الخميس 12 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

انضمامه للمحفل الماسونى نقطة غامضة فى تاريخه السياسى والفنى

«روزاليوسف» تنشر الفصل الأكثر إثارة فى كتاب «محمود المليجى.. إمبراطور الشر الطيب»

لم يبتعدْ محمود المليجى عن السياسة طوال حياته، ففى المدرسة الخديوية مطلع العشرينيات، جلس إلى طاولة الفصل الدراسى،  بجوار أحمد حسين (السياسى البارز قبل ثورة يوليو 1952)، وربطته صداقة قوية مع زملاء جيله مثل الكُتَّاب إحسان عبد لقدوس ومصطفى أمين وعلى أمين، وخرج معهم للتظاهر ضد الاحتلال البريطانى،  وتعرَّف على الرئيس أنور السادات فى مرحلة الشباب، وتوطدت العلاقة بعد منع فيلم «الله معنا» رقابيًا وتشكيل لجنة فيها الرئيس السادات لمشاهدته، وفى فترة حكمه عينه عضوًا فى مجلس الشورى ليسجل اسمه كأول فنان مصرى يدخل البرلمان بالتعيين.



«المليجى» أصيب صغيرًا بطلق نارى فى قدمه أثناء ثورة 1919، وشارك بقوة فى ثورة 1930 وتم اعتقاله، وكان لصديقه السياسى والمحامى الشهير فيما بعد أحمد حسين دور واضح فى اهتمامات محمود المليجى بالسياسة الذى شارك بقوة فى مشروع القرش، وهو مشروع قومى التف حوله الشعب المصرى وذلك بعد أزمة اقتصادية عنيفة عام 1929.

وشارك المليجى وحسين الفكرة الصحفى فتحى رضوان وأطلقوا شعار «تعاون وتضامن فى سبيل الاستقلال الاقتصادى» للمشروع القومى،  وقام الشعب بتطبيق المثل الشعبى الشهير «حط القرش على القرش» للتوفير وادخار الأموال.

وأمرت حكومة صدقى باشا بتوفير كل شيء لهذا المشروع وذلك لغرض آخر وهو منافسة حزب الوفد الأكثر شعبية فى الوطن فى ذلك الوقت، الذى كان معارضًا للمشروع بحجة أنه يعد انحرافًا بجهود الشباب عن قضية مصر الحقيقية إلى قضية فرعية، رغم ذلك لاقت الفكرة إقبالًا واسعًا من قبل المصريين، وشارك به الآلاف من المتطوعين لجمع التبرعات لصالح «جمعية القرش»، حيث أسفرت الحملة عن جمع 17 ألف جنيه بالعام الأول و13 ألف جنيه بالعام الثانى،  وهى مبالغ ضخمة بمقاييس تلك الفترة الزمنية، إلى أن تم افتتاح مصنع القرش لصناعة الطرابيش عام 1933 بالتعاون مع إحدى الشركات الألمانية، وذلك فى شارع مصنع الطرابيش بمنطقة العباسية، حيث اعتبر مؤسسو الحملة أنه من «العار» على المصريين أن يستوردوا زيهم القومى من الخارج.

ورغم افتتاح المصنع وبدء إنتاجه بالفعل عام 1933، إلا أن «أحمد حسين» مؤسس المبادرة، تم اتهامه باختلاس أموال المشروع، الأمر الذى دفعه إلى تقديم استقالته من «جمعية القرش»، ليؤسس فيما بعد جمعية «مصر الفتاة» واحدة من أهم الجمعيات السياسية التى عرفتها مصر قبل ثورة 1952، لكن محمود المليجى رفض المشاركة فى الجمعية الجديدة وإن ظلت علاقته قوية بأحمد حسين.

السياسة فى حياة محمود المليجى لم تقتصرْ على الحياة فقد امتدت حتى لأفلامه، فالثابت أن فيلم الأرض أدى فيه دورا سياسيا من نوع خاص، كما أنه فى فيلم «غروب وشروق» تلقى أول صدمة رقابية لأفلام المليجى،  وسبقه فيلم «مصطفى كامل» للمخرج أحمد بدرخان.

وعندما قرر الرئيس السادات إنشاء مجلس الشورى برئاسة الدكتور صبحى عبد الحكيم قرر ضم رمز من الرموز الفنية لعضوية المجلس، وذلك حتى يضم أطيافًا مختلفة بجانب السياسيين وأول من فكر فيهم كان الفنان الراحل محمود المليجى،  وكان ذلك عام 1980.

