الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

«طوفان الأقصى» كشفت اللعبة: أخونة الزعامة السنيَّة فى لبنــــــــــــــــان

كشفت الاشتباكات المتبادلة بين المقاومة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلى فى فلسطين عن تطور خطير جرى داخل الطائفة السنية فى لبنان.



وبحسب نظام المحاصصة الطائفية اللبنانية، فإن للمسلمين السنة الحق فى تسمية رئيس الحكومة اللبنانية، بينما يذهب منصب رئيس مجلس النواب للمسلمين الشيعة ويذهب منصب رئيس الجمهورية للمسيحيين الموارنة.

ولم يكن لبنان الحديث الذى تأسس عام 1920 قد بدأ بهذا الشكل من المحاصصة الطائفية، اذ كان منصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فى بادئ الأمر حصريًا على الطوائف اللبنانية المسيحية.

 

وكانت المناصب الكبرى فى لبنان حكرًا على المسيحيين -سواء الموارنة أو الأرثوذكس أو الإنجيليون، وليس الموارنة فحسب- ويعود ذلك إلى أن الطبقة البرجوازية المسلمة فى عموم لبنان كانت ترى فى الحدود المعلنة وقتذاك وضعًا مؤقتًا، وأنه سوف يتم ضم لبنان أو بعض أجزائه إلى جمهورية سورية كبرى، وساد هذا الظن فى طرابلس وعكار شمالًا، وحتى بين نسبة كبير من الطبقة البرجوازية المسلمة فى بيروت.

بل إن نسبة كبيرة من ساسة الطبقة الرأسمالية البرجوازية اللبنانية وقتذاك كانت تشارك فى المؤتمرات السياسية السورية والوفود السورية التى تفاوض فرنسا من أجل الاستقلال، وعلى رأسهم -وللمفارقة- رياض الصلح الذى أدرك بحلول الأربعينيات أن لبنان أمر واقع ووطن يستحق أن ينتمى إليه.

وهكذا ودع الصلح انتماءه السورى، وعاد إلى وطنه لبنانيًا، وتولى رئاسة الوزارة اللبنانية فى مرحلة إعلان الاستقلال والجلاء، وسنّ مع الرئيس بشارة الخورى الميثاق الوطنى عام 1943 الذى نص على حصر منصب رئيس الجمهورية بين المسيحيين الموارنة مقابل حصر منصب رئيس الوزراء بين المسلمين السنة.

لم يكن رياض الصلح هو أول من تنبّه إلى أن المعركة الأصلية فى لبنان وليس فى سوريا، ففى منتصف الثلاثينيات بدأت العائلات السياسية السنية المسلمة فى عموم لبنان الانخراط فى الشأن اللبنانى وترك الشأن السورى، وأولهم الصحفى خير الدين الأحدب القادم من طرابلس، إذ قرر الرئيس اللبنانى أميل إده تعيينه رئيسًا للوزراء ما بين 5 يناير 1937 و18 مارس 1938 ليصبح أول مسلم يتولى منصب رئيس الوزراء، وتلاه عبدالله اليافى الذى شكل الوزارة اللبنانية سبع مرات أولها فى زمن إده ما بين عامى 1938 و1939.

وعقب سن الميثاق الوطنى عام 1943، تناوب على رئاسة الحكومة اللبنانية آل الصلح وآل كرامى، وحتى الشخصيات التى أتت من خارج العائلات السياسية الكبرى كانت قادمة من عائلات اقتصادية وتجارية كبرى أو يجمعها مصاهرات مع أسر سياسية، فعبدالله اليافى الذى شكل الوزارة سبع مرات كان متزوجًا من السيدة هند العظم التى تنتمى إلى أسرة شامية عريقة فى العمل السياسى.

لبنان عقب الحرب العالمية الأولى مثل سوريا، كان يضم عشرات العائلات العريقة من الوجهاء والنبلاء والإقطاعيين الذين يسيطرون على المجال العام سواء الاقتصادى أو السياسى، ولاحقًا تدثر الإقطاع بعباءة الدين فلم تكتف العائلات القوية بزعامات الأحزاب بل والطوائف الدينية أيضًا.

فكانت عائلات الصلح وكرامى من أبرز عائلات السنة فى لبنان، بينما عائلات شهاب وخورى وأدة وفرنجية وشمعون والجميل من أبرز العائلات المارونية، إضافة إلى عائلات جنبلاط وارسلان من الدروز، وغيرها من العائلات التى بدأت أولًا بنفوذ سياسى وإقطاعى قبل أن تتدثر بالعباءات الدينية ليحمى النفوذ الدينى والطائفة شبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية المتبادلة بين نبلاء وعائلات الطائفة الواحدة.

وللمفارقة فإن سوريا أيضًا كانت تضم النمط ذاته، مثل عائلة الأتاسى والعظم والأحدب والأطرش، ولكن هذه التقسيمة المجتمعية سحقتها الأنظمة القومية والبعثية فى سوريا بنسبة كبيرة.

