الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
بدأ منذ 1952.. تديين المجال العام وتطييفه.. ليس بـ«كرة القدم» وحدها نحقق الدولة المدنية المصرية!

بدأ منذ 1952.. تديين المجال العام وتطييفه.. ليس بـ«كرة القدم» وحدها نحقق الدولة المدنية المصرية!

أثيرت خلال الأيام الماضية مسألة تأسيس وإنشاء نادى «عيون مصر» التابع للكنيسة الأرثوذكسية المصرية. وهو ما تسبب فى حالة من الجدل السفسطائى الطائفى. وانقسم الجميع بين مؤيد أو معارض دون مناقشة حقيقية لواقع الأمر، والأسباب التى أدت بنا إلى الوصول لفكرة تأسيس هذا النادى. وكالعادة.. انتشر النقاش على الفيس بوك بشكل يميل إلى التناول العاطفى/ الطائفى أكثر من التناول العقلانى/ الوطنى. 



ويظل السؤال الأساسي: لماذا يحجم المواطنون المسيحيون المصريون عن العمل العام؟ وهل لا يزال الأمر كذلك بعد ثورة 30 يونيو؟ ومن المسئول؟ وما الحل؟! 

ويتبع ما سبق، مناقشة فكرة إنشاء نادى «عيون مصر»، وعلاقته بتديين الملف الرياضى المصرى وتطييفه وتوظيفه لصالح أفكار وتوجهات الدولة الدينية الفاشية.

لماذا يحجم المواطنون المسيحيون المصريون عن العمل العام؟! 

فى تقديرى، أن السبب الرئيسى يعود إلى: 

أولاً: الميراث التاريخى لما واجهه المواطنون المسيحيون فى مصر بوجه خاص من ظلم واستبداد فى بعض الفترات.. قد ساعد على تقوقعهم. وعلى الرغم أن هذه الأزمات أصابت المصريين جميعاً، فإنها قد تركت آثاراً سلبية إضافية عليهم.. نعانى منها إلى الآن.. كنتاج تراكمى منذ ثورة يوليو 1952 بعدم وصولهم للمناصب العليا أو ترقيتهم، ومنعهم تماماً من الالتحاق ببعض مجالات العمل فى مؤسسات الدولة وغيرها.

ثانياً: الخوف الشديد من التيار الإسلامى، وفقد الثقة فيه.. خاصة ممن صدروا أنفسهم باعتبارهم تيارات وسطية، ولكن سرعان ما ظهرت حقيقتهم فى ظل أحداث 25 يناير 2011، وتأكدت فى ظل وصول الإسلام السياسى للحكم. وتبعيات ذلك من تعرض البلاد لموجة من العنف والإرهاب والقتل والتدمير سواء على الهوية الدينية بشكل خاص، وعلى الهوية الوطنية المصرية بشكل عام.. فى مقابل ترسيخ خلافة الإسلام السياسى المزعومة.

»

على هذا النحو، قامت نهضة شاملة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للحفاظ على أبنائها. وتطورت الأنشطة داخل الكنيسة.. انطلاقاً من «مدارس الأحد». فى المجال التربوى، صارت للكنيسة العديد من الأنشطة التى تجذب أبناءها وتستقطب أتباعها، وعلى سبيل المثال: مدارس الأحد أو التربية الكنسية للمراحل التالية: الحضانة، والابتدائى، والإعدادى، والثانوى. ثم الأسر الجامعية، واجتماعات الخريجين. 

وفى المجال الثقافى، نجد وسائل الإيضاح التى تساعد فى شرح وتبسيط الدروس الدينية والتعليمية لمدارس الأحد، والمكتبة الصوتية «شرائط كاسيت» والمكتبة المرئية «الأفلام السينمائية وشرائط الفيديو والسى دى»، ومكتبة الكتب «للاستعارة أو البيع»، وبرامج تعليم اللغات الأجنبية والكمبيوتر، بالإضافة إلى مسرح العرائس، والمجموعات الثقافية فى بعض  – وليس كل – الكنائس. أما المجال الاجتماعى، فنجد الاهتمام بنشاط الرحلات وبإخوة الرب «المحتاجين وغير المقتدرين» الذين تقدم لهم إعانات مادية وعينية شهرياً وفى الأعياد. وهناك بعض الكنائس التى تقدم خدمات إضافية منها: مشغل للبنات وبيت للمسنين وخدمة تكفين ونقل الموتى. ويرتبط بهذا المجال الخدمات الصحية التى تقدمها بعض الكنائس أو جمعيات المجتمع المدنى المسيحية، وعلى سبيل المثال: العيادات والمستوصفات والمستشفيات. ثم المجال الرياضى من خلال إقامة دورات رياضية فى كرة القدم وغيرها. بالإضافة إلى بعض الكنائس التى تقيم قاعات للجيمانزيوم. وأخيراً إنشاء أكاديمية لكرة القدم. ويتم تقديم كافة تلك الأنشطة أما بشكل مجانى أو من خلال دفع قيمة رمزية بما يسمح لأكبر عدد من الاستفادة منها. 