وبالفعل سجل الفنان الكبير محمود المليجى اسمه كأول فنان يُعين فى مجلس الشورى، وأصبح واحدًا ممن جمعوا بين الفن والسياسية.

وقبل عضوية المجلس، وتحديدًا فى بداية الستينيات من القرن الماضى – وبحسب كتاب محمود المليجى.. إمبراطور الشر الطيب « للزميل رشدى الدقن والذى سيصدر عن دار غايا للنشر معرض القاهرة الدولى للكتاب القادم - أظهر المليجى موهبته فى الكتابة الصحفية، عندما تحوَّل إلى صاحب قلم جريء، وكتب سلسلة مقالات فى مجلة «الكواكب» المصرية انتقد فيها أحوال صناعة السينما المصرية، وتدنى الأجور، وعدم وجود صندوق معاشات للفنانين، فضلًا عن افتقار الاستوديوهات إلى التقنيات المتطورة ووسائل الراحة، والعمل لساعات طويلة تحت مصابيح إضاءة شديدة الحرارة.

 

 

 

صدمت مقالات المليجى قراء «الكواكب»، لا سيما أن كاتبها نجم شهير، بينما الصفحات الأخرى تلاحق أخبار النجوم وحياتهم المرفهة. 

بدت انتقادات المليجى،  كطلقات غاضبة، وطالت الإذاعة لعدم احترام مواعيد التسجيل والبروفات‏، والتليفزيون لعدم التقدير الكافى للفنانين.

وبدت كلماته كأنها من وحى الخيال. وصار المليجى رجلًا للأدوار كافة، وبذل جهدًا لتخفيف معاناة زملائه، فور انضمامه إلى عضوية الرابطة القومية للتمثيل، وبرز نشاطه فى نقابة الممثلين، واقترح إنشاء نادٍ للنقابة ليجتمع فيه زملاء المهنة، وتوفير سبل العلاج والرعاية لغير القادرين.

لاقت مقترحاته صدى واسعًا، واهتمت الصحافة الفنية بأخبار النقابة، وتحقق بعض طموحات المليجى فى تطوير صناعة السينما، ولكن ظل يؤرقه أن مؤشر الأفلام يتراوح بين الصعود والهبوط. 

أما أبرز ممارسات محمود المليجى فى ظنى هو انتسابه للمحفل الماسونى المصرى والذى كان اسمه «الفنان»، ولم يمنعْ الحذر المتبادل بين المحافل الماسونية والدولة المصرية والذى بدأ منذ قيام حرب فلسطين 1948 أن يقوم أرباب الفن المصريين بإنشاء محفل سميَ محفل (الفنان) يرجع البعض تاريخ إنشائه إلى ما قبل حرب فلسطين بعام واحد أى عام1947، وقد ضم هذا المحفل الكثير من أهل الفن فى مصر مثل محمود المليجى ويوسف وهبى ومحسن سرحان – حسين رياض – حلمى رفلة – عيسى أحمد – فؤاد شفيق – يعقوب الأطرش – كمال الشناوى – سراج منير– زكى طليمات – أنور وجدى». 

وإن كان البعض يقول إن المحفل لم يكنْ سياسيًا بالمعنى المفهوم ولم يخرجْ عن كونه نوعًا من المظهر الاستعراضى دون جدية. 

وقد سُمِحَ لبعض الصحفيين الدخول إلى قاعة ذلك المحفل فى عام 1953، حيث نشروا خبرًا مدعمًا بالصور فى مجلة الفن تحت عنوان: «الفن تتسرب إلى القاعات السرية بالمحفل الماسونى،  تثبيت يوسف وهبى رئيسًا لمحفل الفنان المصرى وتكريس محسن سرحان!». وجاء الخبر على النحو التالى: 

«لأول مرة فى تاريخ الماسونية تتسرب الصحافة إلى القاعات السرية، وتشاهد بعض الطقوس الغامضة من تقاليد هذه الجمعية العريقة، كان ذلك فى مساء الثلاثاء الماضى،  وقد حفلت الدار الماسونية بجمهور كبير من الفنانين الماسون، ونذكر منهم يوسف وهبى ومحسن سرحان وفريد شوقى وأحمد كامل مرسى ومحمود المليجى وفؤاد شفيق وعبد السلام النابلسى وحلمى رفلة وحسين رياض ومحمود فريد وعيسى أحمد وعلى رشدى وأحمد سعيد وغيرهم كثيرين.

 واستدعى الإخوان الماسون لدخول إحدى القاعات السرية، ومنع الأغراب بما فى ذلك الصحفيين من الدخول، وطال غياب الإخوان، وعلمنا أن ذلك الغياب كان فى مباشرة الطقوس المعتادة لتكريس محسن سرحان.