 صعود الزعامة السنية

على ضوء اتفاق رياض الصلح مع بشارة الخورى، ظهرت زعامات سنية عتيدة فى لبنان، مثل سامى الصلح وعبدالحميد كرامى ورشيد كرامى.

إن صعود الزعامات السنية فى لبنان كان أمرًا غير مرغوب فيه فى أكثر من دولة؛ ففى تركيا كانت هناك مخاوف من تصاعد الصوت السنى فى سوريا ولبنان، وبدء المطالبة بالأقاليم السورية الشمالية ولواء الإسكندرون التابعة لسوريا التاريخية. هذا بجانب أن النظام السورى بكل نسخه سواء البعثية أو ما قبل البعثية كان يحبذ أن يظل هو صاحب الصوت السنى الحصرى فى إقليم الشام التاريخى، رغم أن النظام البعثى ليس علويًا كما تدعى الدعاية المضادة لسوريا، إذ إن أغلب قادة حزب البعث ووزرائه من المسلمين السنة أو المسيحيين، ولكن دمشق كانت تتخوف من تحمس بعض أهل السنة داخل سوريا لفكرة استيراد زعيم سنى من لبنان من أجل مشاريع انفصالية.

وبحلول أوائل السبعينيات بدأت فكرة إلغاء الزعامات السنية التقليدية العتيدة فى لبنان لصالح زعامات بديلة ضعيفة تصبح جزءًا من سياسة حزب البعث الاشتراكى العربى السورى وقد اتفق النظام الامبراطورى فى إيران مع دمشق على الهدف نفسه، وكانت فكرة حكومة شاه إيران فى هذا المضمار أن لطهران نفوذًا تاريخيًا بين شيعة الجنوب، وأن وجود «السنية السياسية» قوية فى وسط وشمال لبنان يضعف شوكة «الشيعية السياسية» فى الوسط والجنوب.

ومثل النظام البعثى، لم يكن النظام الإيرانى الامبراطورى ولاحقًا الإسلامى يفكر لأسباب طائفية، بل سياسية، فالنظامان الامبراطورى والإسلامى تعاملا مع حكومات وحركات إسلامية سنية، ولكن كانت الديموغرافية الشيعية اللبنانية هى استثمار إيران بكل طباعتها فى لبنان.

ومع أواخر السبعينيات أصبح هدف إضعاف الزعامات السنية فى لبنان هدفًا موحدًا للتحالف بين دمشق وطهران، وبدأت شخصيات جديدة تظهر على مسرح رئاسة الوزارة اللبنانية، كل إرثها السياسى هو دعم رجالات دمشق وطهران فى لبنان لهذه الشخصية عبر الانتخابات أو تصويت مجلس النواب.

ومع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) كانت أسرتا الصلح وكرامى قد وصلتا إلى أضعف نفوذ سياسى لهما على الساحة السياسية السنية، ولولا ظهور رفيق الحريرى وتوليه رئاسة الوزارة اللبنانية عقب اضطرابات 1992 لانهار نفوذ الزعامات السنية على ضوء انهيار الليرة اللبنانية قبل تولى الحريرى، وذلك أثناء وزارتى عمر كرامى الأولى ورشيد الصلح الثانية عام 1992. وعقب اغتيال رفيق الحريرى عام 2005، أعاد معسكر 8 آذار الموالى لسوريا وإيران تموضع لعبة إضعاف الزعامات السنية عبر افتعال الفراغ وتعطيل الحكومة، كما جرى مع وزارة فؤاد السنيورة، أو التعاون مع رئيس الوزراء بغية بث الشقاق بينه وبين معسكر 14 آذار كما جرى مع وزارتى سعد الحريرى.

ومع نهاية تيار المستقبل عمليًا خسرت الطائفة السنية فى لبنان التنظيم القوى الذى كان يدافع عنها، وأصبح هنالك فراغ فى الزعامة السنية ظهر واضحًا فى الانتخابات البرلمانية اللبنانية عام 2022، إذ للمرة الأولى منذ الاستقلال لا تكون هنالك كتلة أو حزب أو زعامة سنية واضحة فى العملية الانتخابية.

انهيار الزعامة السنية

بعض الأصوات التى تدعى العقلانية فى الشرق الأوسط تحدثت أن غياب الزعامة السنية فى لبنان يعيدنا إلى لبنان التاريخى الذى لم تظهر فيه زعامات سنية مقابل هيمنة للزعامات المارونية والشيعية والدرزية على لبنان ما بين القرن السادس عشر للقرن التاسع عشر، وهو قول تاريخى مبتور ومردود عليه بأن لبنان القديم وقتذاك لم يكن يضم محافظات ذات ديموجرافية من المسلمين السنة، كما أن عدد المسلمين السنة فى لبنان القديم وقتذاك لم يكن كما هو الحال اليوم، فالديموجرافية او التعداد السكانى كان دائمًا الحجة التاريخية للموارنة والشيعة فى تصعيد الزعامات السياسة على رأس جبال ما يعرف اليوم بالجمهورية اللبنانية.

