الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

هدير دهب مؤسسة مشروع «ناسجات النيل» لروزاليوسف: المرأة النوبية هى حجر الأساس فى حفظ وصون التراث غير المادى

هدير دهب، فتاة نوبية طموحة، مهندسة معمارية تخرجت فى جامعة القاهرة عام 2012، دفعها شغفها بالعمران والتراث للحصول على رسالة الماجستير من جامعة السربون، تأثرت بحكايات جدتها التى كانت تصطحبها معها فى جلسات النادى النوبى الأسبوعية بوسط البلد، عن عالم النوبة الغنى بتراثه وعاداته وتقاليده، شعرت بمسئولية كشابة أن يكون لها دور فى الحفاظ وإحياء التراث النوبى من خلال تمكين النساء النوبيات خلال مشروع «ناسجات النيل».



تحكى دهب فى حديثها لروزاليوسف عن مشروعها ناسجات النيل الذى نفذت مرحلته الأولى فى القاهرة، وتستعد لمرحلته الثانية فى أسوان فبراير الحالى: «هدف المشروع الحفاظ على جوانب حيوية من التراث الثقافى النوبى وإحياؤها من خلال حرفتين تقليديتين: صناعة الخرز من مجتمعات الكنوز النوبية وتفصيل «الجرجار» (الزى التقليدى) من مجتمعات فاديكا».

 فى البداية.. مهندسة معمارية وفاعلة نشطة فى مجال حفظ التراث النوبى.. كيف أثرت نشأتك على شغفك تجاه هذا المجال الثرى؟

- ولدت لأبوين نوبيين من قريتى توماس والديوان، وبينما لم أسافر لأسوان حتى مرحلة التعليم الجامعى، بدأت علاقتى بالتراث النوبى منذ الصغر من خلال جدتى التى كانت تصطحبنى معها أسبوعيًا، لمقر النادى النوبى فى وسط البلد، والتى كانت تترأس فيه لجنة المرأة النوبية، وهناك اقتربت من عالم النوبة من عادات وتقاليد وحكايات كفتاة نوبية صغيرة فى مرحلة الاكتشاف. 

وأعتبر علاقتى الحقيقية بالتراث النوبى، بدأت أثناء دراستى للماجستير من جامعة السوربون عام 2013، فى تخصص إدارة التراث الثقافى، وركزت أبحاثى على الإدارة العمرانية للمناطق التراثية، وأتاحت لى هذه الدراسة، فرصة كبيرة للتعرف على التراث الثقافى غير المادى على يد العالم الكبير رائد التراث الدكتور أحمد المرسى، الذى ألهمنى كثيرًا للربط بين المعارف الجديدة ومخزونى الذى توارثته من حكايات جدتى، وهنا شعرت بمسئولية مجتمعية تجاه مجتمعى النوبى، ودورى فى إلقاء الضوء على التراث النوبى الغنى وتوثيقه، وإتاحة الإنتاج باللغة العربية، خاصة أن معظم الإنتاج المعرفى للتراث النوبى باللغة الأجنبية ولا يصل لأهالينا.

هل تتذكرين أول مشروع لكِ فى النوبة؟

- شاركت فى مشروعين؛ تأسيس أول متحف للمرأة بالشرق الأوسط خلال عامى 2016 - 2017، وكان المتحف بالتعاون بين الجامعة الأمريكية ومؤسسة المرأة والذاكرة، وتوليت مسئولية مقابلة مجموعة سيدات نوبيات وتوثيق تجاربهن المُلهمة حول ثلاثة محاور؛ العمل، التهجير والبيت أو العائلة. والمشروع الثانى كان بالتعاون مع «اليونسكو» مطلع عام 2020، لتوثيق ورصد التراث الثقافى غير المادى وخاصة الحرف التراثية فى قرى التهجير، وقابلت مجموعة نساء من قبائل الكنوز ووثقت معهن مشغولات الخرز النوبية وأنواع نظم الخرز، بينما اشتهرت نساء قبائل الفاديكا بتصميم الزى التقليدى كا «الجرجار».

واكتشفت فى هذه الرحلة بعدًا آخر يتعلق بجغرافيا المكان وتأثيرها على العادات والتقاليد وكذلك الحرف التراثية، فالكنوز الذين تطل منازلهم على الجبل تختلف عاداتهم وعمارة منازلهم وحرفهم عن الفاديكا الذين تطل منازلهم على النيل. ولكن ما أزعجنى وأثار انتباهى ومسئوليتى تجاه مجتمعى النوبى هو اندثار الحرف التراثية، فمثًلا هناك سيدتان فقط تنسجان الجرجار الآن فى هذه القرى، وواجهت صعوبة فى تصويرهما والحديث معهما.