»

تطورت كافة المجالات السابقة لتصل إلى ما هى عليه الآن.. لمقاومة انفراط أبناء الكنيسة الأرثوذكسية منها. وعلى الرغم من أن هدف هذه الأنشطة الأساسى بدأ من أجل الحفاظ على هويتها وكينونة أتباعها، فإن المشهد قد اختلف كثيراً فى بداية الألفية الثالثة نتيجة تغيرات كثيرة على عدة مستويات. غير أن هذا المشهد قد ساعد بصورة أساسية – كما نعتقد – فى تقوقع المواطنين المسيحيين المصريين ليس على أنفسهم فحسب، بل على الكنيسة نفسها أيضاً. وهو ما ترتب عليه أن تتحول المؤسسة الدينية - أى الكنسية - إلى مؤسسة عامة.. عندما قامت بدور وزارة التربية والتعليم ووزارة التضامن الاجتماعى (الشؤون الاجتماعية سابقاً) ووزارة الصحة ووزارة الشباب والرياضة من خلال الأنشطة سالفة الذكر. وساعد على زيادة هذا الدور ما حدث من تراجع ملحوظ لدور الدولة فى تلبية هذه الاحتياجات التى قامت بتنفيذها المؤسسة الدينية. ولا زلنا نعانى من تلك الحالة رغم كل جهود الدولة بعد ثورة 30 يونيو التى استهدفت تصحيح ما سبق.

ترتب على هذا الحال.. أن أصبحت المؤسسة الدينية هى الوسيط والجسر الذى يربط الفرد بالوطن والدولة، وعليه يتحدد مفهوم الانتماء ومعانيه. والخطر الشديد أن يؤدى هذا إلى حدوث خلل أو شرخ فى منظومة انتماء الفرد لوطنه، ونجد أنفسنا فى مأزق حينما تصبح المؤسسة الدينية هى البديل الشرعى للوطن والدولة.. على اعتبار أن المؤسسة الدينية هى التى تقوم بتلبية الاحتياجات الفورية والسريعة والملحة، وليس الدولة. وفى هذا السياق نجد أن الجوامع و المساجد فى مصر ليست بعيدة عن الطرح السابق، ولكن بأشكال متفاوتة، فالعديد من الأنشطة التى تقوم بها الكنيسة الآن.. تقوم المؤسسة الدينية الإسلامية فى مصر بمثيلاتها طبق الأصل.

»

ما سبق، يمثل التمهيد الطبيعى لفكرة تأسيس نادى «عيون مصر» باعتباره البديل العملى لاستبعاد الموهوبين من الرياضيين المسيحيين المصريين من الاشتراك فى المنافسات الرياضية. وهو الأمر الذى ظل لسنوات طويلة دون أن ينزعج أحد من هذا الاستبعاد. وهو الإقصاء الذى طال عدة مجالات على غرار أقسام النساء والولادة بكليات الطب.. طبقاً لتوجيه غير مكتوب.. ولكن تم تنفيذه بإتقان شديد.

المؤيدون لإنشاء نادى «عيون مصر» يستندون لعدم وجود ناد يقبل إلحاق الموهوبين من المسيحيين المصريين  بفريقه لكرة القدم، بل واستبعادهم بسبب عنصرية بعض المدربين والأندية فى عدم قبولهم، بل واعتبارها خطوة تستحق التقدير والشكر لكونها تعالج مشكلة أزلية دون حل حقيقى. ولن يكون الحل فى رفض الفكرة دون تقديم بديل.. سوى ترديد شعارات وطنية لا تأثير لها فى الواقع العملى سوى تجييش المشاعر الوطنية.

والمعارضون للفكرة يستندون لكونها تكرس الطائفية وتعززها سواء ضد أبناء الكنيستين الإنجيلية والكاثوليكية أو ضد المواطنين المسلمين المصريين. كما أنها فكرة تعرقل تقدم منظومة المواطنة المصرية.   

نفى أشرف صبحى «وزير الشباب والرياضة» أن يكون النادى مقصوراً على الشباب المسيحى المصرى فقط، كما نفت الكنيسة ذلك أيضاً.. رغم أن بيان الإعلان عن شروط العضوية نص على أنه يتم عمل متابعة روحية منتظمة للأولاد من خلال النوتة الروحية التى يتم توزيعها على كل ولد ولا يسمح بحضور التدريبات بدونها. وهو ما يفهم منه أنه يقتصر على الشباب الأرثوذكسى المسيحى المصرى فقط دون غيره.

»

نقطة ومن أول السطر..

اختزال البعض لفكرة إنشاء النادى بأنه طائفية.. دون معالجة الأسباب الحقيقية للجوء لهذا الحل هو تبسيط مخل لحل أزمة رياضية طائفية. قطعاً أنا ضد أى كيان ثقافى أو اجتماعى أو رياضى تحت الغلاف الدينى لأنه دور الدولة بالدرجة الأولى، وليس دور المؤسسة الدينية التى هى أحد مؤسسات الدولة، وليست موازية أو بديلاً لها فى كل الأحوال. ولن يكون الحل فى مواجهة التمييز والطائفية بتمييز وطائفية مضادة.

ولكنى فى الوقت نفسه، أساند وأدعم تجريم هذه الأشكال من الإقصاء والاستبعاد والتمييز. وهو من ثوابت دولة 30 يونيو التى رسخت منظومة المواطنة والدولة المدنية المصرية فى إدارتها للتنوع وقبول الاختلاف. والحل فى استكمال تلك المسيرة بمواجهة الأفكار التى رسخت لتديين المجال العام وتطييف المجتمع وسلفنته دينيًا.. لنكفّر المختلفين عنا سواء فى الرأى أو النوع أو الدين.. وطمس قيم التسامح وقبول الاختلاف والتعددية. والترويج لنشر خطاب الكراهية والتمييز والإقصاء والاستبعاد والتهميش والتنمر.. استهدفوا تغيير الهوية المصرية، وارتكزت ثورة 30 يونيو العظيمة على مشروع متكامل لاستعادتها.. وحانت الآن مَرحلة الوعى بها.. 

ليس بالوعى وحده.. يمكن مواجهة الطائفية، بل بقوة نفاذ النصوص القانونية والدستورية التى من شأنها إعلاء قيمة العدالة الناجزة فى تثبيت أركان الدولة المدنية المصرية.. ومواجهة كافة أشكال التعصب والتمييز والازدراء والتنمر.>