنفسها قائلا: «كنت هموت من الجوع» ليجد مكالمة بعد منتصف الليل من «فريد الأطرش»، «تعالى حالا يا جو، فكرة فيلم هايلة»، يذهب «جو» الذى يتوق إلى أى عمل أيًا كان ويجد «فريد» مع أصدقائه يقولون له: «تخيل واحد بيجرى فى الشارع والناس بتقوله إنت بتجرى ليه يقولهم مش عايز أتجوز» ويقع «فريد» وأصدقاؤه فى نوبة من الضحك ويضطر «شاهين» أن يضحك معهم، فإن لم يضحك لن يكون هناك فيلم. ثم يسأل قائلا «كمل.. وبعدين» فيقول «فريد»: «بس هى دى الفكرة وهنصور بعد أسبوع»، ويكلف «أبو السعود الإبيارى» وكان أحد الحاضرين بكتابة السيناريو وبالفعل يكتب «الإبيارى» الفيلم فى ثلاث أيام ليبدأ التصوير.. وأثناء التصوير تأتى معركة شديدة الكوميدية بين «فريد وشاهين»، عندما يدخل الأول فى أحد الأيام إلى الاستوديو ليجد فى الديكور مقعدا ملقيا على الأرض، فيهم «فريد» ليعدل وضع المقعد، لكن «شاهين» يقول له: «اتركه فهذا هو وضعه فى المشهد لأن شادية سوف تدفعك وتقع بالكرسى على الأرض».. فيذهل «فريد» ويقول «إنت عايز فريد الأطرش يقع» فيرد «شاهين»: «لا مش فريد الأطرش.. «القفل» البطل هو اللى هيقع»، فيثور «فريد» ويرفض تصوير المشهد ويتوسط مدير أعماله وأخوه «فؤاد الأطرش» بين الأثنين ليرجو «شاهين» فى النهاية قائلا: «يا جو أرجوك لو صممت تعمل المشهد زى ما انت عايز فريد عنده القلب وممكن يموت» ويرد «شاهين»: «لو معملش المشهد زى ما أنا عايز أنا اللى هموت»، ويمر هذا الموقف ليأتى موقف آخر هو الأكثر كوميدية وعبثا، فبعد انتهاء الفيلم تذهب النسخة للرقابة وهناك يتم وزنها لتقدر بـ21 كيلو فيجد «يوسف شاهين» مكالمة من الموزع صارخا: «لا يا جو.. مينفعش.. أفلام فريد الأطرش لا تقل عن 24 كيلو.. لازم تزود 3 كيلو». وفى ليلتلها، يكتب الشاعر «محمود فهمى إبراهيم» أغنية (زينة) ويلحنها «فريد الأطرش»، ويقرر «شاهين» تصوير يوم إضافى فى الصحراء، محاولا تضفير الأغنية مع أحداث الفيلم وبالفعل ينجح. ليبقى (أنت حبيبى) بكل أغانيه ومن ضمنها (زينة) واحدًا من أجمل الأفلام الكوميدية الغنائية.

 

 

 

العصفور

فيلم (العصفور) صُنع تحت الرقابة والخوف والأسئلة المؤجلة، وكواليسه لا تقل مرارة عن مشاهده.. فعقب العدوان الإسرائيلى على مصر فى يونيو1967 وخلف أسوار سجن القلعة كتب الشاعر «أحمد فؤاد نجم» ولحن وغنى «الشيخ امام» رائعة (مصر يا امه يا بهية) والتى وعلى إلهامها كتب «لطفى الخولى» قصة فيلم (العصفور) ليكون أول فيلم يصنع من وحى أغنية، ويقرر «يوسف شاهين» عمل الفيلم لا ليحكى عن الهزيمة وأهوال ما فعلته فى المصريين ولكن ليؤكد على عزيمة الشعب المصرى وإصراره على الحرب بل والانتصار.. الفيلم منع رقابيا والسبب أن وزير الثقافة آنذاك «يوسف السباعى»، شعر أن الفيلم يقدم شخصية ترمز لشخصية شقيقه اللواء «محمود السباعى»، مدير أمن القاهرة فى تلك الفترة، فالفيلم يقدم شخصية مدير أمن القاهرة التى جسدها «صلاح منصور» فى صورة رجل فاسد، ما جعل «يوسف السباعى» يرفض الفيلم ويمنع عرضه ولم يتم العرض إلا فى عام 1974 أى بعد انتصارات أكتوبر.. لتكون أغنية الفيلم (رايات النصر) هى أغنية النصر التى أخذت من الفيلم وأذعيت بمناسبة الانتصار بينما كان الفيلم الذى يضمها ممنوعا من العرض.