 ومن فرجة فتحت قليلًا شاهدنا محسن معصوب العينين، وقد وقف بين يوسف وهبى وعيسى أحمد، وكان كل منهما يرتدى الزى الرسمى للماسون شاهرًا بيده سيفًا من الخشب حلق به على رأس محسن سرحان! وأُغلقت الفرجة.

 وانقطع كل اتصال بيننا وبين ما يجرى فى الداخل، وطالت الجلسة، وعلمنا أن الغياب فى هذه المرة كان بسبب طقوس تكريس يوسف وهبى رئيسًا لمحفل الفنان المصرى،  وبعد أن انتهت تلك الطقوس تقدم اقتراح بالتقاط صورة تذكارية داخل الهيكل السرى.

 ولكن بعض الإخوان عارضوا فى هذه الفكرة. وأُبدى اقتراح بتعصيب المصورين أثناء التقاط الصور!، ولكن المصورين احتجوا باستحالة التصوير فى هذه الحالة، وبعد أخذ ورد وافق المتزمتون على التقاط الصور التذكارية. 

ويكمل الخبر: دخلنا الهيكل السرى وقد أحاط بكل واحد منا عدد من الإخوان، وحرم علينا التلفت يمنة أو يسرة! وفى هذا الجو التقطت بعض الصور التذكارية، وقبل أن تمضى خمس دقائق صدرت الأوامر بإخراجنا من القاعة، بل ومن الردهة، فخرجنا مستسلمين! ولم تطلْ الجلسة بعد ذلك كثيرًا، فقد خرج الإخوان إلى بوفيه أنيق حيث تناولوا السحور وانضم إليهم بعض الفنانين والضيوف، نذكر منهم السيدتين فردوس حسن ودرية أحمد، وبعد ذلك انتقل الفنانون إلى حفلة السمر، فاستمعنا إلى منولوجات فكاهية، وبعد أن انتهى الاحتفال سألنا محسن سرحان عن الإجراءات التى اتُخذت معه فى حفلة التكريس فهز رأسه ضاحكًا وقال: - أنا معرفش حاجة - وكانوا (مغميينك) ليه؟ - اسأل يوسف وهبي! - هل الماسونية هيئة دينية؟ - لأ - أمال ليه بيقولوا (بسم مهندس الكون الأعظم)؟ - زى ما المسلمين بيقولوا (بسم الله) والمسيحيين (بسم الأب والابن)! - تبقى جمعية دينية لأن لها (بسملة)؟! - لا.. لا.. أنا 

ماعرفش.. اسأل أخ أقدم منى.. أنا لسه جديد! ورفض محسن بعد ذلك أن يجيب على أى سؤال آخر..». 

ومن الواضح أن الماسون حتى تلك الفترة قد بقوا على تقاليدهم، والفنان كفرد له مكانة اجتماعية استطاعت الماسونية جذبه إلى صفوفها، كما يتضح من مجريات الحديث مع «محسن سرحان» أن التكتم ظل أهم صفات الماسونى،  كما يتضح من الصور التى التُقطت فى المحفل أن بعضهم التحق من أجل إضفاء الوجاهة على نفسه، ومن منهم كان يفهم تقاليد وطقوس الماسونية بشكل جدى،  فالصورة كأى وثيقة تاريخية يمكن أن تعبر وتعطى دلالات تساعد أى من الباحثين على فهم حادثة تاريخية بشكل أو بآخر. 

ومن الواضح أن حالة التجهم والضيق التى كانت واضحة على وجه البعض فى الصور التى تم التقاطها لا تنم إلا عن عدم رضا البعض عن كشف أمرهم بتلك الصورة أمام اثنين من الصحفيين، مما يدل على أنهم ذلك الحزب المتعلق بالتقاليد الماسونية ومنهم الفنان «حسين رياض - محسن سرحان - يوسف وهبى - عبد العزيز حمدى».

 والبعض الآخر حاول أن يظهر نفسه بشكل استعراضى مثل الفنان «عبد السلام النابلسى» الذى أمسك عصاه بحركة استعراضية، وكان الفريق الأخير لا يبالى بما يحدث وعلى رأسهم محمود المليجى،  فتوزعت الابتسامات على وجوههم. 

اللافت أن الفنان محمود المليجى لم يتحدثْ أبدًا عن هذا الجزء لا فى حوارات صحفية ولا إذاعية ولا تليفزيونية، ولم يشرْ له من قريب أو بعيد، ومن الجائز أنه أخذ بالماسونية لإضفائها نوعًا من الوجاهة الاجتماعية.