الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
قبل فوات الأوان

قبل فوات الأوان

عقب إعلان لاعب الإسكواش محمد الشوربجى تمثيله لبريطانيا فى البطولات العالمية للعبة بدلا من مصر، حفلت وسائل التواصل الاجتماعى بتعليقات عديدة معظمها يدين اللاعب وأخرى تدافع عنه، وحملت بعضها سخرية مريرة من المفارقات، فقد تم التباكى على لاعب قرر ألا يمثل بلده، وأن يلعب باسم دولة أخرى، وفى الوقت نفسه لم يلتفت أحد لأصحاب تخصصات علمية مهمة تركوا البلد وهاجروا، ولم يرافق ذلك نفس الضجيج والاهتمام، ورغم أنه لا يمكن التقليل من الرياضة ودورها العالمى، لكن يجب عدم تجاهل صيحات التحذير التى أطلقها البعض، فقد كتبت الصفحة الرسمية لائتلاف أطباء مصر «البلد مقلوبة علشان لاعب إسكواش قرر يسيب البلد ويمثل إنجلترا، وبيانات رسمية لبحث الأسباب والتداعيات، وإعلام مخصص حلقات علشان محدش مهتم بيه من المسئولين، فى الوقت اللى عشرات الأطباء فى السنين الأخيرة هاجروا واللى فاضل بيحضر للهجرة بلا رجعة ومحدش سامع عنهم ولا عن مشاكلهم»، الصفحة ذاتها نشرت تقريرًا لصحيفة الجارديان البريطانية يشير إلى توظيف أطباء من خارج المملكة البريطانية بعدد أكبر من أطباء الداخل بسبب عجز الأطباء هناك، ووجه التقرير الشكر للأطباء الذين اختاروا العمل بإنجلترا خاصة الهنود والباكستانيين والمصريين، وحسب صفحة الائتلاف فإنه فى عام 2021 سافر للعمل ببريطانيا 1250 طبيبًا مصريًا بعد حصولهم على الزمالات والمعادلات اللازمة التى أهلتهم لعضوية المجلس الطبى البريطانى، وكتب آخرون على الفيس بوك «أنهم مستاءون من الاهتمام بانتقال لاعب فى لعبة فردية غير أولمبية فى حين لم يهتموا بانتقال أكثر من خمسة عشر ألف طبيب لتمثيل دول أوروبية وأمريكا خلال العشر سنوات الأخيرة منهم خمسة آلاف فى العامين الأخيرين فقط»، وكتب آخر ساخرًا فى حوار متخيل بين صديقين: «تصور أن أكثر من 7800 طبيب سابوا مصر وهاجروا السنة اللى فاتت ومعاهم لاعب إسكواش ويرد عليه صديقه يانهار أسود بتقول لاعب إسكواش ساب البلد».



فى الحقيقة لا يمكن التأكد من دقة هذه الأرقام وهل بها مبالغة أم أنها تقترب من الواقع؟، لكن فى كل الأحوال فإنها تدق ناقوس الخطر لما يحدث فى المجال الطبى منذ سنوات، وسبق أن حذرت نقابة الأطباء من هجرة الأطباء وسفرهم للعمل بالخارج واستقالتهم من العمل فى المستشفيات الحكومية ما يؤدى إلى قلة عدد الأطباء ويؤثر على الخدمة الطبية، حيث رصدت النقابة استقالة 11500 طبيب من عملهم الحكومى منذ عام 2019 حتى الآن، كما أن وزيرة الصحة - المجهول وضعها الوزارى- صرحت من قبل أن 60 % من الأطباء المصريين يعملون بالخارج خاصة فى السعودية، وحسب دراسة أعدتها وزارة التعليم العالى بالتعاون مع وزارة الصحة عام 2019 عن مدى احتياجات مصر للأطباء البشريين والمقارنة بالمعدلات العالمية، «أن أعداد الأطباء البشريين المرخص لهم بمزاولة المهنة حتى آخر عام 2018 بلغت 212 ألفاً و835 طبيباً، يعمل منهم بالجهات المختلفة التى تشمل وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة وجامعة الأزهر ومستشفيات الشرطة 82 ألفًا بنسبة 38 %، وأضافت الدراسة أن معدل الأطباء فى مصر 8.6 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، بينما المعدل العالمى 23 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن»، وقد زاد هذا العدد طبقًا لدراسة أحدث لنقابة الأطباء إلى 9.2 طبيب لكل 10 آلاف مواطن وذلك بعد الإجراءات التى اتخذتها الحكومة لصالح الأطباء مؤخرًا، إلا أن الأرقام تظل بعيدة عن المعدل العالمى، ومن المتوقع زيادة سفر الأطباء للخارج سواء للعمل مؤقتًا أو الهجرة بشكل دائم مادامت مشاكلهم لم تحل وعلى رأسها تدنى المرتبات، حتى إن بعض الأطباء يفضلون العمل فى الدول الإفريقية مثل نيجيريا وكينيا لارتفاع أجورهم فى هذه الدول مقارنة ببلدنا، كما أن عملهم يتم فى ظروف أفضل من حيث عدد ساعات العمل وتسهيل حصولهم على الدراسات العليا والزمالة على عكس مصر التى زاد فيها تعقيدات هذه الدراسات، ويكفى أيضًا معاناة الأطباء فى أقسام الاستقبال والحوادث، حيث يتعرضون للاعتداء من قبل أهالى المرضى دون وجود حماية لهم، بجانب عدم الاستجابة لمطلب إصدار قانون المسئولية الطبية والذى من المفترض أن يحاسب الأطباء من خلاله عند اتهامهم بالوقوع فى أخطاء مهنية بدلاً من قانون الجنايات.. أعتقد أن القضية خطيرة ويجب على وزارة الصحة أن تعلن لنا الأرقام الحقيقية لهجرة الأطباء إذا كانت متوافرة لديها، أو تكلف الجهات المعنية مثل وزارات الهجرة والداخلية والقوى العاملة والخارجية - من خلال السفارات فى الخارج خاصة فى أوروبا وأمريكا - بإمدادها بأعداد الأطباء المهاجرين الذين يعملون فى هذه الدول تمهيدا لهجرتهم حتى نكون على بينة من وضعنا ومستقبلنا.

ما فعله الشوربجى صيحة تحذير من المفترض أن تنبهنا لخطورة هجرة عقول المستقبل ليس فى الطب فقط، ولكن فى كل المجالات فهل يستمع أحد قبل فوات الأوان؟