السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
«إيلى كوهين».. الجاسوس الذى كشفته السفارة الهندية بالمصادفة!‏

«إيلى كوهين».. الجاسوس الذى كشفته السفارة الهندية بالمصادفة!‏

ماذا نفهم من «الصخب» الذى صنعه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل حول «أرشيف ‏سوريا الرسمي» الخاص بالجاسوس الإسرائيلى «إيلى كوهين»، والذى حصلت عليه إسرائيل ‏من سوريا مؤخرا؟



بالطبع هو جزء من عملية تجميل لقبحه السياسى، ولا عجب أن يصاحب الصخب أكاذيب ‏تضيف نوعًا من الإثارة الزائفة على الحكاية، فهو قال فى بيان صادر عن مكتبه إن استرجاع ‏‏2500 وثيقة وصور ومقتنيات شخصية كانت فى الملف السرى تحت حراسة مشددة، جاء ‏نتيجة عملية معقدة نفذها جهاز الموساد بالتعاون مع جهاز مخابرات شريك، بينما الحقيقة أن ‏الاسترجاع كان باتفاق مباشر بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والرئيس السورى أحمد ‏الشرع فى اللقاء الذى حدث بينهما خلال زيارة ترامب لدول الخليج العربية، ولا مخابرات ‏ولا عمليات معقدة ولا يحزنون!‏

ولا ننكر أن إيلى كوهين كان واحدًا من أهم جواسيس إسرائيل، وقد وصل إلى مكانة سياسية ‏رفيعة فى سوريا الستينيات، حتى قبض عليه وأُعدام فى مايو 1965!‏

والحكاية تبدأ من الإسكندرية عند رفعت سليمان الجمال سنة 1954، الذى يعرفه المصريون ‏والعرب باسم رأفت الجمال حسب الرواية التى كتبها الرائع صالح مرسى، والمسلسل الأشهر ‏الذى أخرجه يحى العلمى، فى ذلك الوقت كان جهاز الخدمة السرية المصرى قد جند رفعت ‏الجمال ودسه فى أوساط اليهود فى الإسكندرية فى شقة صغيرة باسم جاك بيتون، الأب ‏شالوم بيتون والأم آلجيرا لازرا، واشتغل فى شركة تأمين، على أن يتصرف كشخص متدين ‏محافظ إلى حد التزمت، غير ودود ولا يحب الاختلاط بالناس.‏

وبالمصادفة التقى الجمال بـ«ليفى سلامة»، الذى كان محبوسًا معه فى زنزانة بسجن الحضرة، بعد ‏أن قبض على الجمال على الحدود المصرية الليبية بشيكات سياحية مزورة، فاصطحبه سلامة ‏إلى الجميلة «مارسيل نينيو» نجمة فضيحة لافون الشهيرة، وقد لعبت فيها دور حلقة الاتصال ‏بين خليتى التخريب اللتين أشعلتا الحرائق فى عدد من الممتلكات الأمريكية والبريطانية فى ‏القاهرة والإسكندرية، للوقيعة بين الدولتين وثورة يوليو، وحكم عليها بالسجن 15 عامًا.‏

أحس الجمال أن اللقاء مع مارسيل كان مدبرًا، وعن طريقها تعرف على إيلى كوهين، وهو ‏من أبوين سوريين، يتحدث العربية بلكنة حلبية، أى بطريقة أهل حلب.‏

وصار الجمال وكوهين صديقين، يقضيان وقتًا طويلًا معًا، وقد ألقى القبض عليهما معا حين ‏تكشفت عملية لافون، ثم اُطلق سراحهما لعدم كفاية الأدلة، وتفرقت بينهما السبل، إلى أن ‏جمعتهما المصادفة مرة أخرى فى أكتوبر 1957، لكن فى إسرائيل.‏

كان جاك بيتون منهمكًا فى عمله خلف مكتبه بشركة «سى تورز»، حين سمع صوتًا مازال ‏يذكر نبراته: جاك.. جاك..أخيرا وجدتك بعد ثلاث سنوات.‏

لم يصدق الجمال أنها مصادفة، واصطحبه إلى مقهى قريب، يسترجعان فيه ذكرياتهما ‏بالإسكندرية، وأيام النضال من أجل الوطن إسرائيل، كان الجمال حذرا، ويكاد يؤمن بأنه ‏مدسوس عليه، كجزء من عملية ملاحقته والتأكد من «صدق صهيونيته»، ووضع الجمال خطة ‏لبث الاطمئنان فى قلبه، أولًا: داوم على المقابلات وتعميق الصداقة حتى لا يشعر أنه يتجنبه ‏فيرتاب فيه، ثانيًا: التوقف التام عن أى نشاط خارج السياحة حتى لا يلاحظ ما يصنع.‏

ونجحت خطة الجمال إلى الحد الذى باح له كوهين ببعض أسراره، وأخطرها أنه يعمل فى ‏إدارة التجسس بالقطاع العربى، وفجأة اختفى إيلى كوهين كفص ملح وذاب لمدة سبع سنوات، ‏حتى شاعت أنباء القبض عليه فى سوريا وإعدامه فى ميدان عام، واعتبرته إسرائيل بطلا ‏قوميا نظمت من أجله الاحتفالات والمظاهرات ومراسم التكريم.‏

