السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

النسوية الإسلامية (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ): المرأة.. وتدبر القرآن! "113"

يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخـرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.



 

الكاتبة المغربية د. أسماء المرابط، من مدينة الرباط، وهى طبيبة متخصصة فى تشخيص أمراض الدم عند الأطفال، ورئيسة مركز الدراسات والبحوث فى القضايا النسائية فى الإسلام، التابع للرابطة المحمدية للعلماء فى المغرب.

اختارت د. أسماء المرابط بدافع البحث والمعرفة أن تعمل على قراءة جديدة للنصوص الدينية، خاصة المتعلقة بالمرأة، حيث تدافع فى كتاباتها عن مكانة المرأة فى الإسلام، ودورها الريادى فى مجالات متعددة، موضحة تمكين المرأة وتكريمها، داعية إلى البحث فى التأويلات الخاطئة لعدد من الروايات التى تدعو فيها إلى إعمال العقل والاجتهاد، لأن الأصل فى النهاية هو تحقيق الكرامة للرجل والمرأة معًا.

للدكتورة أسماء المرابط مجموعة من المقالات تناولت موضوع الإسلام والنساء، بالإضافة إلى كتب منها «مسلمة وكفى» 2002، «القرآن والنساء قراءة للتحرر» 2004، «النساء والرجال فى القرآن» 2012، «المرأة والإسلام» 2014.

(فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ):

تأتى كلمة الرسول فى القرآن بمعنى الرسول النبى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب 40، وبمعنى جبريل (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) التكوير 19. 

وبمعنى الملائكة: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) الزخرف 80، وملائكة الموت (حَتَّى إِذَا جَآءَتهُم رُسُلُنَا يَتَوَفَّونَهُم) الأعراف 37، وبمعنى الذى يحمل رسالة من شخص لآخر: (وَقَالَ ٱلمَلِكُ ٱئتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسـأَلهُ) يوسف 50.

والرسول بمعنى القرآن: (لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفتح 9، فكلمة (وَرَسُولِهِ) تدل على القرآن، لأن الضمير بعد ذلك جاء مفرداً، يعنى أن الله ورسوله بمعنى كلامه ليسا اثنين، ولا فارق بين الله تعالى وكلامه، فلم يقل «وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما»، والتسبيح لا يكون إلا لله تعالى.

قال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) التوبة 62، ولو كان الرسول فى الآية يعنى شخص النبى لقال تعالى: «أحق أن يرضوهما»، ولكن الرسول هنا يعنى القرآن، لذلك جاء التعبير بالمفرد الذى يدل على وحدانية الله تعالى وقرآنه، وإرضاءه تعالى يكون بفهم وتنفيذ القرآن.

(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ): 

قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) آل عمران 132، المطاع واحد هو الله فى أوامره التى ينطق بها الرسول أو من يقوم بالأمر بعد النبى من أولى الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء 59. 

فالطاعة للرسول هى طاعة لله صاحب الوحى، والنبى أول الناس طاعة للرسالة، وكذلك أولو الأمر يجب أن يكونوا فى طاعة الله.

ويأمرنا تعالى أن نطيعه ونطيع الرسول: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) النساء 69، طاعة الله والرسول تتعلق بالرسالة.

كل آية فيها أطيعوا الرسول لها سبب يتعلق بالتطبيق لأن الطاعة فى الدين لله، وتطبيق الرسول للقرآن من خلال الآيات هو التجربة العملية لكوننا لم نشهد الرسول، حتى نتعلم مفهوم الطاعة والتطبيق العملى لكتاب الله.

فى الآيات التالية توضيح لتعامل الرسول مع المؤمنين: (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّـهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. وَأَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) النور 51-54، النبى يبلغ ويتحمل مسؤولية التبليغ، والمؤمنون يتحملون مسؤولية الطاعة لله ورسوله.

مثال تطبيق التعاليم فى زمن الرسول، أن الله يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فمن حضر زمن الرسول وجب عليه طاعة الله وطاعة الرسول، ووجبت الطاعة أيضاً على من لم يحضر زمن الرسول لأنها تعاليم تطبيقية: (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّـهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِى شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء 58.

رد ما تنازعوا به إلى الرسول لا ينطبق على فرد لم يشهد زمن الرسول، وبالتالى يعود رد التنازع إلى القرآن ولمن بيده الأمر، أما فى حياة الرسول فهو صاحب الأمر فى زمنه.

فمثلاً الأنفال لله والرسول وهو موجود: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأنفال 1، الأنفال من النافلة وهى الزيادة فى الشيء وفى الآية هى الزيادة فى المال.

طاعة الله والرسول تعنى أن الذى لا يشرب الخمر ولا يلعب الميسر مثلاً فهو يطيع الله ويطيع الرسول فى أى زمن ومكان: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة 91.

والذى يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويتصدق فقد أطاع الله والرسول: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) المجادلة 13.

(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ): 

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل 43-44.

فى قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل 44، المقصود بالناس هم أهل الكتاب، فالحديث عن الأنبياء السابقين وما أنزل الله عليهم من كتب، وأهل الذكر الذين لديهم علم بالكتب السماوية السابقة.

فمن أسباب نزول القرآن تبيين الحق لأهل الكتاب فى الكتب السماوية السابقة، وفى ذلك يقول تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) المائدة 15.

وعن دور القرآن فى توضيح الحق لبنى إسرائيل: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) النمل 76، وفى قوله تعالى: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُو وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل 63-64، يؤكد أن القرآن هو الذكر الذى نزل على النبى ليبين لأهل الكتاب ما نزل لهم من قبل واختلفوا فيه.

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ): 

قال تعالى: (مَّا أَفَاءَ ٱللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ ٱلقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلقُربَى وَٱلیَتَامَى وَٱلمَسَـاكِینِ وَٱبنِ ٱلسَّبِیلِ كَی لَا یَكُونَ دُولَةَ بَینَ ٱلأَغنِیَاءِ مِنكُم وَمَا آتاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَٱنتَهُواْ) الحشر 7، الآية تتحدث عن المال الذى يأتى إلى بيت المال بلا حرب ولا قتال.

فالآية تتحدث عن الفىء وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين دون الأغنياء، وتقول للمؤمنين: وما آتاكم الرسول من هذا الفىء فخذوه وما نهاكم عنه من التطلع إلى ما ليس من حقكم فانتهوا عنه، ثم يوضح تعالى استحقاق الفقراء المهاجرين لهذا الفىء بعد أن تركوا أموالهم وديارهم: (لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ) الحشر 8.

وقد ربط المنافقين فى المدينة رضاهم عن الإسلام بمدى استفادتهم المالية منه مع أنهم أغنياء، ومع هذا الغنى كانوا يزاحمون الفقراء فى الحصول على الصدقات: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) التوبة 58-59.

الآيات توضح المعنى المقصود لقوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ)، فالمؤمن يرضى بما آتاه الرسول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ). 

وبعد أن وضح تعالى مستحقى الفىء فى الآية 7 من سورة الحشر، أوضح تعالى مستحقى الصدقات: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) التوبة 60.

ولذلك يجب على المؤمنين أن يأخذوا بما يؤتيه الرسول لهم، والرضا به والانتهاء عما نهى عنه، ومنه توزيع الغنائم والصدقات، فالنبى عليه الصلاة والسلام كان يحكم بالقرآن بين الناس.