 لاحظت هذه التقاطعية المستمرة فى مشروعاتك بين التراث والمرأة النوبية..؟

- تشغلنى هذه التقاطعية، وأكتشف من هذه المقابلات دور ومكانة المرأة النوبية فى حفظ وصون التراث وخاصة غير المادى، فهى من تورث العادات والتقاليد والممارسات للأبناء والأحفاد، ولقاءاتى المستمرة للنساء النوبيات وخاصة مشروع توثيق الحرف التراثية، والذى يواجه الانقراض، شكل رؤيتى فيما بعد لمشروع «ناسجات النيل». 

 حدثينا أكثر عن «ناسجات النيل»؟

- مشروع تابع لاتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية الوطنية EUNIC، يُركز على الحفاظ على جوانب حيوية من التراث الثقافى النوبى، وإحيائها من خلال حرفتين تقليديتين: صناعة الخرز من مجتمعات الكنوز النوبية وتفصيل «الجرجار» (الزى التقليدى) من مجتمعات فاديكا.

ويهدف المشروع إلى تمكين النساء والفتيات النوبيات من خلال الحفاظ على الحرف التقليدية وتطوير المهارات الحديثة، من خلال برامج تدريبية شاملة فى القاهرة وأسوان.

واستهدفنا خلال أيام المشروع، خلق مساحات حيث تستكشف النساء جذورهن الثقافية مع تطوير المهارات العملية، بل قمنا بالتوازى مع أيام تدريب المشاركات بتنظيم، ورش عمل لأبنائهن ووصل عددهم 13 شابا وفتاة، لتوثيق هذه الرحلة الفنية لأمهاتهم، وتعليمهم كيفية التقاط تراثهم من خلال التدريب على أساسيات التصوير الفوتوغرافى بالهاتف المحمول والفيديو وكذلك التسويق الإلكترونى على السوشيال ميديا، وهو ما يسهم فى بناء الجسور بين الأجيال. 

كم عدد السيدات اللاتى تم تدريبهن فى المشروع؟

- نفذنا برنامج القاهرة فى سبتمبر الماضى، بالشراكة بين مبادرة مكاننا، وجاليرى علياء، ومبادرة المرأة النوبية للحرف اليدوية التقليدية. نجحنا فى تدريب 15 امرأة نوبية تتراوح أعمارهن بين (25: 80 سنة) تعلمن خلال رحلة إبداعية استغرقت ستة أيام عمل على مدار 8 ساعات يوميًا، على اكتشاف طرق مبتكرة للجمع بين تقنيات صناعة الخرز وتصميم شكل حرفى جديد للزى التقليدى: «الجرجار المصنوع من الخرز». ومعظم المشاركات كانت لديهن خلفية فى الخياطة والتطريز.

وكيف كانت نتائج تدريب ناسجات النيل فى القاهرة؟

- نجحت السيدات المتدربات فى إنتاج خمس وحدات من الجرجار، كل جرجار بلون وتصميم مختلف وبوحدات زخرفية متنوعة، وكان يستغرق إنتاج الجرجار بدون تطريز يوما كاملا بينما يحتاج لثلاثة أيام حال تطريزه، ولمست تعطشا لدى قطاع كبير من النوبيين إحياء الزى التقليدى، واستقبلنا خلال فترة التدريب بعد نشر أبناء المتدربات للقطات من جلسات القص والتطريز عبر السوشيال ميديا، طلبات شراء من بينها عروسة تستعد لزفافها.

 ولكن ما أصل اسم «الجرجار»؟

- يُوجدعدة تفسيرات؛ هذا الذيل الجرجار الذى يجر ويمسح خلفه آثار أقدام النساء وكانت بلاد النوبة قديمًا رملية، حتى لا تعرف الناس خط سيرها وأين تذهب، والتفسير الآخر يعود بمعرفة وزن المرأة من خبطة قدمها على الأرض، وقديما كان يوجد الجرجار الملون وفقا لأبحاث منشورة بمركز التوثيق الحضارى والثقافى، ولكن لم يصلنا سوى الجرجار الأسود فقط الآن.

 هل أثرتِ رياح التهجير للنوبيين فى مدن مختلفة على هوية «الجرجار» النوبى الأصلية؟

- للأسف تأثر، البعض يصمم الجرجار مُقلدًا العباءات السعودية الخليجى، بأن يكون الجرجار مفتوحا من الأمام أشبه بالكارديجان أو العباءة، بل أخبرتنى إحدى السيدات بقرى الفاديكا أنهن يشترين أقمشة الجرجار مستوردة من الإمارات، السعودية والخليج، وهذا يعكس تغييرا حقيقيا فى شكل وهوية الجرجار، والسردية النوبية التى تُمحى مع الوقت وتظهر بوضوح فى الزى التقليدى البسيط، فتصميم الجرجار الأصلى كان يتم من خلال قياس محيط الصدر والكم فقط للنساء ولا يتم الاقتراب للخصر، كان ينسدل على أجساد النوبيات فى حرية. كما يظهر هذا التأثير فى قرى الكنوز، حيث ينتشر ارتداء الشوقة السودانية، ومشغولات الخرز المشهورين بها أصبحت تجارية فقط وجودتها ضعيفة. 

