النسوية الإسلامية نفوس مريضة بالحقد: مفهوم الحسد الشائع.. يخالف القرآن! "118"

محمد نوار
يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخـرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.
كريمة بولخراص، أكاديمية جزائرية بجامعة وهران، حاصلة على دكتوراه فى الكتاب والسُّنَّة عام 2014 م، وعضو بالمجلس العلمى واللجنة العلمية لقسم العلوم الإسلامية، لها كتابان «نظرية المقام تأصيلًا وتنزيلًا»، و«مقامات الخطاب فى القرآن الكريم، الترغيب والترهيب أنموذجًا».
وترى كريمة بولخراص أنه تاريخيًا لا يمكن تقييم جهود المرأة فى تفسير القرآن الكريم، إلا من خلال ما نقله التاريخ عن هذه الجهود، من حيث تدوين النساء اللواتى اشتغلن بالدرس القرآنى بشكل عام أو بالتفسير على وجه الخصوص، فنحن لا نكاد نجد فى كتب التراجم أو التاريخ أو حتى المدونات التى عملت على إحصاء أعلام التفسير والمشتغلين فى الدراسات القرآنية؛ إلاّ أسماء تُعَد على الأصابع.
وهو أمرٌ لا يمكن حصره فقط فى الدراسات القرآنية؛ بل يمكن تعميمه على مستوى الكثير من الدراسات الشرعية، وإن كان غياب المرأة فى جانب التفسير أوضح، وذلك لعوامل وأسباب عدة أدت لهذه الندرة، منها الظروف الاجتماعية وتوجهات واهتمامات المرأة فى كل مرحلة، ولعل أهمها طبيعة التكوين التى كانت سائدة.
هذا فضلًا عن عدم وجود مؤسّسات تهتم بتكوين المرأة فى موطنها، بما جعل التكوين عند المرأة منحصرًا فى الأسرة إن كانت عالمة، وطبعًا يستحيل فى ظل هذه الظروف ظهور مُفسّرة للقرآن الكريم، مع طبيعة القرآن الكريم وما يتطلبه من شروط لتفسيره.
الحسد:
أصبحت المواقف الحياتية مرتبطة بالحسد، وعند كسر أى شىء يقولون إنه حسد، وأن العين حق، والبعض يخاف على سيارته ووظيفته وبيته الجديد حتى ملابسه، رغم أنه قد يكون انتهى العمر الافتراضى للشىء.
كشف أخصائيون نفسيون أن وساوس العين والحسد عند النساء أكثر من الرجال؛ حيث تؤمن الكثير من النساء بموضوع الحسد، ويرجعن كل شىء إلى العين، حتى إن بعض النساء الحوامل يخفن من إعلان أمْر الحَمْل.
وبسبب العين الحسودة أصبحت الكثير من النساء يُحَصّنّ أنفسهن بشراء العين الزرقاء والأحجار الفيروزية التى فى اعتقادهن أنها يمكن أن تحميهن من الحسد وتبعد شر العين، كما يرى البعض أن للعين قدرة على التحكم فى مصائر الناس وأحوالهم.
فالحسد هو تمنّى زوال النعمة عن الآخرين، ويبقى حَسَدًا لا قيمة له إلاّ إذا انتقل من مرحلة التمنّى إلى مرحلة التنفيذ، والحسد لا يكون شرًا إلا حين وقوعه: (ومن شر حاسدٍ إذا حسد) فالحاسد لا سلطان له إلا إذا حَسَد، وإلا لقال تعالى: (ومن شر حسد الحاسد)، بمعنى أن تمنّى زوال النعمة لدى الحاسد هو بحاجة إلى تطبيق بدلالة (إذا).
إن الاعتقاد بتأثير العين على الناس هو وهْمٌ، فالحسد بمعنى تمنّى زوال النعمة، أى أن ما بين التمنّى ورؤى العين تلازم، الخلاف يبقى فى العين وتأثيرها، والعين مجرد عضو بشرى يترجم الشعور والإرادة إلى رؤية ضيق وغيظ، وهى المرحلة الأخيرة قبل العمل، لذلك جاء القرآن يطلب من الإنسان التعوذ من شر الحاسد بعد انتهاء هذه المرحلة الأخيرة لكفاية الإنسان من شر أعمال الحاسدين.
الحسد فى القرآن:
ثقافة الخوف من الحسد هى ثقافة منتشرة فى المجتمع، والبعض يؤمنون بالحسد ويعتبرون أن ما يحدث لهم من خسائر ومصائب وأمراض بسبب عين الحسود، ويبررون ذلك بأن الحسد مذكور فى القرآن، ويؤمنون بأن الحسد هو قدرة الحاسد على إصابة الآخرين بأمراض أو خسائر، ولا يؤمنون بأن الحسد هو الحقد الذى يصيب النفوس تجاه إنسان معين بسبب نجاحه أو غناه ثم يتحول هذا الحقد إلى فعل عن طريق العمل ضده وشحن الناس من حوله ونشر الشائعات عنه وتشويه سُمعته وقتله معنويًا.والآيات التى جاءت بها كلمة «حسد» فى القرآن الكريم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّن أَهلِ الكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُم مِّن بَعدِ إِيمَانِكُم كُفَّارًا حَسَدًا مِّن عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعفُوا وَاصفَحُوا حَتَّى يَأتِيَ اللّهُ بِأَمرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) البقرة 109، فالآية تتحدث عن رغبة الكثير من أهل الكتاب فى رد المسلمين عن دينهم حسدًا منهم بسبب عِلمهم بصدق هذا الدين، الحَسَد كان هو الدافع لدى الكثير من أهل الكتاب، لإحداث الود عندهم، لرد المؤمنين كفارًا، ولكن الحسد ظل كما هو دافعًا لا أكثر، ولم يؤثر فى المؤمنين، ولا فى دينهم.