خلال تلك السنوات خضع إيلى كوهين لتدريب وإعداد على مستوى عال جدا، وأعطته ‏المخابرات الإسرائيلية اسما سوريا هو كامل أمين ثابت، تاجر يعمل بالاستيراد والتصدير، ‏هاجر أبواه إلى بيروت حيث ولد، ثم انتقلوا إلى مصر واستقروا فى الإسكندرية، وبعد موت ‏والديه سافر إلى الأرجنتين، ليؤسس مع عمه الثرى شركة لبيع الأقمشة فى شارع ليجازى فى ‏قلب العاصمة بيونس ايريس، لكن الشركة أفلست فعمل فى أوروبا فترة، ثم عاد إلى ‏الأرجنتين، لكنه يتمنى العودة إلى وطنه الذى حرم منه طول حياته.‏

وصل إيلى كوهين إلى بيونس إيرس على متن الطائرة السورية القادمة من زيورخ فى ‏الحادى والعشرين من مارس 1961، بجواز سورى مزور، واستأجر شقة فخيمة بالعقار رقم ‏‏1305 فى شارع تاكوارا، وبسرعة صار زبونا فى المقاهى والمطاعم التى يتردد عليها ‏السوريون واللبنانيون، وقتها كان يعيش فى العاصمة الأرجنتينية ما يقرب من نصف مليون ‏عربى، ولا يختلطون كثيرا بالسكان المحليين، وفضلوا أن يكونوا مجتمعًا شبه مستقل تجنيا ‏للمشكلات، وتعرف إيلى على الجالية السورية التى فتحت له ذراعيها وقلبها، رجال مال ‏وأعمال من ذوى علاقات رفيعة بالوطن الأم، ويزورهم من وقت لآخر دبلوماسيون وسياسون ‏قادمون من الوطن، وفى عام 1962، وبعد انكسار الوحدة المصرية السورية، رتبوا له ‏العودة إلى سوريا كواحد من الصفوة، وكان التاريخ من اختيار إيلى، بعد مغادرة الخبراء ‏والمستشارين المصريين دمشق، كى يضمن ألا يتعرف عليه واحد منهم، وارتقى إيلى كوهين ‏فى الحياة السياسية والحزبية السورية بسرعة، وكان مرشحًا لتولى مناصب رفيعة فى ‏حزب البعث والحكومة، ويقال إن الأسرار كانت تسال أمامه كنهر يفيض، خاصة وكيف لا ‏وهو صديق شخصى للرئيس أمين الحافظ الذى كان ملحقا عسكريا لسوريا فى الأرجنتين ‏وتعرف عليه هناك..‏

وظل الحال كذلك حتى قبض عليه فى يناير 1965 متلبسا بجهاز الإرسال.‏

كان كوهين يسكن فى شقة فاخرة قبالة السفارة الهندية، واشتكت السفارة إلى السلطات من ‏تشويش لاسلكى على رسائلها إلى نيودلهى، فراقبت السلطات محيط السفارة ورصدت رسالة ‏لا سلكية يومية على ترددات غير مصرح بها، لكنها فشلت فى تحديد مصادرها، فلجأت إلى ‏ضابط ألمانى سابق متخصص فى الاتصالات، كان سببًا فى كشف جاسوس شهير فى بلجيكا ‏عرف باسم الجاسوس الأحمر يبعث رسائله بنفس طريقة دمشق، فأوصاهم أن يقسموا ‏المنطقة إلى مربعات، يقطعون عنها الكهرباء يوميا بالتبادل، على أن تعبر وقتها سيارة لرصد ‏الذبذبات اللاسكية المربعات جيئة وذهابا، وبالفعل عثرت على مصدرها، ودخلوا على كامل ‏أمين ثابت المزعوم وهو يبعث برسالته، وكانوا يتصورونه مجرد مواطن خائن.‏

وفى 24 يناير وصلت إلى المخابرات الإسرائيلية آخر رسائل إيلى كوهين: إلى رئيس وزراء ‏إسرائيل ورئيس جهاز المخابرات فى تل أبيب، كامل وأصدقاؤه ينزلون ضيوفا فى دمشق، ‏وسوف تسمعون عن مصيرهم قريبا، إمضاء: جهاز مكافحة التجسس فى سوريا.‏

وفى فجر 18 مايو 1965 فتحت أبواب سجن المزة، وتحركت عربة عسكرية مغلقة متجهة ‏إلى ميدان المرجا الشهير، وبداخلها إيلى كوهين منهارا، قدماه شبه مشلولتين من التوتر، ‏ووقفت العربة فى الميدان، حضر حاخام سوريا «مسيو أندابو»، قرأ عليه الصلوات اليهودية ‏الأخيرة، وكتب كوهين خطابا إلى زوجته، ثم أعدم شنقا تحت أنظار ألاف السوريين الذين ‏أحاطوا بالميدان منذ منتصف الليل، ودفن فى مقابر اليهود فى دمشق، التى احتفظت بملفه ‏ستين عامًا، حتى سلمته إلى إسرائيل، وتتفاوض حاليا على تسليم رفاته أيضا.‏

وتجربة إيلى كوهين هى التى علمت رفعت الجمال أن يبتعد عن دائرة السلطة مهما كانت ‏الإغراءات، فهى دائرة مغلقة يسهل تتبع أصحابها!‏