 وهل جرجار «ناسجات النيل» عصرى بدرجة تؤثر على هويته الأصلية؟

- إطلاقًا، فى «ناسجات النيل» قدمنا لأول مرة الجرجار المطرز، الذى لم يكن موجودا من قبل، لندمج فيه ثقافتى قبيلتى الفاديكا والكنوز معًا، وفقًا لدارسة علمية، شاركتنا بها الدكتور علياء خيرى الباحثة بالمعهد العالى للفنون الشعبية حيث أنجزت رسالتها فى الماجستير حول «العناصر الجمالية لمشغولات الخرز النوبية» بالتعاون مع السيدة منى حسين المؤسسة لمبادرة «سيدات النوبة للحرفة التراثية والتقليدية»، وقدمنا خلال «ناسجات النيل» هذا المزيج بين تصميم الجرجار النوبى الأصيل وتطريزه بالخرز(مثلثات – سبعات – ثمانيات - الذى يعكس المعتقد الشعبى فى الثقافة النوبية. 

ما هو شعورك بعد الانتهاء من المرحلة الأولى من مشروع «ناسجات النيل»  والخطوات القادمة؟

- نستعد بحماس لتنفيذ البرنامج الثانى فى محافظة أسوان، خلال شهر فبراير الحالى، لأن القرى النوبية علاقتها بالجرجار مختلفة، فهن يرتدينه بشكل يومى عكس القاهرة، يقتصر ارتداؤه على الحفلات والمناسبات كالزفاف والحنة، وأتوقع مفاجآت من المرأة الأسوانية خلال ورش التدريب. وبعد انتهاء تدريب أسوان، نسعى لإنتاج فيلم وثائقى يسجل رحلتنا مع ناسجات النيل.

أما عن شعورى فهو الفخر والسعادة الغامرة، حيث نجحت فى وقت إنجاز هذا المشروع وأحدثنا تغييرا فى حيوات النساء الـ15 اللواتى شاركنا الرحلة فى القاهرة، وإضاءة الطريق أمامهن لاستغلال موهبتهن فى الخياطة والتطريز وبدء مشروعاتهن الخاصة، واكتشاف ذواتهن خلال المشروع وإدراكهن أن ما يظنون أنه بسيط فهو ملهم. هدفنا فى «ناسجات النيل» تمكين النساء اقتصاديًا، ومساعدتهن على اكتشاف تراثهن النوبى الغنى وتوظيفه بصورة معاصرة فى إنتاج وحدات جرجار فريدة من نوعها.

 هل تتذكرين موقفًا خلال هذه الرحلة عالقًا فى ذهنك؟

- لن أنسى مشهد النساء المشاركات فى التدريب، اللواتى قررن ارتداء الجرجار الذى صممناه فى الورشة، وصعدن به على المسرح فى الحفل الختامى لبرنامج القاهرة بفخر، عكس بداية التدريب كن يرفضن التصوير أو الحديث عن موهبتهن فى التطريز والتصميم، شعرت وقتها أن التغيير الذى أردته تحقق، عندما اكتشفت كل سيدة فى المشروع أنها تقدم فنا وليس مجرد حرفة، ويحق لهن الاحتفاء بأنفسهن.

 أخيرًا.. ما هى تحديات صون وحفظ التراث النوبى؟

- هناك تحديات متنوعة لها علاقة باللغة وفهمها، هناك أجيال كاملة اتهجرت، وهى بالعقد الأخير من حياتها، غير قادرين على التوثيق معها للتراث، بسبب نقص التمويل وضعف الإمكانيات لهذه المشروعات الكبرى. بفعل التهجير أيضًا اندثرت عادات وتقاليد كثيرة والباقى مهدد للاختفاء، وهو تحد كبير يواجهنا كنوبيين، وللأسف الاستسهال فى حفظ التراث النوبى أدى لنتيجة عكسية، تحولت رمزية النوبة فقط فى ذهنية أغلبية المصريين لبيوت ملونة!

وهذا غير حقيقى لأن منازل قرى الفاديكا مثلا هى بيضاء اللون ومرسوم عليها رموز السبعات الثمانيات، ومن ثم تم اختزال تراث عميق وثرى بمنتهى السطحية.