وقوله تعالى: (أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُّلكًا عَظِيمًا) النساء 54، وتتحدث الآية عن الحقد الذى أصاب الكفار والمنافقين عندما اختار الله تعالى النبى عليه الصلاة والسلام رسولًا، الفضل هنا بما آتاه الله لآل إبراهيم من الكتاب والحكمة والمُلك العظيم.
وقوله تعالى: (سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقتُم إِلَى مَغَانِمَ لِتَأخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعكُم يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُم قَالَ اللَّهُ مِن قَبلُ فَسَيَقُولُونَ بَل تَحسُدُونَنَا بَل كَانُوا لَا يَفقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الفتح 15. يتهم المنافقون المؤمنين بحسدهم للمنافقين لكثرة مالهم؛ حيث إنهم تراجعوا عن الجهاد فى سبيل الله. الحسد فى الآية هو مجرد ادعاءٍ من المنافقين يتهمون به المؤمنين،فحاول المنافقون الالتفاف على حكم الله، وذلك بأن يخرجوا مع المؤمنين بعد أن علموا أن الخروج لأخذ المغانم، فلما منعوا من الخروج مع المؤمنين، اتهموا المؤمنين بأن المنع هو أمر من المؤمنين بدافع الحسد لهم على أموالهم، إذ المنافقون يتميزون بالثراء، فلما أرجع المخلفون المنع إلى دافع الحسد وصفهم الله بأنهم لا يفقهون إلا قليلًا:
(فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا)، الاستنكار هنا ليس للحسد كموضوع؛ وإنما للاتهام به بغير حقٍ.
وفى قوله تعالى: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) الفلق 5. والآية تتحدث عن الحسد كواحد من الشرور التى تتم الاستعانة بالله منها، ويأمر تعالى النبى والمؤمنين بأن يستعيذوا به من شر حاسدٍ إذا حسد، وليس من حاسدٍ إذا حسد.
إن الحسد فى القرآن يعنى الحقد والكراهية، ولكن البعض يعتقدون ان أحد الحساد كاد أن يصيب بعينه النبى عليه الصلاة والسلام، والقرآن ينفى أن يصيبه أى إنسان بأذى يمنعه من أداء الرسالة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة 67.
وقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) الفلق 1-2. لا يعنى الناس فقط لأنه عليه الصلاة والسلام محفوظ من شرورهم، ولكن يعنى التعوذ من الشياطين، وقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) المؤمنون 97-98.
وقوله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأعراف 200. ولم يأتِ الأمر بالتعوذ للنبى عليه الصلاة والسلام إلا فيما يتعلق بالشياطين.
درجات الحسد:
يتحدث القرآن الكريم عن حاسدين من الناس ولكن لا يأمر بالتعوذ منهم لأن حسدهم مجرد حقد: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة 109. ولو كان حسدهم كحقد ضارًا ما قال تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا).
للحسد درجات، منها ما يظل مكتومًا فى نفس صاحبه، ومنها ما يظهر للناس على شكل أقوال أو أفعال، وبمجرد ظهور آثار الحسد وانتقالها إلى مرحلة العمل يكون الخطر، لذلك كانت الاستعاذة من عمل الحاسد فى القرآن.
فجاءت الاستعاذة مع الحركة، وما يصاحبها من شر، ولو كان الحسد قائمًا بذاته كمؤثر لقال تعالى: «ومن حاسد إذا حسد»، ولكنه تَعَالَى قَالَ: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)؛ لأن الحسد ليس مؤثرًا بذاته؛ وإنما بما يترتب عليه من حركة شريرة تجلب الشر.
والبعض يستدل على وجود الحسد بما قاله النبى يعقوب عليه السلام: (يَا بَنِى لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ) يوسف 67. باعتباره خاف على أبنائه فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة حتى لا تنالهم أعين الحاسدين.
وقد يكون النبى يعقوب عليه السلام يخشى على أولاده من المضايقات عند الحدود المصرية؛ حيث يتم تفتيش ومراقبة القادمين من البدو، فكان من دواعى الحذر أن يدخل الأبناء إلى الحدود المصرية من أبواب متفرقة.
إن فكرة الحسد المنتشرة بين الناس ليس لها أساس فى القرآن الكريم؛ حيث لا يستطيع أى شخص أن يصيب الآخرين بالمرض والخسارة وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا.