روضة رمضان.. خواطر فضيلة د. على جمعة عضو هيئة كبار العلماء خصال رمضان 2

تحدثنا فى الحلقة السابقة عن أربع خصال اختصها الله تعالى برمضان، أما الخصلة الخامسة لهذا الشهر الكريم: اختص الله تعالى رمضان بليلة القدر، وليلة القدر مركب إضافى، يتوقف فهم معناه على فهم جزءيه، والجزء الأول من هذا المركب لفظ ليلة وهى فى اللغة: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويقابلها النهار. وثانيهما: القدر، ومن معانى القدر فى اللغة: الشرف والوقار، ومن معانيه: الحكم والقضاء والتضييق.
واختلف الفقهاء فى المراد من القدر الذى أضيفت إليه الليلة فقيل: المراد به التعظيم والتشريف، والمعنى: أنها ليلة ذات قدر وشرف لنزول القرآن فيها، ولما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذى يحييها يصير ذا قدر وشرف.
وقيل: معنى القدر هنا التضييق، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القدَر - بفتح الدال - وهو مؤاخى القضاء: أى بمعنى الحكم والفصل والقضاء.
قال ابن قدامة: ليلة القدر هى ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة. ثم قال: وقيل: إنما سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون فى تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة.
وليلة القدر خير ليلة فى العام، فهى خير من ألف شهر وهى ليلة مباركة، قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فى لَيْلَةِ القَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ [القدر:1: 5]. وقال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ، وقال النبى : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخارى ومسلم]. وقال النبى : «تحروا ليلة القدر فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان». [رواه البخارى] الخصلة السادسة «الاعتكاف»، وهو لغة الافتعال، من عكف على الشيء عكوفًا وعكفًا. من بابى: قعد، وضرب. إذا لازمه وواظب عليه، وعكفت الشيء: حبسته. وشرعًا: اللبث فى المسجد على صفة مخصوصة بنية.
ويدخل المسلم فى مكان معد لخلوته بالمسجد بمجرد غروب شمس اليوم العشرين من رمضان، ويخرج من معتكفه بغروب شمس آخر أيام رمضان، ويقضى هذه الفترة فى ذكر الله وتلاوة القرآن والتفكر والتأمل، ويقلل من الاختلاط بالناس ويجمع قلبه على ربه. فيجتمع للاعتكاف كثير من الطاعات؛ من التلاوة، والصلاة، والذكر، والدعاء، وغيرها.
«وكان النبى صلى الله عليه وسلم يعتكف فى كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذى قبض فيه اعتكف عشرين يومًا» [أخرجه البخاري].
ويكون الاعتكاف فى هذا العشر الأواخر لأجل طلب ليلة القدر، وهى عند الشافعى -رضى الله عنه- منحصرة فى العشر الأخير من رمضان، فكل ليلة محتملة لها لكن ليالى الوتر أرجاها، وأرجى ليالى الوتر ليلة الحادى أو الثالث والعشرين، وعند الجمهور هى ليلة السابع والعشرين.
الخصلة السابعة من الخصال التى خص بها شهر رمضان هى أن العمرة فيه أفضل من العمرة فى أى وقت آخر، فقد روى ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة فى رمضان تعدل حجة» [رواه مسلم وابن خزيمة واللفظ له]. وفى رواية لمسلم كذلك «أو حجة معى».
العمرة: بضم العين وسكون الميم لغة: الزيارة، وقد اعتمر إذا أدى العمرة، وأعمره: أعانه على أدائها. وشرعًا هى الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة بإحرام.
وبالعمرة فى رمضان يتحصل المسلم على كفارتين، فصح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [رواه أحمد وابن حبان]، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة المكتوبة التى بعدها كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة والشهر إلى الشهر يعنى من شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة لما بينهما» [رواه أحمد والحاكم فى المستدرك]، والعمرة مشروعة فى كل وقت إلا أنها فى رمضان يعظم أجرها، كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم.