فوق النخل

منى رضوان
«فوق النخل».. أغنية من تراث بلاد الرافدين من أشهَر المقامات الموسيقية وهو مقام الحجاز. غناها كتير من المغنين العرب ولكن أشهرهم على الإطلاق هو ناظم الغزالى.
وهى من ألحان الملا عثمان الموصلى، وده عَلم من أعلام مقرئى القرآن الكريم وواحد من رواد نهضة الموسيقى العربية، وكان كمان خطيب مفوَّه فى ثورة العراق سنة 1920.
الأغنية كانت فى الأصل موشح دينى اسمه «فوق العرش فوق».
قصة الأغنية دى مرتبطة بالعمارة البغدادية، فى الوقت ده علشان كانت البيوت ساعتها عبارة عن ساحة كبيرة حواليها أوَض وكل بيت عبارة عن دور أرضى ودور علوى.
كانت الناس بتأجّر أحد الدورين للسكن بس لو الليّ هيأجّر واحد راجل عازب لازم يأجّر الدور الليّ تحت.
تقول الرواية إن شاب خلوق وعازب أجّر الدور الأرضى فى بيت من البيوت دى، كان بيخرج الصبح ويرجع بالليل يدخل أوضته ومبيكلمش حد خالص لحد ما فى يوم لمح بنت جميلة فى الدور العلوى بَس مقدرش يكلمها علشان التقاليد والعادات فقرّر يغنى بصوته الجميل علشان يلفت نظرها وقال: «فوق إلنا خل» ودِه معناه عندنا حبيب أو خليل فى الدور الليّ فوق.
تانى يوم رجع من شغله وكله شوق إنه يشوف حبيتبه فلقاها واقفة ونور الفانوس منوّر وشّها فغنّى وقال: «فوق إلنا خل فوق، يابا فوق إلنا خل فوق، مدرى لمع خدّه، يابا مدرى القمر فوق».
مع صوت الشاب الجميل سمعه الجيران وخرجوا يشوفوا إيه ده وبدأوا يغنوا معاه، ومع تكرار الجُمَل الليّ بيقولوها بلهجتهم البغدادية تحوّلت العبارة إلى فوق النخل فوق.
فى رواية أخرى بتحكى عن الأغنية دى بتقول إن أصل القصة من البصرة المشهورة بنخلها وإن فى شاب حب بنت كانت بتبصُّله من الشّبّاك من خلال سعف النخل العالى، ومن هنا بتقول القصة إن فوق النخل مقصودة بالمعنى الحَرفى لها، وإن الدليل على أن دِه أصل الأغنية إن لمّا ناظم الغزالى المعروف بسلامة مَخارجه الصوتية غنّاها ضَخَّم حرف اللام فى كلمة النخل ومخفّفهاش ولا قَسّمها ونطق حرف الخاء فى النخل بالفتحة وليس الكسرة.
رواية تالتة بتبص للأغنية من منظور اجتماعى بحت، وبتحكى قصة حب بين شاب فقير من أسفل السلم الاجتماعى وبنت غنية من علية القوم، وفى القصة دى جملة «فوق النخل» هى تعبير مَجازى فيه إن المجتمع الزراعى الملىء بالنخل أصحابه بيبقوا عاليين زَيُّه فى المقام وبيبُص لهم الناس لفوق كعِلِوّ النخل فى السما.
أيًا كانت القصة الحقيقة لا جدال أننا أمام أغنية خالدة كتير غنوها من فطاحل الغناء زى ناظم الغزالى وصباح فخرى وكمان غناها كاظم الساهر وكذلك أنشدها مغنيين وفِرَق حديثة نسبيًا زى الأخوين شحادة، وهى بحق علامة من علامات التراث العراقى الملىء بالفن والجَمَال.