 

 

 

الأرض

عام 1954 صدرت للكاتب الكبير «عبدالرحمن الشرقاوى» رواية (الأرض). والتى تناول بها مقاومة الفلاحين فى إحدى القرى لظلم وطغيان مجموعة من الباشوات والإقطاعيين وكانت أحداث الرواية مستوحاة من قصة حقيقية وقعت بالفعل عام 1951 فى مدينة المنصورة وبالتحديد فى قرية بهوت التى ثار أهلها ضد الباشا الذى أراد أن يحجز مياه الرى لأرضه ويقطعها عن باقى الفلاحين... وقامت ثورة عظيمة فى هذه القرية ضد «البدراوى عاشور باشا» وتم قمعها بوحشية.. حيث حاصر الهجانة القرية لمدة 45 يومًا، وتم قتل اثنين من أبنائها. من تلك القصة المؤلمة كتب «الشرقاوى» رواية (الأرض) ثم حولها «حسن فؤاد» للسينما فى وقت كانت مصر تعانى من تداعيات العدوان الإسرائيلى على أرض سيناء فكانت القصة تتماهى مع ما يمر به المصريون وتؤكد على التمسك بالأرض.

 

الفيلم عرض فى يناير 1970.. وتم تصنيفه كثانى أعظم فيلم فى تاريخ السينما العربية.. أما عن الكواليس، فقد تم فى البداية اختيار الفنان «محمود مرسى» لأداء دور «محمد أبو سويلم» لكن تعارضت مواعيد التصوير مع تصوير فيلم (شيء من الخوف).. ليذهب الدور بعد ذلك للفنان «محمود المليجى» الذى كان سيقدم شخصية «الشيخ يوسف» التى قدمها «عبد الرحمن الخميسى».. ويبدع «المليجى» فى هذا الفيلم أكثر من أى فنان تجاوز حدود الإبداع فمن حكايات الفيلم أن «يوسف شاهين» طلب من «المليجى» فى أحد المشاهد أن «تتحجر» الدمعة فى عينيه وبدأ التصوير وهو- أى شاهين- يتمنى ألا يضطر للإعادة حتى أنه قال لطاقم العمل: «هنصور مرة واحدة علشان إحساس الراجل»، وبالفعل ينفذ «المليجى» اللقطة من المرة الأولى وكما أرادها «شاهين» بالضبط لكن يحدث خطأ فى الكاميرات ويضطر للإعادة.. حتى بدأ «شاهين» يصرخ فى طاقم العمل قائلا: «لازم نحترم إحساس الراجل»، ليرد عليه «المليجى»: «أنت بتزعق ليه أنا أعيده عادى»، وأعاده 7 مرات بنفس الإحساس والقوة.

من ناحية أخرى يحكى الفنان «حمدى أحمد» أن «شاهين» مر على مجموعة الممثلين فى أول يوم تصوير وقال لهم واحد واحد «ما تمثلش.. ما تمثلش» وعندما اعترض «حمدى أحمد» قائلا: «ما نمثلش.. الله آمال أنت جايبنا ليه» فيرد «شاهين»: «مين قالك انى جايبك أنا قلت للإنتاج عايز سكة زراعية وفيها حمار جابوك».. ليضحك الجميع. 

 

 

 

 

حدوتة مصرية

 

فى (حدوتة مصرية) فتح شاهين جراحه على الملأ، وهو من أكثر الأفلام التى واجه بها «شاهين» معارك، أولها كانت مع الكاتب «يوسف إدريس»- صاحب الفكرة- الذى اتهم «شاهين» بتشويه فكرته.. لكن ما هى الفكرة وكيف شوهها «شاهين» من وجهة نظر «إدريس». 

البداية كانت عندما اجتمع الكاتب والمخرج اللذان أصيب كلٌّ منهما بأزمة قلبية واضطرا لإجراء عملية قلب مفتوح، فقررا أن يصنعا معا عملا فنيا يبوحان فيه بمشاعرهما إزاء تلك الأزمة ولنقرأ معا نص إحدى جلساتهما:

شاهين: اخلص أنا الهيكل بالديالوج اللى أنا عايزه هيكون واحد تقريبا اللى قلناه هنا.. وبعدين إنت تراجع الاسكريبت النهائى.

 إدريس: اللى تعبنى وقعدت اشتغل، عملية التتابع.

شاهين: أنا عارف، ودا اللى لازم يحصل، وأسلوبى أنا.. إن إحنا بنكتب المادة للصورة، إن الأدب والثقافة تكون صورة، ومزيجًا من الشخصية والأسلوب، إحنا دايما بنخترع أسلوب جديد من كيفية إزاى نقول قصة سينمائية.. أو نعمل قصة سينمائية، ومافيش أى حد يشكك فيا.. انت ككاتب أو أنا كمخرج.

إدريس: فى واحد بيتألم على سرير.. بيدخل مستشفى مريحه هادية، زى مستشفى فى لندن، ودكتور مهم ذو شخصية مهمة، مش زى أى كومبارس وبابتسامة دكتور.. بيقوله. اسمك ايه؟ ورد المريض عليه انت مش عارف اسمى يا دكتور؟ 

شاهين: أنا قعدت أدور فى الأسامى لحد ما ألاقى اسم يخبطنى.. عايز اسم يعلم، يعنى اسم مهم، المهم يعنى قاله على اسمه، فبيقول له: ممكن تستحمل تاخد حقنه فى الوريد؟ 

إدريس: معرفش ليه المخرجين عندكم يخافوا إنهم يحطوا الإبرة فى العرق، مع إن ده شىء طبيعى، كل الناس أخدت حقنة قبل كده.. وتبتدى تتحول الأوضة إلى نوع من الدوامة الأرضية.

