مواجهة استخباراتية «أمريكية – إيرانية» تتجدد بعقوبات على طهران لغز روبرت ليفنسون!

الحسين عبدالفتاح
ثمانية عشر عامًا مضت منذ أن اختفى العميل الأمريكى السابق، روبرت ليفنسون، فى جزيرة كيش الإيرانية، تاركًا وراءه لغزًا معقدًا يتشابك فيه الخيط السياسى بالاستخباراتى، ورغم مرور كل هذه السنوات، لا تزال أصداء الحادثة تتردد فى أروقة السياسة والاستخبارات.
وفى خطوة تسلط الضوء على تعقيدات الملف، فرضت الولايات المتحدة مؤخرًا عقوبات على ثلاثة مسئولين إيرانيين، متهمة إياهم بالتورط فى اختفاء ووفاة ليفنسون فى صباح الثامن من مارس عام 2007، حيث لا يزال ملفه يشكل قضية ساخنة فى العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران.
وارتباطًا بقضية عميل سابق فى مكتب التحقيقات الفيدرالى (FBI)، روبرت ليفنسون، قررت الولايات المتحدة اتخاذ خطوات عملية لمحاسبة المتورطين من الجانب الإيرانى، عبر فرض عقوبات مالية عليهم.
تشمل العقوبات الدبلوماسيين والمسئولين فى الاستخبارات الإيرانية (رضا أميرى مقدم، غلام حسين محمد نيا، وتقى دانشور) عبر تجميد أى أصول تحت الولاية القضائية الأمريكية، وحظر التعامل معهم، لتورطهم المباشر فى اختفاء روبرت ليفنسون، بحسب الرواية الأمريكية.
العقوبات الأمريكية الأخيرة تثير تساؤلات عدة: لماذا الآن؟ ما الذى كشفته واشنطن بعد كل هذه السنوات؟ هذه الخطوة تفتح الباب أمام مزيد من الغموض حول مصير ليفنسون، وتعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول ما حدث له حقًا فى كيش.
العميل ليفنسون
منذ مولده فى 10 مارس 1948 حتى اختفائه فى مارس 2007، كان عمره 59 عامًا، أمضى ليفنسون أكثر من عقدين فى خدمة جهاز المباحث الفيدرالية الأمريكية، وسبقتها ست سنوات فى إدارة مكافحة المخدرات، قبل أن يتقاعد فى عام 1998.
ليفنسون، عمل لعقود فى ملاحقة قضايا الفساد والجريمة المنظمة، وكان واحدًا من أبرز عملاء الـFBI المتخصصين فى مكافحة الجريمة المنظمة الروسية، وشارك فى عمليات واسعة استهدفت شبكات غسيل الأموال الدولية.
لم يكن روبرت ليفنسون غريبًا على المهمات المعقدة أو العمل فى المناطق الخطرة، ورغم تقاعده، فضّل المغامرة عبر العمل فى مجال التحقيقات الخاصة. توجه إلى جزيرة كيش الإيرانية بهدف جمع معلومات عن شبكة تهريب.
جزيرة كيش، منطقة تجارة حرة لا تتطلب تأشيرة دخول للأمريكيين، شهدت تحديد لقاء لروبرت ليفنسون مع المواطن الأمريكى الهارب من العدالة منذ عام 1980، داوود صلاح الدين، المتورط فى اغتيال مسئول سابق فى السفارة الإيرانية بواشنطن.
الممثل القاتل
داوود صلاح الدين (الذى اغتال الدبلوماسى الإيرانى، على أكبر طباطبائى فى 22 يوليو 1980، عقب لجوء الأخير إلى الولايات المتحدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979) هرب إلى إيران وعاش فيها. وقبلها، كان اسمه ديفيد ثيودور بلفيلد، لكنه اعتنق الإسلام وغيّر اسمه إلى داوود.. تنكّر صلاح الدين فى زى ساعى بريد، وطرق باب منزل، طباطبائى، فى ولاية ماريلاند، ثم أطلق عليه النار أمام منزله فأرداه قتيلًا. بعد تنفيذ العملية، فرّ إلى إيران عبر كندا مستخدمًا جواز سفر مزوّرًا. هناك، حظى بحماية النظام الإيرانى.
برّر صلاح الدين عملية الاغتيال باعتبارها «عملًا شرعيًا ضد خائن للوطن»، لكنه ظل مطلوبًا من قبل السلطات الأمريكية، فى حين رفضت إيران تسليمه. عاش حياة هادئة نسبيًا، وشارك كممثل فى أفلام إيرانية، كما تورط فى أنشطة ثقافية وسياسية كانت غطاءً لعمليات استخباراتية إيرانية.
