
محمد هانى
صحفى بين رئيسين
نختلف معه أو عليه لكن يظل الأستاذ محمد حسنين هيكل الذى نعيش هذه الأيام ذكرى رحيله التاسعة، فى مكانة لم يستطع أحد أن يسلبها منه أو يزحزحه عنها على مدار أكثر من 70 عامًا قضاها مشتبكًا فى قضايا وطنه ومهنته.. متصلًا بأهم الأطراف وقريبًا من قلب الأحداث التى صنعت وصاغت الخريطة السياسية فى منطقتنا المشتعلة دومًا.
ومهما قيل فمن الإنصاف اعتبار أن «هيكل» لم يكن صنيعة شخص ولا صنيعة منصب ولا ظاهرة عهد، فقد ظل مؤثرًا متفردًا بحضور لم يخفت يومًا، ليس فقط حتى رحيله بل إلى هذه اللحظة ولسنوات كثيرة قادمة فيما أحسب.
والأهم أنه لم يسمح للسياسة أن تنتقص من هويته كصحفى، فقد كان يدرك أن مكمن قوته وضمان بقائه وخلود اسمه إذا تبدلت المواقع وذهبت العهود لن يحققها سوى كونه صحفيًا يحفظ لقلمه حريته ولمهنته كرامتها، ويستطيع أن يقول «لا» أو «نعم» مهما تقاربت المسافات أو تباعدت.
وقد كان مما يثبت لى ذلك دائمًا موقفان:
أحدهما حين اعتبر الرئيس السادات أن ما يكتبه «هيكل» مخالف لرؤيته وخططه السياسية وضار بها بعد حرب أكتوبر فقرر إبعاده عن رئاسة تحرير الأهرام وتعيينه مستشارا للرئيس وخصص له بالفعل مكتبًا بقصر عابدين، وخرج «هيكل» من الأهرام السبت 2 فبراير 1974 ويومها قال لوكالات الأنباء ولرجال الدولة الذين حاولوا إقناعه بقبول المنصب: «إننى استعملت حقى فى التعبير عن رأيى والرئيس السادات استعمل سلطته، وسلطة الرئيس قد تخول له أن يقول لى: اترك الأهرام، لكنها لا تخول له أن يحدد لى أين أذهب بعد ذلك، القرار الأول يملكه وحده والقرار الثانى لى وحدى».
قبلها وعندما رأى الرئيس عبد الناصر تكليفه بوزارة الإرشاد القومى (الإعلام) فى الوزارة التى يترأسها بنفسه أرسل له «هيكل» خطاب اعتذار شخصى، وبصرف النظر عن أن الرئيس أصر على توليه الوزارة، إلا أن ذلك الخطاب ظل بالنسبة لى وثيقة فى ذاته تكشف بدقة رؤية «هيكل» لنفسه ومهنته ودوره مهما كانت درجة اقترابه وثقته فيمن كلفه.
ويكفى أن نقرأ بعض فقرات من الخطاب الذى كتبه فى أربع صفحات بخط يده فى 26 أبريل 1970 :
(.... وإذا سمحتم لى ياسيادة الرئيس فإنى أرجو أن أضع تحت نظركم بعضًا من الظروف الخاصة التى تدعونى إلى أن ألتمس منكم معاودة بحث الأمر فيما يتعلق بى...
إن الصحافة هى مهنتى منذ ثمانية وعشرين عامًا، ولم أعرف لنفسى فى حياتى عملًا غيرها لدرجة أستطيع أن أقول معها بإخلاص أن هذه المهنة هى حياتى ذاتها…
لقد استقرت أفكارى وأهدافى منذ وقت طويل على أن مستقبلى هو العمل الصحفى وحده، وقد بلغ ذلك فى يقينى مبلغ المبدأ وذلك إحساس أنتم أكثر من يقدره…
إن قراركم الكريم الذى يسمح لى استثناءً بأن أجمع بين الوزارة وبين العمل فى الأهرام يلقى علىّْ ما لا أستطيع تحمله وأعرف مقدمًا أن جهدى كله سوف يميل إلى جانب الأهرام وليس ذلك إنصافًا لمسئولية أخرى…
إن هناك مشكلة سوف تعرض لى على الفور وهى مشكلة مقالى الأسبوعى «بصراحة» وقد أصبح هذا المقال جزءًا لا يتجزأ من كيانى كما أنه ارتباط وثيق بصلة القلم مع مئات ألوف من قراء الأهرام فى مصر، وسوف يزداد اللبس بين آرائى وآراء الحكومة، وهو لبس يقع بالفعل بغير وزارة فكيف إذا أضيفت إليه الوزارة...)
إن الأستاذ «هيكل» بشخصه وشخصيته يفتح لنا مسارات تفكير ويعلمنا دروسًا، ليس فقط نحن كصحفيين ولكن كل إنسان يطمح إلى أن يصنع أسطورته الخاصة ويكون ولو كلمة تستحق أن تُدَوَن فى كتاب أمته.