الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
ثورة يوليو.. الجنة التى ضاعت والحلم الذى لم يتحقق

ثورة يوليو.. الجنة التى ضاعت والحلم الذى لم يتحقق

يتعجب المرء من هواة إفساد المزاج العام كلما ابتهج أو احتفل أو تذكر أيامًا مجيدة فى تاريخه ليتشمم بعض نسائمها، ودول الدنيا بأسرها تحتفى بثوراتها المؤثرة فى مجرى حياتها، الأمريكان لهم ثورة، والفرنسيون لهم ثورة، والصينيون والهنود والجزائريون، بل إن بعض الإنجليز ما زالوا يشربون حتى الآن نخب فشل أوليفر كرومويل فى تأسيس أول جمهورية فى بريطانيا فى القرن السابع عشر. وحين احتفت مصر بسبعين سنة على ثورة يوليو 1952 خرج علينا هواة العكننة يعددون محاسن الفترة الملكية، ويحصون خطايا الثورة، كما لو كانت الثورة «فكرة طائشة» طقت فى أدمغة مجموعة من ضباط الجيش دون دوافع من الواقع، فخرجوا على الملك ونظامه.



طبعًا لم يفسروا عمدًا أسباب خروج الشعب البسيط عن بكرة أبيه مؤيدًا وهاتفًا وسعيدًا، بفجر جديد طال غيابه وانتظروه كثيرًا.

قطعًا ارتكب رجال الثورة أخطاء وخطايا، فهم لم يكونوا ملائكة ولا منزلين من السماء، وتعرجت بمصر السبل إلى حفر ومطبات خارجية وداخلية، لكن الثورة ليست هى السبب، إنما نحن جميعًا السبب، فالثورة فكرة، لكن أعمالها بشر: حكامًا ومواطنين، فكيف نقيّم هذه الأعمال فى بيئة إقليمية وعالمية لها تقاليد وقوانين وثقافة حاكمة؟

نعود إلى هواة النكد الذين يعايروننا بالجنة التى كان المصريون يعيشون فيها، وأضاعتها الثورة، والمدهش أن ثمة مواقع على شبكات التواصل الاجتماعى وصفحات لشخصيات لها مكانة، وتبدو على قدر كبير من المعرفة لا تكف عن البكاء على أطلال تلك الجنة، مع أن تلك الجنة لم يرها واقع المصريين أبدًا، بل كان المصريون يتحركون فى واقع يشبه بيئة الإنسان حين غضب الله عليه وأنزله إلى الأرض يكابد ويكد ويتألم، ليعثر على قوت يومه بصعوبة وسط تحديات شديدة القسوة حوله. يقولون إن القاهرة كانت من أجمل عواصم العالم والإسكندرية عروس البحر المتوسط بلا منازع، كان المدرس أبًا أو أخًا، والطبيب إنسانًا، والقاضى قدوة، والضابط ملاذًا، وكان الشارع منضبطًا والناس راضية، أمن وأمان وسلام اجتماعى، وفى ظل الاستقرار والحرية والعدل، كانت العلوم والفنون والآداب منارًا للعالم، وكان الاقتصاد قويًا والخدمات الطبية والتعليمية والمالية والمنتجات الزراعية والصناعية على أعلى مستوى، كان هناك حفاة لكن لم يكن فى مصر من يأكل من القمامة، وكان الموسرون يتبرعون لإنشاء المدارس والمستشفيات والجامعات والتى صارت استثمارًا.



يا ترى هل هذا كان صحيحًا؟

أى قاهرة يقصدون؟، القاهرة الخديوية وقاهرة الزمالك وجاردن سيتى أم قاهرة روض الفرج والشرابية والسيدة عائشة وسوق السلاح والساحل..إلخ؟، مناطق لم تعرف الكهرباء عمليًا إلا فى أوائل الستينيات من القرن العشرين، ومعهم أكثر من %90 من المصريين فى القرى والنجوع والكفور والعزب وعواصم المدن فى المديريات المصرية، وهؤلاء الريفيون الأغلبية لم يشربوا قط مياهًا نظيفة وإنما افترستهم الأمراض والجهل والفقر، ولم يتجاوز متوسط أعمارهم 40 عامًا، يمشون حفاة فى الطرقات بملابس تسترهم بالكاد، ويعملون كالعبيد فى أرض الباشاوات والأغنياء مقابل 120 قرشًا فى الشهر، يعنى أربعة صاغ فى اليوم، أى 20 سنتًا أمريكيًا، تعادل ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه بقيمة هذه الأيام، ويسكنون دورًا سوداء كالحة «مليسة» بالطين، ويعيشون على الجبن القديم والمش ولا يأكلون لحومًا إلا فى المواسم والأعياد فقط. 

