السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

النسوية الإسلامية 111 ـ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم): المرأة.. ليست من الأنبياء!

يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخـرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.



اختيار النبى لأداء مهام النبوة يتطلب أن يكون النبى رجلًا قادرًا على تأدية هذه المهام، وهذا ليس تفضيلًا للذكر على الأنثى، بل هو اختيار الله تعالى لمن هو أكثر ملاءمة لمقام النبوة.

القرآن الكريم هو كلام وقول الله تعالى، الذى يعلم أصل الكلمات ومعانيها، فالكلمة فى القرآن يتم استخدامها بدقة، تبعًا لمعناها الحقيقى، وحسب الدلالة الصحيحة لوظيفة الكلمة، وليس بمعناها الذى تعارف الناس عليه من خلال ثقافتهم فى الحياة. 

كلمة رجل تدل على الحركة المكررة، ومن هذا المفهوم سميت الأقدام التى تتحرك أرجل، وسمى الكائن الإنسانى رجلًا لأنه ترجل واقفًا على قدمين وسعى فى الحياة، وتسمى المرأة الرجلة إن كانت تعمل وتسعى فى الحياة لمعيشتها، فمفهوم الرجولة يتعلق بالإنسان البالغ الواعى الساعى فى الحياة لتأمين معيشته، ذكرًا أو أنثى.

وفى القرآن تستخدم كلمة رجل للدلالة على النضج العقلى والاجتماعى، والقادر على التصرف الحكيم فى المواقف المختلفة، وهو ما يؤهل الفرد لتحمل المسئوليات مثل القيادة، التعليم، والدعوة.

وكلمة الرجل فى القرآن تأتى بمعانى منها الشخص الذى يحمل صفات الرشد والمسئولية، وذلك يشمل الذكر أو الأنثى بحسب السياق، حيث إن الكفاءة فى تنفيذ المهام لا تعتمد فقط على النوع، بل على الوعى والنضج.

>النبوة والرجل: 

النبوة مقام إمامة ودعوة وتعليم، حيث يكون النبى هو الشخص المختار لتبليغ أوامر ونواهى الله للناس، هذه المهمة تتطلب الاختلاط مع مختلف طبقات المجتمع، والتواصل مع الناس فى كل الأوقات والظروف، النبى هو قائد الأمة الدينى والتعليمى، ويتطلب ذلك منه أن يكون قادرًا على تحمل المسئولية دون أى عوائق.

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى) يوسف 109، فى الآية اختار تعالى رجالًا للنبوة، وفى القرآن نجد أن النوع البيولوجى للرجال النبيين هو الذكر، فالرسالة الإلهية تتطلب النضج العقلى والجسدى، والقوة القيادية، دون وجود أى عوائق جسدية قد تؤثر على الدور القيادى والنبوي.

>دور المرأة دينيًا:

المرأة قد تصل إلى درجات عليا فى الدين رغم أنها ليست نبية، مثل السيدة مريم عليها السلام، التى وصفها تعالى بالصديقة: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) المائدة 75.

السيدة مريم وصلت إلى مقام عظيم دون أن تكون نبية، وهى مثال على قدرة المرأة على الوصول إلى مراتب عالية من الإيمان والطاعة، لكنها لم تتحمل مسئولية الدعوة والنبوة.

>رجال فى القرآن:

كلمتا ذكر وأنثى تدل كل منهما على نوعى الإنسان: (للَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) الشورى 49، ولكن كلمة رجال قد تفيد الذكور وقد تفيد المترجلين الذين يمشون على أرجلهم.

وتأتى كلمة رجال بمعنى الذكور فى موضع المقارنة بالنساء، فى تشريع الميراث: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) النساء 7، الرجال هنا مقابل النساء، بينما جاء الوالدان والأقربون دلالة على الذكر والأنثى معًا.

وعن فريضة الجهاد: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) النساء 75، الرجال مقابل النساء، أما الولدان فتشمل الذكر والأنثى.

وتأتى كلمة رجال بمعنى المترجلين من الذكور والإناث الذين يسعون فى الأرض سيرًا على أقدامهم: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة 238-239، رجالًا أى مترجلين مقابل ركبانًا، وهذا فى حالة الصلاة عند خوف ضياع الوقت، كأن يكون المؤمن راكبًا أو فى حالة مطاردة وحرب.

