5 إتهامات طاردت شاهين
المتهم برىء
منى بكر
موهبة استثنائية، وتاريخ حافل بالنجاحات، وتقدير عالمى، وانتقادات لاذعة واتهامات بالجملة.. هذا باختصار هو مشوار المخرج العالمى «يوسف شاهين». فـ«شاهين»، المخرج المثقف المستقل الحر متقد الذكاء المُحب للحياة والعاشق للفن، كان يرد على الانتقادات التى يتعرض لها باللغة التى يتقنها ويعشقها لغة السينما.
مثلما كانت رحلته الفنية فريدة كانت المعارك التى خاضها مع الرقابة والاتهامات والانتقادات أيضًا مختلفة. فربما يكون أكثر من تعرّضوا للاتهامات التى وصلت إلى حد التشكيك فى وطنيته، لكن «شاهين»، كما يعرفه كل عشاقه ومحبى فنه، استمر فى نشر أفكاره والتحليق بخياله أبعد مما تصور منتقدوه ورافضو استقلاليته وتمرده على السينما السائدة، فكلما زاد النقد زاد إصراره على رفض المعتاد والمقبول، فهو خارج السياق وعكس السائد، لكنه فى الوقت نفسه متسق مع ذاته، فـ«شاهين» صاحب الرؤية فى أفلامه هو نفسه «شاهين» صاحب الفكر فى حواراته التى لم تكن يومًا حوارات عادية أو معتادة؛ بل حوارات كالمعارك لكنها معارك فكرية خاضها مخرج مصرى عالمى مثقف موهوب إلى حد الجنون. ومثلما اعتادت «روزاليوسف» الدفاع عن «شاهين» فى حياته، نحاول فى السطور التالية رصد الاتهامات التى وجّهت لـ«شاهين» والرد عليها بما يستحق منا؛ احتفاءً به فى مئويته.
الاتهام الأول: شاهين الساعى إلى العالمية
لم يسعَ «يوسف شاهين» يومًا إلى العالمية بل تسابقت المهرجانات الدولية لعرض وإقامة أسابيع لأفلامه تكريمًا لموهبته. فقد نال «شاهين» جائزة اليوبيل الذهبى فى مهرجان «كان». جائزة لم تمنح لأحد سوى «شاهين» عن مجمل أعماله وإسهاماته الفنية خاصة أنه يُعد من أكثر المخرجين العرب مشاركة فى مهرجان «كان»، وهى المشاركات التى بدأها بفيلم (ابن النيل) عام 1951. «لإنسانيته وتسامحه وشجاعته فى أوقات عصيبة ومضطربة».. هكذا أعلن «كان» عن الجائزة وسط احتفاء نخبة من أهم نجوم الفن وكبار المخرجين الذين استمروا فى التصفيق لشاهين قرابة العشرة دقائق.
ولقب «المخرج العالمى».. ليس كالألقاب التى يمنحها النجوم لأنفسهم أو حتى لقب منحه إياه محبوه حول العالم لكنه لقب مستحق.. لقب حصل عليه «يوسف شاهين» بعد نجاحه فى الوصول بأفلامه إلى المهرجانات الدولية، لكن عالمية «شاهين» التى تحدث عنها الكثيرون لا تنحصر فقط فى مشاركة أفلامه فى مهرجانات دولية أو فوزه بجوائز عالمية بل تمتد لتشمل نقادًا أجانب تحدثوا عنه فى كتبهم وجامعات غربية احتفت بأفلامه وكتّاب رصدوا عبقريته فى أفلام استمتعوا بها وقرروا نقلها للقارئ.. عالمية «شاهين» ليست عالمية السجادة الحمراء والأضواء وفلاشات الكاميرات ولا هى عالمية فيلم حقق نجاحًا فى مهرجان دولى؛ بل هى عالمية مستحقة لمخرج قرر كسر القوالب فجاء فنه صادمًا وليس صداميًا.