باختصار إذا كان أثرياء القاهرة والإسكندرية والأجانب صنعوا من «الأحياء الحديثة» فى المدينتين مكانًا مرفهًا يليق بهم، فماذا عن %95 من المصريين فى حياتهم؟

شيء طبيعى جدًا فى شوارع يندر فيها السيارات أن تكون منضبطة، وأذكر ونحن صغار حين كنت أزور قريتى فى الستينيات، ونرى سيارة ملاكى تقف على «الزراعية»، نلتف حولها بالعشرات نهتف ونصفق كما لو أننا رأينا سفينة فضاء من كوكب آخر، وهو نفس حال السيارات فى الأحياء الشعبية، كما بينته أفلام ذلك الزمان. 

وهذا المجتمع المتناغم السعيد الهانئ بحياته صورته السينما المصرية فى عشرات الأفلام، هل تذكرون فيلم العزيمة؟، أول فيلم واقعى من إنتاح عام 1939، يحكى عن أزمة البطالة فى المجتمع المصرى الذى كان عدد سكانه يقل عن 17 مليون نسمة، وبطالة من؟، المتعلمين.

فى فيلم دموع الحب، وهو من إنتاج عام 1935، حوار بين محمد عبد الوهاب وعبد الوارث عسر، وهما يتحسران على أيام زمان وما جرى للناس فأفسد أخلاقياتهم، وإذا أسرعنا إلى فيلم السوق السوداء أول أفلام عماد حمدى، من إنتاج عام 1945، نجده عن أزمة السكر والزيت والشاى واستغلالها فى جنى أكبر مكاسب على حساب الغلابة، أما فيلم أولاد الشوارع من إنتاج عام 1951، فهو ينسف كل «جنة» يصفها عشاق الملكية.. ويمكن أن أسرد ألف حالة وربما مئة ألف ليست من السينما إنما من واقع الدراسات العلمية التى رصدت أحوال ذلك الزمان اقتصاديًا واجتماعيًا، ويكفى أن أذكر دراستين، قصة الثروة فى مصر خلال 200 عام، أحمد كمالى، سنوات الهوان من محمد على إلى فاروق، عبد القادر السعدنى.

ولا يمكن أن نغفل روايات العبقرى نجيب محفوظ أو أعمال توفيق الحكيم نماذج عن هذه الفترة، ولم يكونا من عشاق ثورة يوليو، فهما مفكران قبل أن يكونا أديبين، العقل هو الحكم والواقع هو المعيار.



نجيب له روايتان كاشفتان فى غاية الأهمية، القاهرة الجديدة عام 1945، وبداية ونهاية عام 1949، وقطعًا هو كتبهما قبل النشر بسنوات، الأولى تتحدث عن فقر شرس ينهش فى نفوس من يصطادها، ولا يسمح بالفرار منه إلا «بسقوطها الهائل إنسانيًا وأخلاقيًا وقيميًا»، فى فخ ينسج خيوطه القادرون المتمتعون بالثروة والنفوذ، ويشرح نجيب من خلال أبطاله وهم من فئات اجتماعية وثقافية مختلفة طبيعة العلاقات الحاكمة فى المجتمع.. هذا مجتمع كان يبعد مليون ميل عن أى جنة. وفى «بداية ونهاية» يعيد الأستاذ نجيب تشريح المجتمع، من طبقته الوسطى الدنيا، وهى تحاول أن تنهض وترفع رأسها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لكن قانون النفوذ والثروة والصعود الاجتماعى له أحكام قاطعة، بأن النهاية مثل البداية، فالبداية من موت الأب فجأة لتجد الأسرة نفسها فى مهب الريح، تسعى وراء معاش يتعطل فى دهاليز نظام رديء، فيتفرق الأخوة الرجال فى دروب مختلفة بين الجريمة والوظيفة الصغيرة والصعود الانتهازى للابن الأصغر، على حساب جسد أخته، لتوفر له بعض ما يريد، والنهاية من موت الأخ المجرم والأخ الانتهازى والأخت.. عملية هروب من الفقر أجهضها نظام اجتماعى وسياسى شديد القسوة، ينحاز إلى القادرين ويدوس على غيرهم! أما توفيق الحكيم فهو رصد حالة العدالة أيام كان نائبًا فى الأرياف، وهو رصد واقعى لا يمت فى تفاصيله للأدب بصلة، وإنما فى سرده ولغته ورؤياه، عدالة أقل ما توصف به بائسة سياسيًا، بتزوير نتائج الانتخابات البرلمانية تحت إشراف قضائى، ويحدد فيها دور مأمور المركز، واجتماعيًا فى معاناة الضحايا من الفقراء بين قاعات المحاكم.

