د. وليد جاب الله
حرب إيران الأكثر تأثيرًا إقتصادياً
لاشك أن الحروب والصراعات تُعتبران من أشد الأسباب التى تُسبب خسائر فى الاقتصاد العالمى، حيث لا توجد تنمية أو تحسن فى معيشة المواطنين فى أزمنة الحروب، وكلما طال أمد الحب كلما تعمقت آثارها السلبية وتوسع نطاقها الجغرافى. وكان من أهم الأمثلة الحديثة لذلك، ما سببته الحرب الروسية الأوكرانية من خسائر قدرتها دراسات صندوق النقد الدولى أنها بلغت ما بين 1٫6- 2٫5 تريليون دولار تركزت فى ما نتج عنها من تضخم قياسى فى أسعار الطاقة والغذاء. وفى حرب غزة التى اندلعت عام 2023 نجد أن خسائرها قُدرت بنحو 100 مليار دولار تركزت فى قطاعات النقل والتجارة والطاقة.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، نجد أن مُعظم التقديرات تُشير إلى أن هذه الحرب ستسبب (حال استمرارها لفترة متوسطة) خسائر هى الأكبر على مستوى خسائر الحروب مُنذ الحرب العالمية الثانية، حيث سينتج عنها خسائر بمئات المليارات فى صورة ارتفاع فى أسعار النفط، وإضراب فى سلاسل الإمداد، وخسائر قياسية فى أسواق المال. ولعل خسائر النفط كانت الأسرع وصولًا للمُستهلكين فى كل أنحاء العالم، وكانت البداية فى الولايات المُتحدة نفسها، والتى -ورغم كونها من مُصدرى النفط- نجحت فى السيطرة على النفط الفنزويلى أيضًا، إلا أن ذلك لم يمنع من ارتفاع أسعار البنزين بها بنحو 10 % بعد عدة أيام من بدء العمليات العسكرية، كما قررت الصين رفع سعر البنزين بها بمقدار 695 يوان، وسعر السولار بمقدار 96.84 يوان، وهى الزيادة الأكبر مُنذ أكثر من 4 سنوات، وفى الهند تواجه الأسواق خطر نقص الإمدادات مما يهدد بتباطؤ النشاط الاقتصادى. وهكذا نجدأن مُعظم الدول المُستوردة للنفط تتعرض لأخطار زيادة الأسعار، أو عدم القدرة على توفير الإمدادات أو أيهما. والأمر تجاوز أسعار النفط ليصل إلى ارتفاعات كبيرة فى أسعار الغاز، والشحن، بما يدفع التضخم العالمى لأن يأخذ مسارًا تصاعديًا كلما استمرت العمليات العسكرية، مما يحد من آمال تعافى اقتصادى كان ينتظره الاقتصاد العالمى خلال 2026.
وفى مصر، يُعتبر الاقتصاد المصرى من أكثر اقتصادات المنطقة تشابكًا مع مُحيطه الخارجى إقليميًا، وعالميًا، وفى ظل استيراد مصر لمُعظم احتياجاتها من البترول، والمواد الأولية اللازمة للصناعة، فضلًا عن استيرادها لجانب كبير من احتياجاتها من الغذاء، والدواء، والسلع الاستهلاكية، نجد أن رتفاع أسعار تلك الواردات يخلق ضغوطًا مالية كبيرة على المالية العامة المصرية، وتتعمق هذه الضغوط إذا تسبب تأثرها بالحروب الخارجية فى تراجع إيراداتها الريعية مثل إيرادات السياحة، وقناة السويس.
وفى ظل تبنى مصر لنموذج إصلاحى قائم على الحرية الاقتصادية وفقًا للمعايير الدولية، نجد أن نموذجها للتنمية قد واجه تحديات مُتتالية وغير مسبوقه، بدءًا من تحديات الإرهاب التى نجحت فى القضاء عليه، ثم تحديات جائحة كورنا، والتى عمقتها آثار الحرب الروسية الأوكرانية، وأضافت إليها حرب غزة مزيدًا من الخسائر، لتأتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لتُحدث التأثير الأكبر من حيث تنوع الآثار عن كل ما سبق من تحديات، حيث ترتب على تلك الحرب وبمجرد اندلاعها حدوث حالة من اشتعال أسعار الطاقة العالمية، وتضاعف أسعار النقل عدة مرات، مما تسبب فى رفع أسعار الكثير من المُنتجات الغذائية، وامتد التضخم ليُهدد نمو الاقتصاد العالمى بالكامل، والأصعب فى تلك الحرب هى حالة الغموض وعدم القدرة على توقع المدى الزمنى لاستمرارها.