بعد أحداث 11سبتمبر، شارك «شاهين»11 مخرجًا من حول العالم فى فيلم للمنتج الفرنسى «جاك بيران». ولم يكن اختيار «شاهين» ليشارك فى إخراج هذه التجربة المهمة، مفاجأة؛ فقد اهتم به المنشغلون بالفن فى الخارج و أدركوا موهبته منذ بداياته. الفيلم الذى حمل اسم (11 سبتمبر) كان يهدف إلى رصد آثار أحداث 11سبتمبر من وجهات نظر متعددة. أما فيلم «شاهين» الذى كانت مدته إحدى عشرة دقيقة، مثل باقى المخرجين، فقد جاء منتقدًا السياسات الخارجية الأمريكية مما جعل الإعلام الأمريكى وقتها يشن هجومًا حادًا عليه ويتهمه بمعاداة أمريكا حيث يبدأ فيلمه بعبارة «الاحتلال هو الإرهاب». والسؤال هنا.. كيف لمخرج تتهمه الصحافة الأمريكية بالعداء لبلادهم أن يكون ساعيًا إلى العالمية؟.. ألم يكن الأحرى به، لو كان ساعيًا إلى عالمية شكلية؛ أن يكون فيلمه دراميًا متعاطفًا مع الولايات المتحدة لا منتقدًا لها؟
الاتهام الثانى: الخواجة
اتهام دائمًا ما أزعج «شاهين» الذى وثقت أفلامه مشكلات المجتمع المصرى فى عصور مختلفة ويظهر عشقه لوطنه من الكلمات التى يرددها أبطاله. فـ«يوسف شاهين» الذى أخرج (الأرض)، (باب الحديد) و(ابن النيل) وحتى عندما قدّم سيرته الذاتية فى أفلامه حوّلها ببراعة إلى جزء من قصة الوطن الذى انشغل «شاهين» بمشاكله وهمومه ولم يتوقف يومًا عن الإيمان به.
وكان أحد الصحفيين قد اتهم «شاهين» بأنه «أعجمى لا يعرف اللغة العربية» وغضب شاهين حتى إنه قرر أن يضرب هذا الصحفى إذا قابله فى أى مكان. وعندما سأله أحد أصدقائه لماذا تكرهه إلى هذا الحد رد « يقول عنّى أنا يوسف شاهين صاحب (الأرض) أنى أعجمى لا أعرف اللغة العربية؟!». وهذا هو أبلغ رد على اتهامه بأنه خواجة فكيف لـ«شاهين» الخواجة أن يُخرج أفلامًا مثل (العصفور)، (المصير)، (الناصر صلاح الدين)، (جميلة) وغيرها من الأفلام التى تشير إلى انتمائه لمصر والوطن العربى ككل وأنه كان مهمومًا بالدفاع عن القضايا التى تشغل المواطن العربى من تحرير الأرض إلى تحرر الفكر.
الاتهام الثالث: النرجسى
يُعتبر اتهام «شاهين» بأنه نرجسى تتمحور أفلامه حول ذاته هو أكثر الاتهامات فقرًا وضمورًا على المستوى الفكرى؛ فهو صادر عن مشاهدين اكتفوا برؤية أفلامه ولم يسعوا إلى فهمها. فـ«شاهين» لم يكن يستعرض ذاته بقدر ما كان يستخدمها كعدسة كاشفة لتحولات المجتمع، فيطرح من خلالها أسئلته الكبرى عن السلطة والهوية والحرية؛ حيث يتحول الخاص عنده إلى عام، والسيرة الشخصية إلى خطاب إنسانى أوسع.
كما أن أفلام «شاهين» التى ترصد حياته أو سيرته الذاتية لا تتعد أربعة أفلام وهى (إسكندرية ليه) ،(حدوتة مصرية)، (إسكندرية كمان وكمان)، و(إسكندرية نيويورك)، بينما مشواره الفنى يزخر بقرابة 50 فيلمًا.
وفى أحد حواراته يقول «شاهين»: «كل مُخرج فى كل فيلم يقدمه يكون فيه جزءًا منه لأنه حتى وهو ينتقى القصة لا بُد أن يكون حاسس بيها.. وأنا اتخذت قرارًا أن أقدّم سيرتى الذاتية لأنى أشعر أن من حق الناس أن أقول لهم الحقيقة.. والحقيقة التى عارفها هى حياتى أنا».