وعن فريضة الحج للذكور والإناث: (وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج 27، أى يأتون رجالًا مترجلين أو راكبين للإبل الضامرات من السير فى الصحراء.

والصلاة فى المساجد للمترجلين من الذكور والإناث الذين يسعون للمساجد مشيًا على أرجلهم: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) النور 37.

وفى غزوة الأحزاب تم حصار المدينة وصمد المؤمنون والمؤمنات ونجحوا فى اختبار المحنة: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) الاحزاب 23، رجال هنا تعنى مترجلين، حيث كانوا يسرعون فى الحركة دفاعًا عن المدينة.

والرجال على الأعراف الفاصلة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) الأعراف 48، الرجال هنا هم ملائكة مترجلين.

وفى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ)، السياق جاء عن الأمم السابقة ثلاث مرات، مرة بعد انتهاء قصة يوسف، يقول تعالى للنبى عن قومه داعيا قريش للسير فى الأرض للاتعاظ مما حدث للأمم السابقين: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يوسف 109، فالسياق هنا عن الأمم السابقة.

وأيضًا فى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النحل 43، وفى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الأنبياء 7.

>الملائكة رسلًا:

كانت الأمم السابقة تطلب نزول ملائكة بدل الرسل، وكانت قريش مثل الأمم الكافرة السابقة فى طلب الملائكة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) النحل 33. 

وجاءت أسباب الرفض فى إنزال الملائكة لهم، فهم لن يؤمنوا مهما جاءت من آيات ومهما نزل اليهم من ملائكة: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) الانعام 111. 

والملائكة لا يراها الإنسان إلا عند الموت، وفى يوم القيامة، وفى الحالتين لا مجال للتوبة ولا للعمل الصالح: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) الأنعام 158.

وحين تنزل الملائكة فهو الحق الذى ليس فيه فرصة ثانية: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ. مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) الحجر 6-8.

وطبيعة الملائكة تختلف عن طبيعة البشر، فالملائكة مخلوقات فى مستوى يعلو فوق مستوانا المادى، وسرعتها فى الحركة فوق إدراكانا، ولا يمكن للعين البشرية محدودة الإمكانات أن ترى الكائنات الدقيقة فى نفس عالمنا، ولا يمكن أن ترى أنواعا مختلفة من الأشعة، وبالتالى لا ترى الملائكة. 

ورؤية الملائكة تتطلب أن تتجسد فى هيئة مادية بشرية، كما حدث فى قصة النبيين إبراهيم ولوط، وفى قصة مريم، وتجسيد الملائكة يعنى أن تترجل وتسير على قدمين، وعندما طلبت قريش نزول ملك من السماء قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) الانعام 8-9.

وجاء الرفض لأن نزول الملائكة يعنى نهاية الأمر، وأنه لو نزلت الملائكة فستكون بشرًا، ولكن عناد الكفار يعنى الاستكبار، فكيف يتبعون بشرًا رسولًا مثلهم يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) الفرقان 7.

قال تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) الإسراء 94، لقد رفضوا الهدى لأنهم يريدون ملائكة تنزل لهم، ويأتى الرد بأنه لو كان فى الأرض ملائكة تعيش كالبشر لأنزل تعالى لهم ملكًا رسولًا من السماء: (قُلْ لَوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) الاسراء 95، وصف الملائكة التى لو فرضًا عاشت فى الأرض بأنهم يمشون مطمئنين أى يسيرون مترجلين.

فمهام النبوة تتطلب من النبى أن يكون قادرًا على التحرك بحرية، وتنفيذ مهامه بدون موانع قد تؤثر على أدائه لمهمته، فالموانع التى قد تواجه المرأة، مثل الحمل والولادة والرضاعة والحيض، قد تكون مانعًا فى تأدية هذه المهام بشكل مستمر، وهذا ليس تفضيلًا للذكر على الأنثى كنوع بيولوجى، بل هو اختيار إلهى لمن هو مناسب لمقام النبوة بناءً على متطلبات هذه المهمة.