التقى ليفنسون بداوود صلاح الدين، المتهم بتنفيذ عملية الاغتيال، فى ظروف لم تكن عابرة، فاللقاء، الذى جاء فى سياق عملية استخباراتية معقدة، انتهى إلى مصير غامض، تاركًا وراءه أسئلة بلا إجابة حول دوافعه ونتائجه.
يُقال إن لقاءه مع روبرت ليفنسون فى مارس 2007 على جزيرة كيش كان أحد الأسباب المباشرة وراء اختفاء ليفنسون، لا سيما أن صلاح الدين أقر لاحقًا بأنه التقاه هناك، لكنه نفى أى علم بمصيره بعد ذلك.
يُعتقد أن ليفنسون كان يسعى لاستدراج صلاح الدين للحصول على معلومات عن شبكات الفساد فى النظام الإيرانى، لكن الاجتماع لم يسر كما خُطط له. لم تقدّم السلطات الإيرانية تفسيرًا واضحًا لمصيره.
ليفنسون، الذى تخصص فى التعامل مع شبكات الجريمة المنظمة والعملاء المزدوجين، لم يكن يخشى المخاطر. قبل اختفائه المريب فى الجزيرة الإيرانية، أُغلق هاتفه، بينما التقطت كاميرات المراقبة فى فندق «ماريانا»، حيث كان يقيم، خروجه منه دون عودة.
جمع المعلومات
بدأت السلطات الأمريكية تحقيقًا موسعًا، ومارس البيت الأبيض، والـFBI، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ضغوطًا على الحكومة الإيرانية للكشف عن مصيره، لا سيما أن ليفنسون كان يعمل بشكل غير رسمى مع الوكالة. لكن الردود الإيرانية جاءت غامضة ومتناقضة.
واصل ليفنسون العمل مع الـCIA فى مهام استخباراتية غير رسمية، شملت جمع معلومات حول قضايا حساسة، من بينها تهريب النفط، وتجارة المخدرات، والعلاقات السرية بين إيران وشبكات التهريب الإقليمية.
فى عام 2011، تلقت عائلة ليفنسون صورًا صادمة. ظهر جالسًا على الأرض، بلحية طويلة، مرتديًا لباسًا برتقاليًا، ويحمل لافتة مكتوبة بخط اليد: «ساعدونى». وفى مقطع فيديو قصير، بدا منهكًا لكنه حى، ما أكد أنه محتجز، دون معرفة الجهة المسئولة.
ورغم تردد مزاعم بأن الحرس الثورى ربما احتجزه أو صفّاه بعد فشل مفاوضات تبادل سرية، نفت إيران أى دور لها فى اختفائه، ووصفت «مزاعم تورط طهران» بأنها لا أساس لها من الصحة و«محاولة لتسييس قضية إنسانية».
رغم الضغوط الدولية، التزمت طهران الصمت. وفى عام 2020، أعلنت عائلة ليفنسون أن الحكومة الأمريكية أبلغتهم باعتقادها أنه قد توفى فى الأسر، دون تقديم تفاصيل إضافية، ما زاد من تعقيد القضية.
أعلنت الحكومة الأمريكية أن ليفنسون «توفى على الأرجح فى الاحتجاز الإيرانى»، لكنها لم تقدّم دليلًا قاطعًا على ذلك. أما إيران، فاستمرت فى نفى مسئوليتها عن اختفائه، دون تقديم تفسير لما حدث له بعد اختفائه.
التوقيت السياسى
توقيت الإعلان عن العقوبات الأمريكية يثير تساؤلات عدة، إذ تأتى هذه الخطوة فى ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية تعثر المفاوضات النووية، وزيادة الدعم الإيرانى للجماعات المسلحة فى اليمن والعراق ومناطق أخرى.
يتزامن ذلك مع تقارير عن نشاط إيرانى مكثف فى دعم الجماعات المسلحة بالمنطقة، ومحاولات إيرانية لتهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها فى الشرق الأوسط. العقوبات قد تحمل رسالة ضمنية بأن واشنطن مستعدة لتصعيد المواجهة إذا استمرت طهران فى مسارها الحالى.
فى الأشهر الأخيرة، كثّفت واشنطن ضغوطها على طهران فى محاولة لاحتواء نفوذها الإقليمى، بينما العقوبات الأخيرة على المسئولين الثلاثة تبدو جزءًا من محاولة لإجبار إيران على تقديم تنازلات فى ملفات إقليمية ودولية شائكة.
فى الداخل الإيرانى، يُنظر للعقوبات على أنها استهداف مباشر لمراكز القوة فى النظام، إذ تُعد وزارة الاستخبارات أحد أهم الأجهزة الأمنية فى إيران، وتلعب دورًا محوريًا فى حماية النظام، واستهداف شخصيات رفيعة المستوى قد يُفسَّر على أنه محاولة لضرب استقرار النظام من الداخل.