وبنظرة سريعة على الأفلام الأربعة السابق ذكرها؛ نجد أن فيلم (إسكندرية ليه) الذى عُرض عام 1979 لا يقتصر فقط على قصة «يحيى» الشاب المولع بالتمثيل والذى يسعى للسفر إلى الولايات المتحدة لدراسة الفن لكنه يحكى قصة مدينة الاسكندرية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى طرأت على المجتمع خلال فترة الحرب العالمية الثانية. فقصة «يحيى» كانت مجرد خط درامى واحد بين عدة خطوط أخرى منها قصة الحب بين «سارة» الفتاة اليهودية و«إبراهيم» الشاب المناضل الذى يفشل المحامى «شكرى مراد» والد «يحيى « فى إنقاذه من السجن» وغيرها من الخطوط الدرامية التى تخدم فكرة الفيلم، وهى رصد أحوال المجتمع المصرى بكل طبقاته فى تلك الفترة.
أمّا (حدوتة مصرية) الذى عرض عام 1982؛ فيستكمل قصة «يحيى» بعد أن أصبح مخرجًا ناجحًا، بينما رصد فيلم (اسكندرية كمان وكمان) عام 1990 واحدًا من أهم الأحداث التى مرت بها نقابة الممثلين وهى اعتصام الفنانين فى الثمانينيات من القرن الماضى اعتراضًا على القَمع الممارَس ضدهم وإعلانًا لرفضهم قانون الفنانين الذى يقيد حريتهم فى اختيار نقيبهم. وهنا رصد «شاهين» جزءًا من تاريخ الحركة الفنية فى مصر والذى يُعَد جزءًا من حياته بالطبع باعتباره أحد رموز الفن المصرى وواحدًا من أهم مخرجيها. واختتم «شاهين» ما يمكن اعتباره سلسلة سيرته الذاتية بفيلم (إسكندرية- نيويورك) الذى عرض عام 2004. «شاهين» الذى بدأ سلسلة أفلامه، مثلما بدأ حياته، بحلم السفر إلى أمريكا لدراسة الفن أنهى سلسلة الرباعية مفجرًا مفاجأة وهى أنه لم يعد يؤمن بالحلم الأمريكى.
نخلص من ذلك أن الأفلام الأربع التى تناولت سيرة «شاهين» تتضمن أحداثها سياقات أو خطوطا درامية مختلفة حيث كان يقدم قصته كجزء من الفيلم لنقل فكرة ورصد الأحداث التى أثرت فى تاريخ مصر والعالم.
الاتهام الرابع: المجنون
نعم كان شاهين مجنونًا فنيًآ لكنه كان الأعقل فكريًا فقد طالب شاهين العبقري إلي حد الجنون بتأسيس نقابة للشيالين علي لسان أبوسريع أحد أبطال فيلمه «باب الحديد» الذي أدي دوره النجم «فريد شوقي».
الفيلم تحدث عن أوضاع الشيالين فتعرض لمحاولات وقف التصوير. كما قُدم شاهين للمحاكمة بحجة التمثيل بدون تصريح بعد رفضه طلب بحذف مشاهد المطالبة بنقابة للعمال.
وكيف لمجنون أن يحذر من أحداث 11 سبتمبر قبل حدوثها في فيلمه «الآخر» ويدق ناقوس الخطر من الإرهاب في رائعته «المصير» قبل أن يكشر الإرهاب عن أنيابه ثم يحذر من الثورة في آخر أفلامه «هي فوضي» عام 2007.
الغريب أن شاهين صرح بأنه هو من أطلق هذه الشائعة علي نفسه في بدايته حيث بدأ مشواره وهو في سن صغير إذ كان عمره لا يتخطي الرابعة والعشرين وعمل مع كبار النجوم مثل «فاتن حمامة» و«ليلي مراد» و«فريد الأطرش» وغيرهم فكانت هذه هي وسيلته الذكية لضمان الانضباط والالتزام في موقع التصوير ومواعيد النجوم فأشاع أنه عصبي إلي حد الجنون ليلتزم الجميع دون أن يضطر شاهين إلي ممارسة هذا الجنون لكن البعض من محدودي الفكر استخدم هذا الاتهام ضده متهمًا شاهين بأنه مجنون ولذلك لا يفهم الجمهور أفلامه.
الاتهام الخامس: ديكتاتور يصاب أبطاله بـ «لعنة»
اتهم «شاهين» بأنه ديكتاتور فى موقع التصوير لا يسمح برأى مخالف أو مختلف عن رأيه.. لكن الرد على هذا الاتهام ببساطة هو كيف لمخرج بهذه الشخصية أن يعمل معه نجوم مثل «نور الشريف، يسرا، محمود حميدة، يوسف وهبى، محمود المليجى» فضلاً عن «فاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد مظهر» و«داليدا» دون أن يشتكى نجم من هؤلاء من تسلط «شاهين» أو تشبثه برأيه؛ بل إن بعضهم دافع عنه.
ولو راجعنا تصريحات النجوم الذين عملوا مع «شاهين» وينادونه «چو»ـ كما يحب دائمًاـ لا نجد فيها أى انتقاد له سواء فى حياته أو بعد وفاته. فتقول النجمة «يسرا» فى أحد حواراتها مع «روزاليوسف» عام 1991 «ديكتاتورية شاهين كانت دائمًا لمصلحتى الفنية، فعندما ينصحنى بعدم العمل فى أكثر من فيلم، وعندما يصمم على عدم اختلاطى بمن يرى أنهم قد يُفسدون على جو العمل؛ لا بُدّ أن أطيعه». وتضيف: «مع شاهين أعيش الدور بكل حواسى.. ولذلك فطلباته أوامر».
أمّا «نور الشريف» فيقول فى حوار مع «روزاليوسف» عام 1996: «الحقيقة يوسف صعبان علىَّ جدًا من شدة المجهود الذى يبذله.. كنا نصور فى الخامسة فجرًا حتى التاسعة مساءً، ويغلبنا النوم ونحن نتناول العَشاء. أمّا هو فقد دخلت مرة عليه فى حجرته بعد العَشاء، فوجدته يراجع مَشاهد اليوم التالى.. نموذج فريد أتمنى أن يراه المخرجون الشباب». وأضاف: «يوسف هو يوسف كما عرفته شديد الحماس والصدق والبراعة».
الكلمات السابقة لاثنين من النجوم الذين مثلوا مع «شاهين» أكثر من مرة تؤكد أنه دقيق فى عمله ومخلص لفنه وليس ديكتاتورًا كما ادعى البعض. فقد عمل «شاهين» مع نجوم الصف الأول وتحدّثوا جميعًا ولا يزالون يتحدثون عن استمتاعهم بالعمل معه وعشقهم له ليس فقط كمخرج موهوب؛ بل أيضًا كإنسان يصفه المقربون منه من النجوم بأنه كالطفل فى عفويته وانفعاله وفى روحه التى لا تشيب وقلبه الذى يسع الجميع وعقله الذى لا يتوقف عن التفكير فى الفن.
بينما نفى عنه النجم «هانى سلامة» الاتهام بأن النجوم الذين يعملون معه يصابون بما أسموه «لعنة يوسف شاهين» فلا يعملون بعد ذلك فيصفه بالاتهام الوهمى. مضيفًا: «لا أعرف من ردد هذه المقولة فهى لا تستند إلى مبررات منطقية لأن العمل معه ولو فى مشهد واحد يساوى عشرة أفلام أخرى، كما أنه يختصر الكثير على أبطاله من جهد فى اتجاه الشهرة واسألوا عمر الشريف وغيره من النجوم». جاء ذلك فى حوار مع «روزاليوسف» عام 1999.
قد لا يحتاج «يوسف شاهين» منا إلى تبرئته من اتهامات بلا أساس، لكننا نحتاج إلى الاحتفاء به فى مئويته والدفاع عنه ضد اتهامات ضعيفة تتهاوى أمام تجربة سينمائية متفردة لمخرج قدّم سينما لم تخف ولم تجامل؛ بل طرحت الأسئلة الصعبة بكل شجاعة.