فالمدى الزمنى للحروب هو أمر مهم فى توقع تأثيراتها المُستقبلية، وفى الحرب الروسية الأوكرانية، كان هناك تفاؤل بانتهائها فى مدى قصير يصل إلى أيام أو أسابيع، وعلى ذلك تدخلت مصر لضمان استقرار الأسواق عبر السيطرة على تراجع سعر صرف الجنيه، والحد من زيادة سريعة لأسعار المحروقات، حتى تُحافظ على استقرار الأسواق الداخلية، على أن تقوم بالعودة لسياساتها المرنة مع انتهاء الحرب، ولكن ما حدث هو أن تلك الحرب استمرت، واستمر معها استزاف الاقتصاد المصرى فخرجت استثمارات الأجانب فى الديون الحكومية مُحملة بمكاسبها من أسعار الفائدة ومكاسب إضافية من سعر صرف مُدعم، وتم استنزاف الاحتياطى فى دعم سعر الصرف، وهو ما واكبه ظهور سوق موازية للعملة دفعت سعر الدولار الواحد إلى نحو 70 جنيهًا مصريًا، وسبق النشاط الاقتصادى من يقومون بتنظيمه، إلى أن تم اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة وحاسمة بالعودة لتحرير سعر الصرف وتبنى سياسة سعر صرف مرن دعمتها مكاسب مصر من صفقة رأس الحكمة، وانطلقت مصر فى برنامج إصلاحى جديد مع صندوق النقد الدولى ضمن لها سد فجوتها التمويلة، وأعاد الاقتصاد إلى مسارة السليم، وكان من المتوقع أن تتوالى ثمار ذلك البرنامج خلال عام 2026، ولكن حدث أن اشتعلت الحرب فى إيران.
والحرب الإيرانية تُعتبر أكثر جسامة وتأثيرًا من الحرب الأوكرانية، فمنذ اليوم الأول بدأت استثمارات الأجانب فى الديون المصرية فى التخارج، وبدا أن الحكومة ستتحمل أعباء جسيمة لتدبير تكاليف ما تستورده من طاقة، وهنا تعلمت مصر الدرس الذى وقعت فيه عند تعاملها مع الحرب الأوكرانية، فلم تدعم سعر الصرف، فلم يستفد المال الساخن الذى يخرج من سعر صرف مُدعم، ورفعت أسعار الوقود استباقيًا وهو الأمر الذى يُعد بمثابة إعلان بأنها ستحافظ على ما تمتلكه من احتياطى، وأنها ستستمر فى تبنى سعر صرف مرن، باعتبار أنه مهما ارتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه رسميًا، فلن يصل إلى ما يمكن أن يصل إليه فى حالة عودة السوق الموازية وعمليات المُضاربة على العملة. اختارت مصر الحل الأكثر قسوة على المدى القصير، ولكنه يضمن لها درء خطر اقتصادى أكبر قادم بخطر اقتصادى أقل حالٍ.
ولاشك أن قيام مصر بالتمسك بسياسة سعر الصرف المرن، وبرفع أسعار المحروقات سيترتب عليه صعوبات معيشية وأعباء جسيمة يتحملها المواطن، وفى سبيل التخفيف من ذلك تم إعداد حزمة من إجراءات الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتقرير زيادة فى الرواتب تبدأ مع بداية العام المالى، وهكذا اختارت مصر مسارًا اقتصاديًا أكثر استدامة مُتبنية مسار التعامل مع آثار الحرب الإيرانية باعتبار أنها ستستمر للمدى المتوسط، فإن انتهت قبل ذلك فى وقت أقصر، فإن الحكومة سيكون لديها هامش حرية ومساحة مالية جيدة تُحسن بها من أحوال المواطنين المعيشية.