شاهين: دوامة أرضية زى إيه؟

إدريس: زى نقرة كبيره أوى، وحواليها جبل، قممه من التلج الأبيض.. لسه داخلين أوضة العمليات.. وهمس بين الحكيمة والراهبة، بتقولها بره فيه أكتر من 100 صحفى.. لأن واضح إن الراجل ده مهم جدا الراجل اللى أنا جايبه فى القصة، إنه اكتشف اكتشاف.. يعنى عملته عالم مصرى اكتشف اكتشاف خطير أوى فى العلم.. وبعدين لما حب يجرى عملية جه مصر.

شاهين: جه فين..؟

إدريس: جه مصر، علشان يعملها.. يعنى الكلمة اللى إحنا قلناها إحنا الاتنين، لما حبينا نعمل عملية، أنا قلت ان ده جاى مصر، علشان احساسه فى مصر، أضمن.. وبعدين إذا مات.. برضه يموت هنا.. 

شاهين : كويس..

«شاهين» و«إدريس» رغم تفاهمها فى أسلوب الحكى والخطوط العريضة للقصة وتجبرتهما الذاتية المتشابهة إلا أنهما اختلفا لاحقا، واستكمل «شاهين» السيناريو وحده، لكنه كتب على الفيلم أنه عن فكرة لـ«يوسف إدريس».. وفى عملية اختيار الأبطال تأتى واقعة، كتبها الفنان «نور الشريف» بنفسه فى مقالة بعنوان (هقتلك يا شاهين.. لو) ويحكى «الشريف» أن «يوسف شاهين» رشحه لدور البطولة وكان «نور» يصور بالفعل دوره فى مسلسل (أديب) ليفاجأ بتليفون من «شاهين» يطلب منه الاعتذار عن المسلسل لأنه سيبدأ تصوير الفيلم قريبا فيبلغه «الشريف» أنه من المستحيل أن يعتذر لأنه صور أكثر من نصف المسلسل بالإضافة إلى أن دوره فى (أديب) إضافة كبيرة لمشواره فيرد «شاهين» ماليش دعوة سيب المسلسل علشان تقدر تعمل الفيلم.. وهذا وضع «نور الشريف» فى حالة يصفها بأنه شعر كأن الأرض دارت به ولم يتمكن من التركيز إلى أن طلب مكتب «يوسف شاهين» بعد مرور ساعة فوجده قد غادر إلى بيته فطلبه فى بيته وظل يلاحقه إلى أن رد على التليفون وسأل «شاهين»، «نور» فى هدوء: «ها اعتذرت عن المسلسل؟»، فيرد «نور»: «شاهين أنا معايا رخصة سلاح متسجل عليها 3 مسدسات» ليضحك «شاهين» قائلا: «وبتقولى ليه المعلومة دى» فيرد «نور»: «علشان هقتلك يا شاهين لو حد غيرى مثل الدور».

 

 

 

المصير

كان «يوسف شاهين» يعشق الموسيقى لدرجة أبعد من كل التصورات، وعندما انتهى من فيلمه (المهاجر) وبدأ يفكر فى مشروعه الجديد، قرر أن يكون فيلم ميوزيكال ويا حبذا لو كان عن موسيقى الفلامنكو، فقرر أن يصنع قصة تدور أحداثها فى الأندلس. من هنا طلب من مساعده وتلميذه المقرب «خالد يوسف» أن يبدأ عملية البحث عن قصص من الأندلس، وبالفعل يعرض «خالد يوسف» 5 قصص من الأندلس هم: (طارق بن زياد، ولادة وابن زيدون، عبدالرحمن الداخل «صقر قريش»، أبو عبدالله «الصغير» الذى سقطت الأندلس فى عهده وابن رشد). فى البداية اختار «شاهين» قصة سقوط الأندلس.. لكن بعد رفع قضية ضد فيلم (المهاجر) طالبت بحرق الفيلم، تغلبت فكرة «ابن رشد» لأن ما حدث له من حرق كتبه يتماهى مع ما تعرض له «شاهين» نفسه.. لذلك كان فيلم (المصير) يمزج بين بعض الحقائق والقصص المعاصرة والواقعية ولكن بتوظيف تاريخى.. وهذا ما جعل المرشح الأول لأداء دور «ابن رشد»، الفنان الراحل «محمود مرسى»، يرفض الفيلم لأنه طلب أن يكتب فى البداية أن القصة مستلهمة من التاريخ لكن «شاهين» رفض.. وقرر أن يؤدى الدور بنفسه، لكن «نور الشريف» قال له:

«كيف ستركز فى الإخراج والتمثيل معًا»، ومن هنا ذهب الدور إلى «نور الشريف».. ليقدما معًا واحدًا من روائع السينما المصرية وأعلاها صوتًا فى وجه كل متطرف.