وقطعًا لم تكن أيام الملكية سوادًا فى سواد، فيها أشياء كثيرة رائعة وأعمال مجيدة فكرًا وثقافة وتطورًا ونضالًا، لكن لم تكن جنة، وكانت حبلى بالثورة جنينًا فى أحشائها لسنوات طويلة، حتى خرجت للحياة فى يوليو 1952.

لم يكن ثوار يوليو سوى «ضباط صغار متمردين»، فيهم سذاجة الحلم وعشق الوطن وسحر التاريخ القديم، واندفاع الشباب وأحيانًا رعونته أو حتى تهوره، وغرور قوة الدبابات التى وصلوا على جنازيرها إلى السلطة، كانوا بلا خبرة أو دراية فى بيئة داخلية تغلى وتفور، ومرحلة فاصلة فى النظام العالمى، وبدلًا من أن تلعب أغلب النخبة السياسية والثقافية دور العقل الواعى والضمير الوطنى الخالص فى فرملة اندفاع هؤلاء الثوار، وإعلاء شأن الوطن وأهله قبل أى شيء، فكروا فى استثمار اللحظة، أن يكونوا لاعبين حاكمين، وحبذا لو ضحكوا على هؤلاء الثوار ووضعوهم فى جيوبهم، لتصفية خصومهم أولًا، والصعود على أكتافهم ثانيًا، فعرف هؤلاء الثوار ضآلة هؤلاء الذين كانوا يتصدرون المشهد العام إلا القليل منهم، فسألوا أنفسهم: ولم لا نحكم نحن وهؤلاء يخدموننا؟ وشيء طبيعى بعد أن أمسكوا بالسلطة أن ينشغلوا بصراعات على من يجلس على الكرسى منفردًا، خاصة أن الشعب بكل طوائفه أسلم لهم القيادة تسليم المؤمنين والدراويش فى بركات الأولياء وأصحاب الطريقة، فمات البند السادس من مشروع الثورة فى المهد وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، التى لم يسع إليه إلا قلة ضئيلة لا توفر قوة دافعة له.

ناهيك أن العصر نفسه لم يكن عصرًا ديمقراطيًا على عكس ما يشاع، فالإقليم كله بلا ديمقراطية، وأكثر من ثلثى سكان العالم شرقًا وغربًا يعيشون فى دول بلا ديمقراطية، ونظام جديد بقيادة الاتحاد السوفيتى يؤمن بنظام الحزب الواحد يسيطر على نصف الكرة الأرضية، والغرب نفسه يريد الديمقراطية لتكون جزءًا من أحلاف يصنعها حول الكتلة الشيوعية.. باختصار كانت بيئة عالمية داعمة لفكرة الاستبداد السياسى، وهو الذى جرجر مصر إلى نكسة 1967، وبدايتها هو تأميم الصحافة، إذ فقد جمال عبد الناصر مصباح ديوجين، الذى يضيء أمامه الدروب المعتمة المحيطة به، فسقط فى الفخ ولم تنقذه أجهزته.

لكن الثورة اجتماعيًا قلبت مصر رأسًا على عقب، المصريون الفقراء يتملكون أرضًا زراعية لأول مرة فى تاريخهم، يعلمون أولادهم فيتخرجون أساتذة ومهندسين وأطباء وصيادلة ..إلخ.

باختصار لم تكن أيام الملكية جنة، وأيضًا لم نصنع بعدها الجنة، وعلينا الآن أن نمضى قدمًا إلى الحلم الذى لم تحققه ثورة يوليو 1952 طوال 70 سنة.