البديل الإسلامي

جاءت الأحداث الدامية فى الأراضى الفلسطينية التى اندلعت منذ 7 أكتوبر 2023 تحت عنوان طوفان الأقصى، ثم بدء الاشتباكات بين جماعة حزب الله فى جنوب لبنان مع إسرائيل لتكشف أن للمحور الإيرانى مخططًا لملء هذا الفراغ السنى، وأن تغييب آل كرامى وآل الصلح وآل الحريرى كان الغرض منه أسلمة الزعامة السنية فى لبنان وتسليمها إلى تنظيمات إسلامية سنية موالية لحزب الله وبالتبعية إلى إيران.

يحتاج حزب الله إلى غطاء سنى فى لبنان حتى يسقط عن عاتقه التهمة الطائفية وأن انحيازه لمحور الممانعة الإيرانى يعود إلى أسباب طائفية، وإذا كان الرد على هذا الاتهام بأن إيران تتعامل مع جماعات إسلامية سنية فى عددًا من دول الشرق الأوسط سواء التنظيمات المحلية أو التنظيم الدولى للإخوان، فإن الطلب على تنظيم إسلامى سنى فى لبنان ظل حاضرًا.

فى أربعينيات القرن العشرين، قام عدد من الإسلاميين من لبنان بزيارة القاهرة والاجتماع مع العميل البريطانى حسن البنا بتوصية من بريطانيا، وكان غرض الزيارة هو تأسيس فرع لتنظيم الإخوان فى لبنان، وبالفعل تم تأسيس الجماعة الإسلامية فى لبنان التى تعتبر الذراع اللبنانية لتنظيم الإخوان والتنظيم الدولى للإخوان فى لبنان.

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) كان للتنظيم الاخوانى اللبنانى ميلشيا خاصة به هى «قوات الفجر» التى لم تشارك بنفس كثافة الميلشيات الطائفية الأخرى.

ولكن مع اندلاع اشتباكات طوفان الأقصى، تفاجأ المراقبون بأن الجماعة الإسلامية فى لبنان إضافة إلى حركة حماس الفلسطينية تصدران بيانات مشتركة عن مسؤوليتهما عن هجمات انطلقت من جنوب لبنان حيال شمال إسرائيل (فلسطين المحتلة)، وهكذا أخيرًا وجدت إيران وحزب الله «المحلل السني» ممثلًا فى إخوان لبنان (الجماعة الإسلامية) وإخوان فلسطين (حركة حماس).

إذن فإن اضعاف الزعامة السنية اللبنانية لم يكن سوى خطوة تمهيدية من أجل أخونة الزعامة السنية فى لبنان، وتصعيد الجماعة الإسلامية لتكون بديلًا عن تيار المستقبل معقل آل الحريرى وحزب الكرامة معقل آل كرامى، واذا كان محور الممانعة غير قادر على ترحيل تفكيك المحاصصة الطائفية فى لبنان لاستبعاد الطائفة السنية من المشهد السياسى فإن الحل هو تصنيع زعامات سنية موالية لمحور الممانعة بنسبة 100 % وهو ما ظهر فى أحداث طوفان الأقصى والتمهيد لتصعيد شخصيات من الإسلام السياسى السنى فى مستقبل لبنان لملء فراغ الزعامات السنية بعد أن قام محور الممانعة بالقضاء على الزعامات السنية التاريخية فى لبنان.

التجربة العراقية

ينظر إلى المحاصصة الطائفية فى لبنان أنها المرجع الذى نهل منه عراق ما بعد صدام حسين، ولكن فى  الوقت  نفسه فإن التجربة الإيرانية فى تهميش سنة العراق هى المرجع الذى يستخدمه محور الممانعة من أجل تهمش سنة لبنان.

مستقبل الزعامة السنية فى لبنان

إن استخدام إيران وحزب الله لتنظيم الإخوان فى لبنان من أجل ملء فراغ الزعامة السنية والتمهيد لأخونة حصة «المسلمين السنة» فى مجلس النواب اللبنانى وصولًا إلى تسمية رئيس وزراء موالٍ لتنظيم الإخوان فرع لبنان سوف يؤدى إلى تعميق عزلة لبنان عن محيطه العربى وإبقاء لبنان رهينة بيد طهران، وعلى الدول العربية التى صاغت مشروعًا لإعادة العراق إلى محيطه العروبى أن تدرك أن لبنان بلد مفتوح وجميع طوائفه تسعى للاستقواء بالخارج والمسلمين السنة ليسوا استثناء وأن رعاية مشروع زعامة سنية فى لبنان على نمط الرعاية السعودية لرفيق الحريرى ليس بالأمر الجديد على ساسة لبنان الحديث منذ تأسيسه عام 1920.